عشر سنوات كاملة مرت علي العاصفة الشهيرة التي استغل
استغلت خلالها عناصر التطرف الأعمي ثغرة قانونية لإصدار
حكم التفرقة الشهير بين الدكتور نصر حامد أبوزيد وزوجته
الدكتورة ابتهال يونس استنادا إلي حكم آخر بالردة.
وهاجت الدنيا وأصبحت حياة أبوزيد في خطر، مما اضطره إلي
مغادرة مصر ومغادرة جامعته وطلبته في كلية آداب القاهرة
إلي جامعة «ليدن» العريقة في هولندا ليواصل مهمته كباحث
ومفكر وأستاذ.
وطوال تلك السنوات تستمر القضايا في المحاكم ولم ينقطع
أبوزيد عن البحث والعلم والفكر والنقد والتدريس والدراسة،
وحصد ثمار الغربة بجوائز عالمية كبيرة فكرمته ملكة هولندا
مع زعيم جنوب إفريقيا الأسطوري نيلسون مانديلا كمدافعين عن
الحرية، وعاد منتدي «ابن رشد» منذ أيام قليلة ليكرمه ويقدم
له جائزة أخري تحية لإسهاماته العلمية النقدية.
وقد شارك الدكتور نصر أبوزيد منذ أيام في الندوة الفلسفية
التي نظمتها كلية آداب القاهرة تحت عنوان «فلسفة الحرية»
حيث ألقي كلمة مهمة تحت عنوان «الحرية وتفكيك الاستبداد
والفساد».
«الأهالي» التقت بالدكتورنصر أبوزيد وأجرت معه هذا الحوار
حول أوضاع الجامعة والوطن وكيفية تفكيك بنية الفساد
والنضال من أجل الحرية.
ما مغزي حصولك أخيرا علي جائزة ابن رشد للفكر الحر؟ وما هي
حيثيات حصولك علي تلك الجائزة المهمة؟
تمثل لي تقديرا كبيرا وحقيقيا بلا حدود لأن الجائزة من
مؤسسة مستقلة مقرها في ألمانيا، وقد أسسها مجموعة من
المثقفين العرب المغتربين، وتم منحي الجائزة من قبل لجنة
تحكيم مستقلة.
جاء في تقرير اللجنة «أن المفكر الإسلامي المصري والباحث
في علم اللغة العربية والعلوم الإسلامية نصر حامد أبوزيد
ينقد القراءة التقليدية للقرآن ويدعو إلي تفسير علمي مدعم
بالحجج، ينطلق من النص ليصنفه في سياقه التاريخي». وأضاف
التقرير «يريد المسلم المؤمن نصر حامد أبوزيد إنقاذ القرآن
من التقليدية التي تؤدي إلي تشويه جوهر الدين، وإعادة
تفسيره وتأويله من منظور همومنا الراهنة وتفسير الدين من
داخله» ومن المؤسف أن هذه المؤسسة الثقافية لم تجد لها
مكانا إلا في ألمانيا ولم تجد لها مكانا في العالم العربي.
هل تشعر بالمرارة لأنك حصلت علي جائزة بملامح عربية في
الخارج ولم تحصل عليها في دولة عربية؟
هذه الجائزة تضاعف شعوري بأهمية نقد الأوضاع السائدة ،
فالثقافة إما مملوكة للحكومات أو لأموال وأنا لا أشعر
بالمرارة ولكن تضاعف شعوري بضرورة نقد هذه الأوضاع.. فهناك
جوائز في العالم العربي تمنح لموضوعات غير ذات أهمية كبري
حيث لا توجد مؤسسات ثقافية مستقلة.
فنجد مؤسسات تمنح جوائز في ميادين لا خشية منها، ومن
النادر أن نجد مؤسسات تمنح جوائز للفكر.
كيف كان الطريق إلي الجائزة؟
عندما قرأت الإعلان الخاص بالجائزة وجدت أنه ينطبق علي
تماما وتساءلت هل سأحصل علي تلك الجائزة أم لا؟ ولم أكن
أتوقع الحصول علي الجائزة ولكن المفاجأة كانت حصولي عليها
، والأهمية أن هناك من رآني كما أنا.
