خيط رفيع يربط بين الدكتورة عزيزة حمدي وجورج البهجوري..
ومحمد الحلو.
منذ أيام أحيلت الدكتورة عزيزة إلي المعاش.
أقامت لها جهة العمل حفل استقبال في أرقي فنادق القاهرة..
حضره أكثر من ألف شخص.. أغلبهم من العلماء المصريين الذين
ذاعت شهرتهم بين الأقطار الأوروبية.. ولا نعرفهم في مصر!.
احتشدت هذه النخبة المصرية.. مع عشرات العلماء الألمان
الذين وصلوا علي متن طائرة الخطوط الجوية الألمانية..
لحضور حفل إحالة الدكتورة عزيزة إلي المعاش.
صافحوا الدكتورة عزيزة.. ووقفوا أمامها وقفة الإجلال
والتقدير.
وتحدث مدير هيئة التبادل الجامعي بين مصر وألمانيا.. فأشاد
بالجهد الذي بذلته عزيزة طوال 39 عاما من العمل.. والتفاني
في أداء الواجب.. بكلمات تهز قلب الحجر.
وألقي السفير الألماني كلمة.. بمناسبة إحالة الدكتورة
عزيزة إلي المعاش.. ونقل إليها تحيات رئيس الجمهورية
الألماني.. وسلمها الوسام الذي أرسله إليها.
وفي الحفل وزعوا كتابا.. من الورق الفاخر المصقول.. يضم
كلمات الطلبة الذين حصلوا علي إجازات علمية في ألمانيا..
أثناء وجود الدكتورة عزيزة في الخدمة.. ومن بينهم وزير
الأوقاف الدكتور زقزوق.. ووزير النقل السابق الدكتور
إبراهيم الدميري والدكتور طارق كامل وزير الاتصالات..
والعالم المصري البارز الدكتور إسماعيل عبدالجليل.. مدير
مركز بحوث الصحراء.. وغيرهم ممن درسوا في ألمانيا.
الكتاب يضم 120 صفحة.. ويحمل عنوان «السيدة عزيزة..
وأنا».. ويسجل فيه كل عالم ذكرياته مع الدكتورة عزيزة..
والجهد الذي بذلته في تدعيم العلاقات الجامعية بين مصر
وألمانيا.. وفي اختيار المبعوثين.. وتسهيل إجراءات سفرهم
إلي الجامعات الألمانية للدراسة والحصول علي الدرجات
العلمية.
تتابعهم.. وتتابع تفوقهم.. وتقوم بدور همزة الوصل بين
الجامعات في ألمانيا.. وجهات إيفاد المبعوثين في مصر.
تحل مشاكل البيروقراطية.. في مصر.. وفي ألمانيا.
ووقفت الدكتورة عزيزة تتلقي كلمات التحية والشكر.. عن عمل
استمر 39 سنة!.
ومنذ ساعات وصلت السفير الألماني بالقاهرة برقية من
برلين!.
رئيس الجمهورية الألماني.. يود أن يودع الدكتورة عزيزة
بمناسبة إحالتها للمعاش (!!).
وسيقام لها في برلين حفل آخر.. لأن عددا كبيرا من الأساتذة
الألمان لم يتمكنوا من حضور حفل التوديع الذي أقيم في
القاهرة!.
وتسافر الدكتورة عزيزة إلي برلين.. لتودع أساتذة الجامعات
الألمانية.. الذين تعاونوا مع هيئة التبادل الجامعي الكائن
مقرها في الزمالك.. طوال الـ 39 سنة الماضية.
والدكتورة عزيزة حمدي.. لم تكن تقوم بالتدريس.. وإنما كانت
تقوم بدور «القوة الناعمة» علي حد تعبير الدكتور أشرف
منصور مدير الجامعة الألمانية في القاهرة.
القوة الناعمة في إدارة شئون المبعوثين المصريين إلي
الجامعات الألمانية.. ويقول الدكتور أشرف إنه حصل علي منحة
للدراسة في ألمانيا سنة 1987.. وعندما قابلته الدكتورة
عزيزة كان انطباعه عنها أنها سيدة «محترمة»!.
طلبت منه الانتظار بضع دقائق.. قائلة:
أرجوك انتظر هنا.. خمس دقائق «عشان خاطري»!!.
