لعلنا لا نتجاوز الحقيقة عندما نقول إن الدولة المركزية
المصرية هي أول دولة نشأت علي نطاق العالم، كما أن القومية
المصرية تبلورت في وادي النيل قبل نشوء القوميات الأوربية،
وهي حديثة الشأن- بما يزيد علي خمسة آلاف عام0
بعد تصفية الهكسوس في المرحلة الوسطية من التاريخ الفرعوني
ومع نهضة الدول الحديثة الفرعونية بدأ التوسع في
الإمبراطورية مع حكم تحتمس الثالث0 وكان لكهنة أمون دور
محوري في هذا التحرك0 غير إنه مع نهاية الدولة الحديثة
تحولت المؤسسة الكهنوتية التي أصبحت تمتلك ثلث الأراضي
الزراعية إلي طبقة من الكهنة لها مصالحها الخاصة التي من
أجل المحافظة عليها تواطأت مع الغازي الفارسي وألهته كابن
للإله آمون ثم قامت بنفس الدور مع الإسكندر الذي ألهته
بمعبد سيوة كابن للإله0
منذ ذلك الحين أصبحت مصر لديها قضية تحرر وطني، الاضطهاد
الذي لاقاه الفلاح المصري سواء تحت حكم البطالمة لا يقل عن
الاضطهاد الذي لاقاه تحت الحكم الروماني، وهروب الفلاح
المصري بدأ منذ الغزو اليوناني واستمر بعد سقوط دولة
البطالمة وتحول مصر إلي مستعمرة رومانية هروب الفلاح
المصري بجميع فئاته كان نتيجة للتعسف في التحصيل سواء
النقدي أو العيني للنصيب المتزايد من المحصول سواء للسلطة
البطلمية في الإسكندرية أو لقيصر روما التي جعلت مصر حقل
الغلال للإمبراطورية0
لقدكانت كنيسة الإسكندرية أكبر وأهم بل أقدم الكنائس
المسيحية ولقد كانت حركة الرهبنة دعامة أساسية للكنيسة
وكانت الكنيسة القبطية منذ بدايتها تعبير عن آمال الشعب في
الخلاص من الظلم0 قبل انتشار المسيحية في الإمبراطورية
الرومانية كان المسيحيون موضع اضطهاد دموي فقضية هل يعبد
المصريون الرب- الأب والأبن والروح القدس- كان يعني في
واقعه رفض عبادة القيصر وهي قضية تتعلق برفض السيطرة
الأجنبية ونتيجتها الاستشهاد0
ويؤرخ التاريخ القبطي بداية من عام الاستشهاد في حكم
دقليانوس وهو العام الذي يعبر عن تمرد الشعب المصري بقيادة
الكنيسة علي الحكم الروماني0
غير أن الاستشهاد أي تحرر الشعب المصري والكنيسة القبطية
لم يتوقف بعد تحول روما وبيزنطة إلي المسيحية0
فالكنيسة القبطية كانت أقوي الكنائس المسيحية ونشر
المسيحية في باقي الإمبراطورية كان للرهبان المصريين فيه
دور جوهري0 ولقد ترأس بابا الإسكندرية المجمعات الكنسية في
أبسوس ونيقيا0
وعندما أنشئت الكنيسة المسيحية في بيزنطة كانت تحت رعاية
الإمبراطور الروماني في حين أن بابا الإسكندرية كان يتم
انتخابه من القساوسة المصريين ولقد كان نفوذ البابا المصري
يتصاعد مع ضعف الإمبراطورية البيزنطية، وكان من المهم
للإمبراطورية أن تخضع الكنيسة القبطية وتنزع عنها دورها
القائد في العالم المسيحي، وتم ذلك في مجمع خلتدونية الذي
كان قد وصل قبله الأمر إلي تمرد البابا المصري علي أوامر
الاستدعاء من الإمبراطور وبطريرك بيزنطة في هذا المجمع، تم
عزل بابا الإسكندرية ثم نفيه وتعيين بطريرك ملكاني أي تابع
للإمبراطور في الإسكندرية0
الخلافات والانقسامات في الكنيسة المسيحية رغم ما يحيطها
من مناقشات دينية هي أساسا خلافات لها أساسها الوطني مثل
قضية هل مريم هي أم المسيح أو هي أم الإله قد يكون من
المؤثرات فيها تمسك بابا الإسكندرية بالتراث الديني المصري
حيث إيزيس هي أم الإله وهوكان منشغلا بتحول المصريين من
عبادة إيزيس إلي عباده الثالوث المسيحي الأب والابن والروح
القدس0 غير أن معالجة مثل هذه القضية وغيرها من القضايا
الدينية لم يكن من الممكن أن تتخذ شكل العنف من السلطة
الرومانية إلا إذا كان هذا الخلاف تعبير عن تطلع الشعب
المصري بقيادة الكنيسة للتحرر الوطني0
وعند فتح العرب لمصر كان «المقوقس» بطريركا ملكانيا معينا
من بيزنطة أما البابا المصري فقد كان منفيا وهاربا في
