يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1259 (21 - 28) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

حوارات في حديقة الهند الخضراء

 
 

د. عواطف عبدالرحمن

 

  دعتني منظمة «نساء العالم الثالث في العلوم» للمشاركة في مؤتمرها الثالث الذي عقد في نهاية نوفمبر بمركز العلوم التابع لجامعة جواهر لال نهرو تحت عنوان «إسهام العالمات في مجالات العلم والتكنولوجيا» شارك في المؤتمر ثلاثمائة عالمة وباحثة في مجالات الطبيعة والإحصاء والكيمياء والطب وقليل من العالمات في العلوم الاجتماعية والإنسانية جئن من مختلف دول آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية والعالم العربي.
تأسست منظمة «نساء العالم الثالث في العلوم» في بداية التسعينيات بمساندة ودعم بعض العلماء المستنيرين من آسيا وأوروبا وإفريقيا وترأستها لمدة عشر سنوات البروفيسورة ليديا أستاذة الكيمياء بجامعة سوازيلاند بالجنوب الإفريقي واستضافت القاهرة المؤتمر الأول لهذه المنظمة في بدايات التسعينيات كما استضافت جنوب إفريقيا مؤتمرها الثاني في نهاية التسعينيات، افتتح المؤتمر رئيس جمهورية الهند السيد عبد الكلام العالم الكيميائي المعروف اعتلي المنصة بملابسه الوطنية وقد ذكرني جسمه النحيل وشعره الفضي المهيب بكل رموز الهند من الزعماء والمجاهدين العظام وعلي رأسهم غاندي وجواهر لال نهرو، لم أتوقع أن استمع إلي خطاب مختلف ولكن المفاجأة أدهشتني وأسعدتني عندما استهل رئيس الجمهورية الهندية خطابه الافتتاحي بالحديث عن تاريخ العلم ودور العالمات مشيرا إلي مدام كوري ومثيلاتها ثم عرج علي الهند وإنجازاتها ليس في مجال العلم والتكنولوجيا فحسب بل أيضا تجربتها الديمقراطية الفريدة واستمرارها بنجاح منقطع النظير منذ استقلال الهند عام 1947 حتي الآن في مجتمع يضم أكثر من مليار ومائة مليون نسمة متعدد الأعراق والديانات والثقافات والطبقات الاجتماعية واللغات، أشار هذا العالم الكيميائي الهندي المرموق إلي إنجازات الهند في مجال إنتاج الميكروسوفت «ثلث إنتاج العالم» وصناعة السينما التي تشكل 40% من الدخل القومي وعضوية الهند بالنادي الذري وأهم من كل ذلك قدرتها علي تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال إنتاج الحبوب «القمح والذرة والغلال» بل والوصول إلي مرحلة التصدير للخارج ثم فجر المفاجأة الجميلة بقوله: «إننا نسعي بدأب وإصرار لكي تصبح الهند دولة متقدمة عام 2010 » ما هذا الوهج الذي يشع من ذلك الجسد الضئيل لقد اختزل جهد وإبداع وإصرار وأصالة شعب عظيم وحكام أمناء أدركوا منذ البداية حقيقة رسالتهم وأدوارهم وجسامة المسئولية الملقاة علي عاتقهم ولم تغفل عنهم عيون الشعب لحظة واحدة فهو قادر من خلال مؤسساته الديمقراطية أن يسحب منهم الثقة في أية لحظة ينحرفون فيها عن مصالح هذا الوطن ومقدساته، ما أروع الهند شبه القارة العظيمة التي يتدبر أهلها شئونهم ويتحايلون بذكاء وحكمة علي ظروف الفقر المادي بحلول وإبداعات ذاتية ولا يلهثون خلف المباهج الزائفة التي تنهمر فوق رءوسنا من الأسواق العالمية، لقد تذكرت حينئذ اعتذار الهند عن قبول المعونات التي حاولت أمريكا وبعض دول العالم إرسالها عقب إحدي الكوارث الطبيعية التي منيت بها الهند في العام الماضي إذ قالت بثقة واعتداد: «شكرا سوف نتدبر أمورنا بأنفسنا ولسنا في حاجة إلي معونات خارجية» ما هذا الكبرياء النبيل الذي تتحلي به هذه الدولة وشعبها وحكامها.