وأنا هنا لست بصدد نقل ما جاء في حفل التكريم من كلمات تحض
الأجيال الجديدة علي احترام العمل والتفاني فيه.. ولا أنوي
الإشادة بالدكتورة عزيزة حمدي.. وهي إشادة تستحقها.. وإنما
أتحدث عن قضية أخري.
قضية مجتمع.. لا يعترف بكلمة «شكرا».
قضية مجتمع يطلق رصاصة الرحمة علي كل من يقترب من سن
المعاش.. فما بالك بمن يتجاوزها!!.
مجتمع ينسي كل ما قدمه المحال إلي المعاش من خدمات لبلده!.
وأكرر أنني لا أتحدث عن قضية شخص.. وإنما أتحدث عن قضية
نظام سياسي.. برع خلال الربع قرن الماضي في اختيار
قيادات.. مهمتها الأولي إدانة من سبقوها.
كل مسئول يدمر الذين سبقوه.. ويشوه سمعتهم.. ويثير عداء
الرأي العام عليهم.
نحن لا نعرف تكريم العاملين.
نحن لا نعزم المحال إلي المعاش علي واحد شاي.. ونشكره..
ونقدم له ميدالية بقرش صاغ.. يعلقها فوق جدران شقته..
ليتباهي بها الأحفاد بعد ذلك.. تعويضا لهم عن «توابع»
الشرف!.
كتاب «عزيزة وأنا» الذي طبعته «هيئة التبادل الأكاديمي»
وضمت فيه كلمات رقيقة للزملاء والزميلات الذين تعاملوا
معها.. هو «رمز».. لثقافة تعترف بكلمة «شكرا».
كلمة «شكرا» والميدالية الصفيح.. لن تكلفنا كثيرا.. عندما
نقدمها للمحال إلي المعاش.. ولكنها إشارة إلي احترام
المسنين.. والإشادة بما قدموه.
والسخيف في الموضوع أن النظام السياسي في مصر يدعم هذا
الاتجاه.. ووقف موقف المتفرج.. وهو يتابع الحرب الشعواء
التي شنها وزير الزراعة الحالي المهندس أحمد الليثي.. ضد
وزير الزراعة السابق يوسف والي.. ولم يتدخل.. وكأن الأمر
لا يعنيه.. بالرغم من الآثار التدميرية التي تلقيها مثل
هذه الممارسات علي ثقافة المجتمع.
الثقافة المصرية التي رفعت من قيمة الشهامة.. والصدق..
والشرف.. واحترام الصغير للكبير.. وكلمة «عيب»..
و«اختشي»!.
وفي ظل هذه الانتكاسة التي نعيشها.. لم يكن من الغريب أن
نسمع حكايات الطلبة الذين يضربون المدرسين.. والأبناء
الذين يقتلون الآباء.. وأن تخرج عدسات التليفزيون إلي
الشوارع تسأل الناس عن عدد الأغاني التي لحنها عبدالوهاب
للعندليب الأسمر!.
وأن تكون هيفاء وهبي.. أهم ألف مرة من.. عزيزة حمدي!.
***
جلست منذ أيام أتابع حوارا أجرته القناة الثقافية مع
الفنان العظيم جورج البهجوري.
وجورج البهجوري واحد من ألمع رسامي الكاريكاتير في مصر
والعالم!.
هو أحد رواد هذا الفن.. وأحد نجومه البارزين، وله مدرسته
الخاصة به!.
وفوق ذلك.. هو أحد أبرز رسامي الكاريكاتير بمجلة روز
اليوسف التي احتضنت نجوم هذا الفن الجميل.
احتضنت عبدالسميع.. وزهدي وصلاح القاضي.. وجمال كامل..
وحسن فؤاد وحجازي.. وحاكم.. والليثي.. وغيرهم ممن لا
تسعفني الذاكرة.. لذكرهم.
وكان جورج البهجوري بخطوطه المميزة.. هو أحد ملامح مجلة
«صباح الخير» والتي ولدت سنة 1956 لتعبر عن جيل الشباب في
ذلك الوقت.
كانت مجلة «صباح الخير» هي التعبير عن النمط الجديد
للأفكار الشابة والعقول المتحررة علي رأي إحسان
عبدالقدوس.. وكانت المجلة التي تحرص بنات هذا الجيل علي
وضعها بين الكشاكيل الجامعية وتداولها أثناء المحاضرات
خلسة!.
وكان جورج البهجوري.. بملامحه الكاريكاتيرية.. هو أحد نجوم
المجلة.. بلا منازع!.