الأديرة الصحراوية ولم يرجع إلي منصبه إلا بعد خروج
«المقوقس» 0 الشعب المصري شعب متدين والديانة لا تعرف
التعصب في مجمل تاريخها ولعل الفترة التي تم فيها اضطهاد
المسيحيين كانت فترة حكم «الحاكم بأمر الله» الفاطمي وقد
انتهت تلك الفترة باختفائه أو قتله وانتهت بعدها فترة
الدولة الشيعية في مصر والشعب المصري نسيج واحد كله أقباط
بعضهم أقباط مسلمون وبعضهم أقباط مسيحيون وتكاد الديانة هي
الأخري أن تكون نسيجا واحدا، ولعلنا نلاحظ أن المسلمين
يتوجهون إلي ضريح السيد البدوي والموالد الإسلامية كما
يتوجهون أيضا إلي الموالد المسيحية وأضرحة القديسين
الأقباط في الأديرة للتبرك، ولعل بعضكم قد لاحظ أن أمهاتهم
يصمن شهر رمضان وبعضهن يصمن أيضا صيام العذراء وأن شخصية
«السيدة العذراء» لها نفس القدسية لديهم التي لها في
الديانة المسيحية0 اللورد كرامر له مقولة مشهورة إذ يقول
عن المصريين «إنهم نسيج واحد لا تفرق بينهم إلا بأن بعضهم
يصلي في الجامع والبعض الآخر يصلي في الكنيسة»0
ورغم ذلك فقد تم عقد مؤتمر قبطي عام 1909 وحاول الإنجليز
ايجاد أي تفرقة بين المصريين مسلمين وأقباط ولكن ماذا تم
في ثورة 1919؟
لعلنا لا ننسي خطبة القس سرجيوس في الأزهر عندما قال : إن
كان الإنجليز يدافعون عن الأقباط فليمت كل الأقباط وتعيش
مصر0 إن كلمته العظيمة كانت تأكيدا للدور الوطني والتاريخي
للكنيسة القبطية ولا ننسي أنه في ثورة 1919 عندما تم نفي
سعد زغلول تكونت قيادة الوفد من أغلبية مسيحية- ثلاثة
مسيحيين واثنين مسلمين - ولقد تابع الإنجليز خطتهم في
ايجاد التعصب الديني ولا ننسي دورهم مع شركة قناة السويس
الاستعمارية في تأسيس جماعة الإخوان0
ومن ناحية أخري فإنه مع وجود الاستعمار البريطاني جاءت
ونشطت في مصر جماعات التبشير هذه الجماعات لا تستهدف تحول
المسلمين إلي المسيحية بل تحاول خلخلة التراث الوطني
للكنيسة القبطية0
ونتساءل في هذه الأيام هل لدي القوي الاستعمارية فرصة
لتحطيم التماسك الوطني وإحداث تفرقة بين الديانات في الشعب
المصري0
ولعلنا نقول إن الجغرافيا أم التاريخ0 أن هذا الشعب الذي
توحد في وادي النيل منذ ما يزيد علي خمسة آلاف سنة في تلك
الواحة الخضراء وادي النيل محمي من الشرق والغرب بامتداد
صحراوي وخلق أول قومية موحدة وحكومية مركزية من الصعب أو
من المستحيل تقسيمه وعندما نقول إن مصر مقبرة الغزاة
فلنسترجع أين اليونان أو الرومان أو الأتراك0 إن مصر بوتقة
قادرة أن تصهر في كيانها أي عنصر غريب فما بالك بأهلها
أنفسهم0
إن خطة الغرب الاستعماري في هذه المنطقة إحداث أكبر قدر من
الخلخلة والتقسيم ولعل ما يتم حاليا في العراق نموذج لذلك
وقد ينجحون أو تهزمهم قوي التحرر الوطني المسلح ونفس
المؤامرات في الشام بداية من تقسيم فلسطين وإنشاء الدولة
العبرية وقبل ذلك فصل لبنان عن سوريا، غير أن منطقة الشام
طوال تاريخها كانت تتنازعها دول صغيرة مقسمة0 وفي وقت صلاح
الدين الأيوبي كانت مصر فيها سلطان واحد بينما كان يوجد في
الشام أربعة أو خمسة سلاطين0 ولقد كانت خطة الاستعمار
دائما منع هذه الدويلات أن تتوحد وفي وقتنا هذا مع تركز
الثورة البترولية في المطنقة فإن مؤثرات الاستعمار اشتد
عنفوانها سواء الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية أو
حلفهما الأطلنطي معاً0
مقاومة التفرقة والتعصب الديني واجب أساسي لمقاومة
الاستعمار والحفاظ علي الوطن وفي جو المؤامرات الاستعمارية
وحالة الضعف التي بها المنطقة العربية ليس من الغريب أن
يبيع البعض أنفسهم للمستعمر ويعملون ما يضر بلدهم ومن
هؤلاء يوجد أقلية ضئيلة للغاية عن جهل أو تواطؤ من
المسلمين وليس غريبا أن يوجد بين المسيحيين أقلية ضئيلة
للغاية هي الأخري تقوم بنفس التخريب0