رب ضارة نافعة
هل ينطبق عليك المثل القائل رب ضارة نافعة؟
أنا مؤمن بإن فيه ضرر حصل ولكن كيف أقلل من حجم الخسارة،
فقرار السفر للخارج كان بالغ الصعوبة، فقد كان مقررا أن
أناقش رسالة دكتوراة بعد صدور الحكم بالتفريق، وطلب الأمن
وجهات أخري أن أعتذر ورفضت، وحين حضرت إلي الجامعة لحضور
المناقشة وجدت أنني في موكب عسكري ضخم، سيارات حراسة
وإجراءات رهيبة، وجهاز للكشف عن المفرقعات، ولم أدخل عبر
الجهاز.. وكان إحساسي أن تلك ليست هي الجامعة وجاءني شعور
أن والدي وأمي لو كانا موجودين لأصيبا بدهشة وبفخر لأن
ابنهم يتمتع بحراسة مثل الرؤساء والملوك، وهذا هو الجانب
الساخر من الموضوع لكن الجانب الحقيقي أن تلك ليست الجامعة
التي أعرفها أصبحت أدخل ثكنة عسكرية، وعرفت أن الأمن طلب
معرفة أسماء كل المدعوين وجري تفتيش الحضور، ووجدت صديقي
وزميلي د. سيد البحراوي يستقبلني والدموع في عينيه وطفرت
الدموع من عيني أيضا.
وحين عدنا بالسيارة أنا وابتهال بعد انتهاء المناقشة ..
قلنا «ما ينفعش» وكان السفر محاولة لتقليل حجم الخسائر لو
قعدت مكنتش هادرس كويس، ولن أواصل الأبحاث وسأدخل في مناخ
شتائم، مناخ لا يطور أي فكر.
والسفر كان إنقاذا للباحث وتضحية بالمعلم، ولأن السفر كان
دعوة من جامعة ليدن تشجعت فلم يكن لجوءا سياسيا، وقلت رب
ضارة نافعة ففي جامعة ليدن مخطوطات وأكبر مكتبة إسلامية في
العالم، وزملائي في الدراسات الإسلامية طلبوا مني المشاركة
في التدريس، خسرت تلاميذي في مصر وكسبت تلاميذ آخرين من كل
الجنسيات الإسلامية وأدخلت وسائل جديدة في التدريس من حيث
النقاش والبحث المشترك، والطلبة تحولوا هم الآخرون إلي
مصادر للمعرفة عبر بحثهم المستمر، ولم أكن المصدر الوحيد
الذي يقدم منهجا يجري الامتحان بعده وهي تجربة أثارت إعجاب
واهتمام زملائي المدرسين هناك.
نجحت في جامعة ليدن وأنجزت الكثير من الدراسات والأبحاث
والكتب وتخرج علي يديك مئات من الطلاب والباحثين، وحصلت
علي جوائز عالمية كثيرة، ألم تشعر بالغربة ببعدك عن جامعة
القاهرة وطلابك هنا ؟ ألم يعاودك الحنين للعودة رغم كل
المخاطر، أم جذبتك أضواء وشهرة وراحة الخارج؟
علي الرغم من وجودي في الخارج فإن كل حواسي كانت مرتبطة
بالداخل، فالاتصال لم ينقطع وأساتذة وزملاء وأصدقاء كثيرون
أقاموا بيني وبين الوطن جسرا لا ينقطع من التواصل، ولم أكن
غريبا أو بعيدا عن أدق تفاصيل ما يحدث في الجامعة، وزوجتي
الدكتورة ابتهال يونس حين بدأت في السنوات الأخيرة في
العودة للتدريس في كلية الآداب كانت تعود وتقول لي «انسي
الجامعة».. «أنساها خالص».. وكانت رسالة الزملاء والأصدقاء
تتلخص في عبارة «احمد ربنا إنك بره».
صحيح أن الأوضاع سنة 1995 أيام الحملة ضدي والأحكام
القضائية كانت كارثية، إلا أنه كانت هناك مقاومة وتصد
وردود فعل رافضة ولا أنسي أبدا وقفة زملائي في الجامعة
وطلاب كثيرين، والرأي العام من صحافة ومثقفين وكتاب
وسياسيين وغيرهم تضامنوا مع قضيتي، الآن الأوضاع تردت علي
مستوي البحث العلمي والتدريس والحوار مع الطلاب ولا نستطيع
أن نلوم الطلاب بقدر ما نلوم النظام، بداية من عسكرة
المجتمع والحملة ضد حرية الفكر والبحث تحت شعارات تطهير
الجامعة ، وتخلت الجامعة عن دورها حتي في حماية أساتذتها،
وتسللت الأجهزة الأمنية في الجامعات وتغيير اللوائح
الطلابية وإنهاء أي وجود للسياسة في الجامعة وضرب التيارات
اليسارية والناصرية والتقدمية.