وحدة المعرفة
لقد فوجئت بأن 90% من عضوات منظمة «نساء العالم الثالث» ينتمون إلي فروع العلوم البحتة والعلوم الطبيعية والطبية والهندسية وقليل جدا من العضوات ينتمون إلي فروع الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ وعلم النفس والإعلام، وكان من الضروري أن أثير هذه القضية في اجتماع الجمعية العمومية الذي ختم به المؤتمر جلساته، إذ تساءلت عن مبررات هذه التفرقة المنافية للتفكير العلمي، والتي تتناقض مع قرارات اليونسكو التي تؤكد نهاية عصر التخصص الدقيق المعزول عن سياقاته المجتمعية والتاريخية وتشدد علي ضرورة تناول الظواهر الكونية والإنسانية بمنظور تكاملي يجسد وحدة المعرفة العلمية، وفي ضوء حماس وتأييد من العضوات لهذا الطرح طالبنا بضرورة تعديل القانون الأساسي للمنظمة بحيث ينص صراحة علي قبول الباحثات والعالمات في جميع حقول العلم الطبيعي والاجتماعي والإنساني، كما طالبنا بضرورة تعديل اسم المنظمة من «نساء العالم الثالث» إلي «نساء الجنوب» استنادا إلي زوال التقسيمات العالمية التي سادت خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات.
حوارات نسائية علي هامش المؤتمر
معايير تجارية
عقب انتهاء جلسات المؤتمر ضمتني جلسة مشتركة مع بعض رفيقات المؤتمر عالمة كيمياء من الهند تعمل بمركز العلوم والتكنولوجيا بجامعة جواهر لال نهرو وأستاذة إحصاء بجامعة الأزهر وطبيبة عربية شابة وباحثة في العلوم الزراعية وعالمة في العلوم البيئية دارت الحوارات حول همومنا العلمية والتزاماتنا الأسرية والاجتماعية، استهلت أستاذة الإحصاء الحديث بالشكوي من تعدد الأدوار والمسئوليات الملقاة علي عاتقها كأستاذة جامعية وزوجة وأم وجدة قالت: «لقد هربت من هذه المسئوليات وجئت إلي المؤتمر كي أخفف من الضغوط التي تحاصرني في الكلية والمنزل ومحيط الأسرة، لقد اعتقدت خطأ أن مسئولياتي سوف تقل بعد أن تخرج أولادي وتزوجوا ولكنني فوجئت بأنني أصبحت مسئولة عن تدبير شئونهم وحل مشكلاتهم وعدم رضائهم عن الحلول التي أقترحها وأصبحت مسئولة عن ثلاثة بيوت مع مراعاة أن كلاً من زوج ابنتي وزوجة ابني ينتميان إلي منظمة قيم وسلوكيات تختلف عما ألفناه في أسرنا. وجاء الأحفاد فرحنا بهم في البداية ولكن سرعان ما اكتشفنا أن رعايتهم وتربيتهم في ظل المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الحادة التي اجتاحت مجتمعنا في السنوات الأخيرة أصبحت تشكل مهمة شاقة علاوة علي النفقات الباهظة في أجور الحضانات وسوء خلق الشغالات وعدم أمانتهن، صمتت عالمة الإحصاء ثم التقطت عالمة الكيمياء الهندية الخيط وواصلت الحديث عن مشاغلها وهمومها قالت: المشكلة التي تواجهني ليست في أعباء أسرتي لأن زوجي وهو زميلي في المركز متعاون ولم أنجب سوي ولد واحد تخرج وأصبح طيارا وتزوج وأنجب طفلين ويزورني كل يوم أحد حيث نمضي جميعنا العطلة في إحدي الحدائق الكبيرة التي تزخر بها بنجالور، أما مشكلتي في العمل فهي ترجع إلي الأجيال الجديدة من الباحثين الذين يتبنون القيم و الأخلاقيات النابعة من المرحلة الراهنة، مرحلة العولمة والتي تتنافي تماما مع ما تربينا عليه من الاحترام العميق للبحث العلمي والحرص علي عدم خلط القيم العلمية بالمصالح الشخصية وتحرص علي عدم تقييم الجهد العلمي بالمعايير التجارية وللأسف فإن انتشار قيم السوق وسلوكيات العولمة بين شباب الباحثين قد ألحق أضرارا بالغة بالبحث العلمي والواقع أنني أحاول جاهدة مع زملائي وزميلاتي من الباحثين والباحثات المخضرمين أن نحمي الأجيال الجديدة من الانبهار بمستحدثات التكنولوجيا وتقديسها علي حساب القيم العلمية الحقيقية..
