«امتلأ برغبة حارقة أن يعيد نثر ملامح سنوات عمره علي
الأوراق حروفا وكلمات.. إن أراد تحرير روحه مما يثقلها..
لن يكتب إلا عما يعرفه جيدا بكل الصدق والحرية لجعل الحروف
تتجسد طاهرة كقطرات الطل التي يخلقها جدل الليل والنهار
علي ورق الأشجار.
كل ما سيسعي إليه أن يضع حدا لهذا «القلق - الرعب» الذي
يزلزله كلما فكر فيما جري.. فليس هناك سبيل آخر للتخلص من
براثن العذاب الذي تحمل جراح أظافره منذ الصباح.. سوي
الانتحار.. أو الكتابة.
الكتابة عنك أنت بالذات، عن صحبة أربعين عاما، أتحرك
بقدميك، أتكلم بلسانك، تشدني إليك الدماء التي انحدرت
لكلينا عبر سلسال طويل من العبيد والجواري - الفلاحين
والنخاسين من أجدادنا الذين اغتصبوا «المحروسة» لأحقاب
طويلة من الزمان، نعم يا صديق العمر سأتكلم.. بكل الصدق
الخشن الجارح، لأنني ما عدت أطمع إلا أن أتحرر منك.. أن
أمزِق عن جسدي جلدك الكريه، وأطرد من عروقي دمك الملوث..
لعلي بذلك أتحدي المجهول الذي طلمسته حولي بأحزان صباحات
«الخامس من يونيو» التي لم تتوقف أبدا عن تكرار مرارتها في
حلقي قبل «بيروت وعدن وبغداد» بزمان.. وأكتسب قدرة لأخترق
الحصار.. وأزيح غمامات الكذب الذي أغرقتني في لجته اللزجة
- لترحل عني.
لكن ليس قبل أن تقرأها.. كلماتي.. كي تكتسب قوتها السحرية
القديمة.. وإلا فلن يكون لكل ما عشته أو قلته نثرا أو شعرا
- أي جدوي.
هكذا تحدث الشاعر الكبير سمير عبدالباقي في تصدير كتابه
الجديد «ولا هم يحزنون»، الصادر مؤخرا عن دار «مدبولي
الصغير» وهو رواية «علي هامش السيرة الذاتية»، وواضح أنها
جزء أول من أجزاء ستجيء تباعا.
وبهذا الكتاب الجديد يواصل شاعرنا مشروعه الإبداعي المتنوع
ومساره الفني الخصب، الذي يتوزع بين شعر العامية «الذي
يعتبر سمير عبدالباقي أحد أعلامه البارزين من جيل ما بعد
الريادة»، وشعر الفصحي، والرواية «مثل هكذا تكلمت
الأحجار»، والكتابة للطفل، فضلا عن العروض المسرحية
الغنائية التي تنتمي إلي التابلوهات السياسية التسجيلية
«وفي تسمية أخري: الكباريه السياسي»، التي تعيش في ذاكرتنا
منها: «في حب مصر»، التي كانت إحدي ملامح الثورة الطلابية
المصرية في النصف الأول من السبعينيات، بالاشتراك مع
المغني الثوري الراحل عدلي فخري.
في «ولا هم يحزنون» ينكأ سمير عبدالباقي الجراح لكي تتطهر
وتندمل: جراحه وجراح جيله وجراح وطن، يستبطن ذاته ومساره،
بين الدمعة والابتسامة، بين حزن الفرد وحزن الجماعة، بين
الأمل الصعب والأمل الممكن.
ماتزال ترن في أذني - حتي الآن - كلمات سمير عبدالباقي،
بصوت عدلي فخري، علي مسرح قاعة تشايكوفسكي بالمركز الثقافي
السوفييتي عام 1975، وهو ينادي بابلو نيرودا عبر «النشيد
الفقير» صائحا بين الشجن والشجن:
«صوتك علي موج البحور في قلوبنا ساري زي ابتسامة الطفل في
القلب اليساري».