وفي سنة 80/81 قرارات مارس الشهيرة حيث تم تحويل 64 من
أعضاء هيئة التدريس في الجامعات إلي أعمال إدارية وسجن
بعضهم وفي قسم اللغة العربية وحده تعرض خمسة أساتذة لهذه
الإجراءات، وتتبع ذلك حملة سبتمبر الشهيرة التي شهدت
اعتقال عدد كبير من الأساتذة.
في التسعينيات استولي الحزب الوطني علي الجامعة والآن لا
يعين عميد إلا إذا حظي بموافقة لجنة السياسات، وانتهت
إمكانية أي نشاط مستقل في الحزب الوطني..
الطلبة المقموعون الذين أصبحوا أساتذة الآن تخيل أوضاعهم
وما الذي يمكن أن ينقلوه ويعلموه للطلبة وقد تربوا علي
القمع وضرب حرية الفكر والتعبير وعدم الانشغال بالسياسة.
حركة رفض
هل الصورة سيئة إلي هذا الحد، ألا توجد أي صور من صور
المقاومة؟
هناك مقاومة وحركة رفض تمثلت في حركة 9 مارس التي اتخذت
اسمها من تاريخ استقالة رئيس جامعة القاهرة الأسبق د. أحمد
لطفي السيد سنة 1933 احتجاجا علي تدخل الحكومة في شئون
الجامعة والاعتداء علي سيادتها، ويقود حركة 9 مارس الآن
عدد من كبار الأساتذة يتقدمهم الأستاذ الطبيب دكتور محمد
أبوالغار المثقف الوطني وهذه الحركة علامة علي أن الصحة
بدأت تعود إلي جسد الجامعة.
والحل في نظري يبدأ في فضح الفساد، ولحسن الحظ الآن هناك
قنوات للتعبير، صحافة وفضائيات، وحركة 9 مارس نجحت في فضح
كثير من صور الفساد ودخلوا في مواجهات مع أصحاب القرار
الإداري وأحدثوا ولا يزالون صخبا كبيرا وحركة مقاومة.
معارضة وطنية
كيف تري المشهد السياسي الحالي في ظل صعود قوة الإخوان؟
المشهد السياسي محمل باحتمالات أرجو أن تكون إيجابية..
هناك معارضة في البرلمان أرجو أن تمارس دورها كقوة وطنية
وليس كقوة أيديولوجية.
الإخوان هل سيعارضون من منظور وطني أم منظور إيديولوچي..
المهم أن الناخبين سيكون بإمكانهم تقييم المعارضة والنواب
الآن.
صعود الإخوان لا يحتاج إلي تفسير.. هذا شيء طبيعي.. الخطاب
الديني حرث الأرض.. الأزهر والتليفزيون والفضائيات.. خطاب
ديني متطرف بامتياز حتي لو بيتكلموا في الكورة والسياسة.
هو خطاب امتلاك الحقيقية المطلقة، إما أن تؤمن بها أو أن
تكون مرتدا.. ثم حرث الأرض العربية والإخوان وجدوا الأرض
جاهزة لا حوار ولا استنارة ولا نقاش.. حتي التليفزيون
المصري في برنامج حديث الروح قال المتحدث إن المؤمن يجب أن
ينفق بعض الأموال لتحرير العبيد!! الشيخ بيقول ده في
تليفزيون الدولة00 إنه مازال يعيش في قرون ماضية.
من المهم تعريض الإخوان للضوء.. حالة الفزع من الإخوان
موجودة في النخبة والحزب الوطني، ومطلوب إن الناس تخاف،
والإسلام ليس فزاعة في الغرب فقط وإنما داخل المجتمعات
الإسلامية كأن هناك رسالة تحاول الحكومات إيصالها للداخل
والخارج هذا هو البديل باعتبار النظام القائم أقل
الاختيارات خطرا.