رؤية مستقلة
انتظرت الطبيبة الشابة دورها ولم تخف قلقها وتوترها وانفجرت قائلة: إن مشكلتنا نحن شباب الباحثين تكمن في الفجوة التي تفصلنا عن آبائنا وأمهاتنا وأساتذتنا فهم يعيشون في واد ونعيش نحن في واد آخر وعندما نحاول أن نشرح لهم صعوبة تحقيق ما يريدون وأنهم يجب أن يحترموا وجهة نظرنا فإنهم يثورون ويتوعدون مما يجعل عملية الحوار والتفاهم شبه مستحيلة والواقع أن مستجدات العصر قد ضاعفت الفجوة بين الأجيال فقد كانت أمي تطيع والديها تماما لأن الفجوة بينها وبينهما لم تكن واسعة إلي هذا الحد وهي تطلب مني أن أفعل مثلها وهذا صعب بل مستحيل ودائما أطالبهم بأن يمنحوني الفرصة كي أكون رؤية مستقلة ومواقف أتحمل مسئوليتها وهنا تتصاعد نبرة الغضب معربين عن خوفهم الشديد علي من الوقوع فريسة أو ضحية بسبب استغلال الآخرين لسذاجتي وحسن نيتي وماذا عن علاقتك بأساتذتك وزملائك في العمل؟ بادرتها بهذا السؤال قالت: يغلب علي أساتذتي الطابع التقليدي فهم يريدوننا أن نصبح نسخة منهم وهذا يعني المصادرة علي إمكان الاختلاف معهم ويحول دون اكتشاف قدراتنا الإبداعية في الوقت المناسب أما زملائي فهم أفضل من زميلاتي لأنهم أكثر صدقا واستقامة واستنارة، وللأسف إن أغلب الزميلات يعانون من السذاجة الفكرية ومحصورات في دوائر ضيقة من التفكير النسوي المتخلف رغم أنهن متفوقات علميا».
أبدت عالمة البيئة دهشتها المشوبة بالاستياء من تكالب الباحثات المصريات علي شراء السلع الهندية أكثر من اهتمامهن بالتعرف علي معالم الهند الحضارية والثقافية وفسرت ذلك بطغيان قيم المجتمع الاستهلاكي الذي التهم كل شيء في حياتنا فلم نعد نجد السعادة إلا في متعة الشراء فقط.
أما الباحثة الزراعية فقد أفاضت في الحديث عن مناخ الفساد المعوق للإبداع والذي تفشي في أنحاء المركز الذي تعمل به فالرئاسة العليا فتحت الأبواب علي مصراعيها للوفود الصهيونية ومراكز التمويل الأجنبية مما أشعل التنافس واللهاث خلف المكاسب المادية والسفر للخارج ومن المستحيل أن يزدهر البحث العلمي في هذاالمناخ المعادي للعلم والأخلاق، والثوابت الوطنية، سرحت قليلا ثم استطردت «إنني أتمني أن أتابع الأحداث العامة وأشارك في الأنشطة الاجتماعية والأهلية ولكن للأسف الشديد لا أجد الوقت أو الجهد فاليوم يمضي بين أعباء المنزل والأطفال ومسئوليات المعمل والبحوث الميدانية في الحقول والمزارع وينتهي اليوم وأنا مستنزفة تماما سألتها: وماذا عن متابعة الأخبار والمسلسلات في التليفزيون:
أجابت: هذا يتحقق جزئيا خلال شهر رمضان ولكن غير متاح لي في الأيام الأخري وماذا عن زوجك تساءلت قال: هو زميلي في المركز ولكن في قسم آخر ويمارس عمله يشغف ونجاح متواصل ويتابع قراءة الصحف باهتمام وكذلك بعض البرامج التليفزيونية وأحيانا الروايات الأدبية لأنه معفي تماما من الأعباء المنزلية التي تثقل كاهلي».
ولعل أكثر ما أسعدني في المؤتمر مواكب النساء الهنديات بملابسهن المبهجة وهن قادمات من جميع أنحاء الهند بومباي ومدراسي وبنجالور ونيودلهي وكيرالا وأجرا وجيبور جئن كي يعرضن إنتاجهم الذي صنعنه من الخامات البيئية أدوية من الأعشاب وأقمشة حريرية وقطنية وكتانية ولوحات فنية وأدوات منزلية وأجهزة كهربائية.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة