تري بماذا كان يفكر الكاتب الفرنسي «اريك ايمانويل
شميت» وهو يكتب روايته الأشهر «مسيو إبراهيم وزهور
القرآن»، تلك الرواية التي حققت شهرة عالمية صعدت باسم
مؤلفها إلي مصاف كبار الروائيين رغم أن عدد صفحاتها لا
يتعدي الستين صفحة، ومع ذلك فقد بيع منها في فرنسا - فقط-
300 ألف نسخة وتمت ترجمتها إلي عشرين لغة كان آخرها
الإيطالية التي بيع منها ما يزيد علي 80 ألف نسخة،
بالإضافة إلي ذلك تحولت إلي فيلم سينمائي حمل نفس الاسم
وقام ببطولته النجم المصري العالمي عمر الشريف، الذي حصل
عن دوره في هذا الفيلم علي جائزة معرض «فرانكفورت الدولي
للكتاب في التقريب بين الشعوب» العام الماضي0
ولعل في مسمي الجائزة إجابة للسؤال الذي طرحناه حيث تقدم
الرواية صورة إنسانية شديدة المغزي لحوار الحضارات و
الديانات بعيدا عن النظريات المضادة التي طرحها «هنتنجتون»
أو «فوكوياما» وغيرهما حول نهاية العالم وصدام الحضارات،
وإن جاءت في صورة جزئية رمزية،ولكن لا ضير في ذلك
فالجزيئات بداية حقيقية للكليات بل هي بداية صحية لها0
وربما نحن كعرب وكمصريين علي وجه أخص سمعنا بالرواية، لكن
لم نقرأها، ولحسن الحظ فقد صدرت ترجمتها هذا الأسبوع عن
دار الشروق والتي قام بها الكاتب محمد سلماوي - رئيس اتحاد
الكتاب- ليواكب ذلك حضور مؤلفها إلي مصر للمشاركة في
احتفالية الاتحاد بمناسبة مرور ثلاثين عاما علي تأسيسه0
محاور رئيسية
تدور أحداث الرواية حول شخصيتين محوريتين أولاهما صبي
يهودي يدعي «مويسيس- أي موسي» الذي يعيش حياة أسرة مضطربة
نظرا لانفصال والديه منذ أن كان طفلا، يتخلل ذلك ممارسات
سلطوية قهرية يمارسها الأب ضده، مما يولد لدي هذا الفتي
الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره إحساسا بالوحدة
والضغينة والكراهية ليس لوالده فحسب وإنماتجاه العالم كله
فيتحول إلي شخصية عدوانية تمارس ترسبات هذا القهر علي
الاخرين من خلال السرقة والتحايل وغيرهما من الأساليب التي
تؤدي به- في النهاية- لأن يصبح مسكونا بشهوة الشر
والانتقام0
أما الشخصية الثانية فهي شخصية «مسيو إبراهيم» البقّال
المصري الذي يسكن في نفس الشارع الذي يسكن فيه الصبي
«مويسيس» والذي كان عادة ما يسرق منه بعض البضائع، ومع
اكتشاف «مسيو إبراهيم» لما يفعله هذا الصبي في دكانه
الصغير لم ينهره ولم يعاقبه بل عامله بحنان لم يجده في
بيته، ولذلك نراه يقول : «مسيو إبراهيم وبائعات الهوي
جعلوا حياتي مع ابي أكثر صعوبة، فقد بدأت أقارن بينهما،
وفي حين كنت أشعر بالبرودة مع أبي كنت مع مسيو إبراهيم
والمومسات أشعر بالدف والنور» ص025
فإذا كانت علاقة الشاب الصغير بفتيات شارع «بارادي» بباريس
قد جعلته يكتشف رجولته لأول مرة، فإن علاقته مع «مسيو
إبراهيم» ذلك المسلم الأناضولي قد جعلته يحاول اكتشاف نفسه
من جديد، فقد علمه كيف تكون الابتسامة حلا لكثير من
المشاكل المعقدة ولننظر إلي هذا الحوار شديد الدلالة، شديد
الشاعرية، والمليء بأحاسيس فياضة بين الشيخ المجرب والصبي
النزق0
- لماذا لا تبتسم ابدا يا مومو؟
سألني مسيو إبراهيم0
كانت لطمة حقيقية، لم أكن مستعدا لها0
- الابتسام هو إحدي خصائص الأغنياء يا مسيو إبراهيم وأنا