ودارت الأيام.. وتدهورت الأحوال.. ويبدو أن جورج ضاق
بالساحة الصحفية والفنية.. فسافر إلي فرنسا.. فيما يشبه
الجنون الفني!.
لم يكن مبعوثا من الدولة.. ولا من وزارة الثقافة.. ولا من
الصحافة.. ولا بتعهد من أحد رجال الأعمال بالإنفاق علي
جنونه.
سافر علي حسابه.. وعلي مسئوليته.
سافر علي نفقة «نفسه».. إلي باريس.. مدينة النور.. ليبيع
فنه.. وموهبته.. وعبقريته!.
يخرج من غرفته كل صباح.. يشتري بكل ما معه من نقود.. بعض
الأوراق.. وبعض الأقلام.. ويحتل كرسيا في أحد المقاهي..
ويرسم.
يرسم الناس.. والوجوه.. والكلاب والمارة.. إلي أن يصيبه
الإرهاق.. فيجمع لوحاته.. ويدفع ثمن فنحان القهوة الذي
احتساه.. ويعود أدراجه من جديد إلي غرفته!.
فنان في محراب الفن.. يعيش حياة الفنانين والمجانين في آن
واحد.
وبعد سنوات طويلة من هذه الغربة الاختيارية.. المجنونة،
عاد البهجوري إلي مصر.
لم تفتح له الأبواب.. ولم تمتد له السجاجيد الحمراء.
لم تقام الحفلات لاستقباله.
لم يطلق اسمه علي شارع شارل ديجول.
ولا أعرف كيف يعيش.. ولا أين يعمل الآن!.
المهم.
منذ أيام تابعت الحوار الجميل الذي أجرته مذيعة جميلة.. لم
يظهر اسمها علي الشاشة بعد البرنامج في القناة الثقافية..
مع صديقي القديم جدا.. جورج البهجوري!.
لا يزال كما هو.
نفس الوجه الكاريكاتيري.. والتواضع الصوفي.. والقامة
القصيرة.. والجاكت مقاس 56 «لارج»!.
توقفت طويلا أمام بعض الجمل القصيرة.. التي نطق بها جورج..
بصدق.. وبحسرة.
قال إن دار روز اليوسف.. لا توجه له الدعوة لحضور أي
مناسبة تعقد هناك.. في المبني الجديد.
وقال إن مجلة صباح الخير.. تتجاهل عودته.. إلي أحضان
الوطن.. إلخ.
لم يهزني الكلام الذي نطق به البهجوري.. وإنما هزتني
«النبرة» التي تحدث بها.
نبرة الحزن العميق.. لإنسان مجنون «واخد علي خاطره»!.
وأنا.. هنا.. لا ألوم المسئولين الحاليين، في روز اليوسف..
أو صباح الخير.. لأنهم ولدوا في ظل ثقافة.. لا تعترف
بالتواصل!.
في ظل نظام سياسي لا يعترف بالمواهب. وبالتالي فلم يعاصروا
البهجوري.. وهو يصعد سلالم «روز اليوسف» القديمة في شارع
محمد سعيد ويحتل مقعده في غرفة صغيرة.. وعلي يمينه يجلس
عبدالسميع.. وأمامه صلاح جاهين.. وعلي يساره زهدي.. إلخ.
كان المسئول عن هذه الكوكبة النادرة.. هو حسن فؤاد.
كان ذلك في الماضي.. عندما كان رئيس العمل الصحفي.. يرعي
المواهب.. داخل العمل الصحفي وخارجه.
أما الآن، فلم تعد كل مجموعة صحفية تتولي القيادة في
المؤسسات الصحفية.. تعترف بالمجموعة السابقة.
كل مجموعة تأتي لتشطب المجموعة السابقة.. وتبدأ من جديد.
كل مجموعة تبدأ الكتاب من أول السطر.
وكل رئيس يصل معه أعوانه ليزيل آثار المواهب والخبرات
السابقة.
هل هي أزمة «مهنة».. أم إنها أزمة بلد.. أم هي أزمة
أخلاق؟.
لا أعرف.. وكل ما أعرف أن الزميلة نعم الباز لخصت الموقف
الذي يعبر عن عشرات النجوم من الصحفيين عندما قالت: عندما
أمر في طريقي.. أمام مؤسسة أخبار اليوم.. فإنني أدير وجهي
إلي الناحية الأخري.
هل هذا معقول؟!.