القضايا التي انشغل بها الإخوان ضريبة الميراث، الإصلاح
الزراعي في برلمان 84 انكشف؟ خطابهم، حيث قال الشيخ صلاح
أبوإسماعيل أن تجارة الجملة حلال انكشفت مشروعاتهم
وأفكارهم، وحل هذا البرلمان. ولكن القبض علي الإخوان ساهم
في تقوية صفوفهم، بالعكس وضع الإخوان في الضوء.و سيسهم في
كشف أفكارهم أكثر0 فضح الفساد هو السبيل الوحيد لاختراق
طبقات الفساد طبقة وراء طبقة، فكشف الفاسد يؤدي إلي تفكيك
بنية الاستبداد.
دور الأزهر
كيف تري دور الأزهر؟
الأزهر مثل الجامعة باستثناء الإعلاء الذي حدث لمنصب شيخ
الأزهر مما جعل دوره أكثر خطورة إذا كان يقع في حب الحكومة
والنظام.. فمنصب شيخ الأزهر يختاره الرئيس وأصبح الأزهر
مؤسسة في حضن الحكومة.. شيخ الأزهر مؤخرا قدم فتاوي رثة
وأكد بالفم المليان أنه موظف.
استقلال الأزهر مطلب مهم جدا في إطار استقلال الجامعات. لا
توجد حرية داخل الأزهر كما لا توجد حرية في الجامعات.
الدين الشعب
كيف تفسر تصاعد ظاهرة شرائط الكاسيت الدينية مما أوجد ما
يسمي ب «الدين العبي»؟
الناس اتجهت إلي شرائط الكاسيت الدينية المتخلفة، أو إلي
أغاني العري في التليفزيون والفضائيات باعتبار أن ذلك كله
يدخل في إطار الترفيه، ترفيه ديني أو فني لا يدخل في إطار
الفكر فلا يوجد غذاء فكري في المجتمع كله في الجامعات
والمدارس وبذلك أصبحنا نجد ترفيها دينيا بأداء وتمثيل
استولي علي وجدان الملايين، عمرو خالد بيعمل أداء فني هو
الأكثر حداثةو مؤثرات، شيخ «كاجوال» بيتكلم بالعامية وأحدث
القبول المطلوب، لأن الشباب محروم من تغذية فنية حقيقية
ومن هنا الطالب إذا سألنا هل الفن حرام.. أقول له نعم الفن
الذي تراه حرام لأنه ليس فنا.
احتقان طائفي
كيف تري وضع الأقباط وهل هناك احتقان ديني؟
نعم هناك احتقان يزداد حدة.. المسألة القبطية أصبحت في يد
الأمن كيف ؟ نرجع لقضية السيدة زوجة الكاهن المسيحي التي
أسلمت نحن إزاء أزمة في الزواج داخل الكنيسة يجب إيجاد حل
ها.
إذا أحد غير دينه لا يجب أن تكون قضية أمنية .هنا نرجع هنا
مرة أخري لقضية الحرية.. حرية الاعتقاد واختيار الدين.
أعتقد أن هناك أزمة يجب أن تواجه مؤتمرات الأقباط في
الخارج مثلا والحملة ضدها. ما المشكلة في عقد مؤتمر في
الخارج أو الداخل علينا أن نستمع لكل ما يقال وأن يكون
هناك الرد المناسب فإذا ما تساءل الأقباط لماذا لا يعين
محافظ قبطي أو رئيس جامعة أو عميد.. يجب أن يكون هناك رد
ملائم، خاصة أن تلك المناصب بالتعيين وليست بالانتخاب.
كم عدد الأقباط الذين رشحهم الحزب الوطني، لما الأقباط
بيقولوا فيه مشكلة ، يجب أن نعترف بوجود مشكلة.
وبالنسبة للأقباط فإن مفهوم الضحية أصبح معمقا داخلهم،
ومؤخرا قلت ذلك لتجمع قبطي في الخارج، القيادات المثقفة
القبطية يطغي عليها طابع المجاملة يجب أن يشارك الأقباط
بإيجابية وأن ننتهي من حفلات النفاق مآدب الإفطار والوحدة
الوطنية وعلينا أن نأخذ إحساس الأقباط بالاضطهاد بشكل جدي
ولا نكتفي بعبارات الطمأنة.