غير متيسر الحال0
ونظراً لأن الفتي رغم ما كان يعتمل في صدره من كراهية
للآخرين، إلا أن به قدراً ولو يسيرا من البراءة والطفولة
جعلته يري أن السعادة والابتسام سلعة لا يقدر علي شرائها
الفقراء وبسطاء الناس، لكن الشيخ المجرب يؤكد له «أن
الابتسام هو الذي يجعل الإنسان سعيدا وليس المال»0
ولذا رأيناه يعلمه كيف يبتسم وهو يحب فتيات شارع «بارادي»
وهو يتحايل علي الاخرين، وهو يسرق أباه0
وربما تذكرني علاقة هذا الفتي بالأب الصارم بعلاقة «كافكا»
بأبيه والتي أوردها في كثير من قصصه القصيرة لدرجة إنه كان
يقول عنه «كان لا يجعنلي أعيش» بل أكاد أجزم أن «شميت»
تأثر -كثيرا» بالتراث الكافكاوي، فكلنا يعرف أن كافكا كان
يهوديا وكان أبوه متدينا متعصبا، ذا رؤية سوداوية للواقع،
وهو ما نراه - بنفس الأداء- مع شخصية الأب في رواية «شميت»
حيث يقول لابنه حين يسأله عن إيمانه بالله «بالنسبة لي لم
تعد له علاقة»، أن تكون يهوديا هو بكل بساطة أن تحمل
الذكريات، الذكريات السيئة» ص038
هذه النظرة السوداوية تجعل الاب يختار نهاية مأساوية
لحياته حيث يلقي بنفسه- ذات مساء - وفي مدينة أخري تحت
عجلات القطار، بعد أن ترك لصغيره ورقة بها بعض أسماء من
يمكن أن يساعدوه، وأخبره أنه ذاهب للبحث عن العمل إلا إنه
فوجئ - ذات- مساء بمن يطرق باب شقته ليخبره بوفاة والده،
وهنا تظهر الأم فجأة لتسأل عن ابنها الذي تركته وهو لم يزل
رضيعا فيقابلها «مويسيس» بتحايل منكرا نفسه عنها، راضيا
بأن يعيش وحدته أو بمعني أدق حريته الناقصة، لأنها حرية
بلا روح0
وقد أكمل «مسيو إبراهيم» هذا النقص الشعوري، فأخذه في رحلة
طويلة طافا خلالها الأحياء والمدن فعرفه علي الصوفيين
والمداحين وطاف به «مسيو إبراهيم» الأماكن الدينية فمن
المسجد إلي الكنيسة إلي المعبد اليهودي وهكذا، والشاب
معصوب العينين، طالبا منه أن يحس المكان من رائحته0
لقد تعلم «مومو» كما كان «مسيو إبراهيم» يحب أن يناديه
معني الحياة، معني أن يري الأشياء بعين واسعة ملؤها الحب
والسعادة حتي في لحظات الضيق لابد من أن «تبتسم» ، هكذا
قال للفتي الغاضب ذات مرة0
اعتقد أن «إريك ايمانويل شميت» أدرك حقيقة وأهمية هذا
العمل قبل أن يكتبه، وأنه أخذ منه جهدا بالغا حتي يستكمل
خيوطه، مما جعله جديرا بالقراءة - أكثر من مرة- 0
وتأتي أهمية الرواية من وجهة نظري من أمرين :
أولهما: إنساني ويكمن في أن الخيط الفاصل بين الروح والجسد
هو خيط رفيع جدا والانتقال من الحسي إلي الروحانيات أمر
سهل وميسور بشرط توافر المثير الخارجي لذلك، وهو ما رأيناه
من تحول «مويسيس» من الماديات والرذيلة إلي عالم الروح
والفضيلة بفعل نصائح «مسيو إبراهيم» وهو مسلم يعرف من
الإسلام ما يعيش به دون أن يتعمق في أحكامه0
والثاني : وهو الأهم أنها رواية تتخطي كل العقبات
العنصرية- علي حد تعبير- الكاتب محمد سلماوي حيث تقدم رؤية
فنية تجمع بين شطري العالم «الغرب والشرق» من خلال علاقة
إنسانية بين مسلم ويهودي0
في ترجمتها العربية ربما تثير الرواية الكثير من التساؤلات
والتعقيبات، لكنها في النهاية حالة خاصة تمجد الروح بعيدا
عن كل الصراعات الإنسانية0