نحن نطالب بتكوين جمعية لحماية أصحاب المواهب من أصحاب
النفوذ.
إنقاذ الموهوبين من براثن عديمي الموهبة.
جمعية لحماية البلد من الأنذال.
إن النذالة باتت مستعصية العلاج.. وإذا كان الشاعر القديم
قد قال:
لكل داء دواء يستطب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها!.
فإن لسان الحال الآن أصبح:
لكل داء دواء يستطب به
إلا «النذالة» أعيت من يداويها!.
تعالوا نتعاون لمكافحة الأنذال!.
***
ماذا يعني اعتزال محمد الحلو للغناء؟.
ماذا تعني شكوي كبار المطربين المصريين من تجاهل
التليفزيون المصري لأعمالهم؟.
هل صحيح أن النظام الحاكم يتعمد ذبح المواهب؟.
هل هناك خطة للقضاء علي الموهوبين.. أم أن كل ما يجري
حولنا يحدث بالصدفة منذ 25 سنة؟!.
أسئلة كثيرة يطرحها اعتزال الفنان محمد الحلو للغناء.. وهو
في قمة تألقه.. وبعد مشوار فني ناجح استمر 25 سنة.
يصف الموسيقار الدكتور مصطفي ناجي الفنان المعتزل محمد
الحلو بأن «صوته فيه عزة نفس».
وعزة النفس في بلدنا.. باتت مشكلة.
والذي يحافظ علي «عزة نفسه».. وكرامته يجوع.. حتي يموت!.
ومحمد الحلو.. ليس أول الموهوبين الذين هجروا الإبداع في
ظل الحزب السرمدي.. ولن يكون آخرهم.
المذبحة مستمرة.. وطالت المواهب الصحفية والعلمية
والزراعية وكل النجوم التي كان المفروض أن تتقدم الصفوف..
وتبدع.. وتتألق.. في ظل بيئة سياسية حاضنة لأرباب المواهب.
وهي مذبحة لم تبدأ اليوم.. وإنما بدأت عندما كانت كاميرات
التليفزيون المصري تنتقل إلي بيروت لنقل مسابقات الأصوات
الخليعة.. والكلمات الخليعة.. والموسيقي الخليعة.. ويشترك
فيها قادة التليفزيون المصري مقابل مكافآت يدفعها معلن
أجنبي.. اشتري من التليفزيون ساعات إرسال برنامجه.
وبدأت ملامح ثقافة غريبة تتسلل إلي بيوتنا.. فيها الكثير
من «المسخرة»!.
جرعات كبيرة ومتسارعة ومكثفة.. تقدم لأطفالنا وأمهاتنا
وبناتنا.. أدت إلي خلل في الذوق العام المصري.
وبدأت تطل علينا أصوات ما يسمي «ستار أكاديمي» التي تدفع
الناس للوقوع في شراك معصية الله.. وإطلاق الشهوات..
وأشياء أخري.
وساعدت أجهزة الإعلام المصرية علي نشر هذه الثقافة
الوافدة.
كما ساعدت علي حجب أصوات المطربين المصريين.. من الجيل
التالي لعبد الحليم حافظ ومحرم فؤاد.
اختفت الكلمات الشعرية المصرية الأصيلة.. وقل عدد الشعراء
الذين يكتبون الأغاني.
واختفت الألحان المصرية الأصيلة.. وقل عدد الملحنين
المصريين.. أمام غزو عشوائي للآلات الموسيقية التي تصيب
المستمعين باللامبالاة.. والبحلقة.
ويصف محمد الحلو هذه الحالة بقوله:
هناك حرب ضد المطربين وضد الشعراء.. وضد الملحنين..
واستشعرت أنه ليس لي مكان.. فانسحبت.. لأن الغناء لم يعد
غناء.
ويقول محمد الحلو في «مرارة»:
احنا رايحين حتة مش كويسة!.
أما أخطر ما قاله محمد الحلو: فهو أنه ثمة مؤامرة ضد الفن
المصري.. وصفها بالخيانة.. والغدر.. وقال إننا نمر بحالة
أشبه بهجوم الأسد «سلطان» علي مدربه في السيرك القومي.
وقال محمد الحلو:
إن الأسد «سلطان» خان مدربه.. وانقض عليه وقتله.
ووصف محمد الحلو الأسد سلطان.. بالغدر. هل كان الأسد
سلطان« خائنا» أم أنه كان غبيا؟!.
هذا هو السؤال