لن يفرقنا أحد
ما هو مصير قضية التفرقة والردة؟
القضية علي مستوي من المستويات معلقة، الحكم الصادر في
محكمة الاستئناف وأيدته محكمة النقض معلق، علي مستوي
التنفيذ تم وقف تنفيذ الحكم لأجل غير مسمي علي مستوي الشق
الذي يمكن تنفيذه وهو التفريق ، فمن الناحية القانونية
مفيش حد يقدر يفرقنا لكن الحكم بالردة موجود الذي بني عليه
التفريق موجود هو غير قابل للتنفيذ إلا إذا قام نظام ديني
وهو الاحتمال البعيد، يأتي نظام يطبق حد الردة.. فوضع
القضية الآن هو أن الشق العملي مؤجل وليس ملغيا، ويسعي
المحامون الذين لم يفقدوا الأمل إلي محاولة إعادة شرعية
عقد الزواج لكن حتي الآن المحاولات لم تنجح.
التعديل الذي حدث بالنسبة لقانون الحسبة جعل من المستحيل
رفع قضية الحسبة إلا من المدعي العام.
وما هي علاقتك بالجامعة؟
تمت إحالتي علي المعاش، ولكن أمارس صلاحيتي كأستاذ
للدراسات العليا حتي سن السبعين.
هل شعرت بالاضطهاد؟
لم أشعر بالاضطهاد، أحيانا في فترة معينة ضبطت نفسي متلبسا
بهذا الشعور حين حاولت أن أستجيب لبعض حجج الذين اتهموني
وتراجعت بسرعة بعد أن وجدت أن الرقابة التي تحاول أن تفرض
نفسها علي من الخارج تسللت إلي داخلي وتخلصت من ذلك بسرعة
استنادا إلي أهمية عدم نقل اضطهاد الخارج إلي الداخل.
المسلمون في أوربا
ما هي أبعاد حركات الاضطهاد ضد المسلمين في أوربا التي
تمثلت ردود الفعل ضدها في مظاهرات الغضب في فرنسا وهولندا؟
الدراما الأمريكية في 11 سبتمبر تم تصديرها إلي أوربا
والغرب كله بالتعاطف مع الأمريكان، وتراجع التسامح
التقليدي بالتدريج في الدول العربية بسبب الضغوط التي صورت
لنا أمريكا علي أنها العالم.
الديمقراطية وحقوق الإنسان بدأت تتراجع، قيم الغرب التي
ظلوا يتحدثون عنها ويدافعون عنها قرونا.. تتراجع. المشكلة
00 أن العقل النقدي في كل الثقافات لا يجد ترحيبا.. في
الثقافة الغربية اعترف عدد كبير من الأساتذة بأن العنصرية
جزء من الثقافة الغربية، والتنوير بالنسبة لهم تنوير الرجل
الأبيض وهو الذي ألحق التنوير بالاستعمار، تنوير البدائيين
والمتخلفين إلي غير حجج الاستعمار.
لكن هناك نقدا من داخل المنظومة فنقد الحداثة وما بعد
الحداثة ينطلق من هذه النقطة ونحن لم نعبر فترة الحداثة
ولو نطلع علي خطاب الإسلاميين المتعلمين الأذكياء نجد أنهم
يستخدمون كل النقد الذي أنتجته أوربا ضد حداثتها لمواجهة
مشروع الحداثة الذي لم يتحقق عندنا ولكي يطرح الإسلام
كبديل للحداثة.
وممارسة الحق النقدي سواء هناك أو في أوربا له ثمن باهظ،
صحيح أن الثمن هنا باهظ لكن ذلك لا ينفي أن هناك ثمنا أيضا
يدفع في الخارج، وهناك كتابات عن حروب إبادة ضد الأرمن
مثلا ولكن لا يجرؤ كثيرون علي الكتابة ضد إسرائيل مثلما
حدث مع جارودي وغيره.
محاربة القضية الفلسطينية أدي إلي خلط الأوراق بين الإرهاب
والمقاومة، وهو ما ينطبق علي ما يحدث في العراق. هناك حملة
لضرب وإجهاض حق الشعبين الفلسطيني والعراقي في الحرية
والاستقلال تغلف باتهامات بإرهاب ديني والخلط بين الإرهاب
والمقاومة وباستغلال التطرف الفكري وهو كان موجودا داخل كل
الأديان لكي يصبح هذا التطرف المرفوض من جانبنا هو الأصل،
وهناك نجاح كبير في أوربا وأمريكا لإحداث هذا الخلط
المتعمد، بالإضافة إلي نجاح المتطرفين في إيجاد التبريرات
المطلوبة في عمليات قتل وحرق وغير ذلك.