بمناسبة الاحتفال بمرور مائتي عام علي تولي محمد علي
حكم مصر، يقدم مسرح الغد العرض المسرحي المهم «رجل القلعة»
المأخوذ عن نص الصعود إلي القلعة للكاتب المسرحي أبو العلا
السلاموني، من إخراج الموهوب ناصر عبد المنعم.
الغرور والسلطة
يتناول العرض قضية الديمقراطية وهي إحدي القضايا المطروحة
بقوة الآن بل تحولت إلي مطلب حيوي في كل بلدان العالم
وتحديدا في العالم الثالث المحروم منها إلي حد بعيد.
من خلال تسليط الأضواء علي شخصية محمد علي ذلك الرجل الذي
سكن مصر وعشقها بجنون ووصل للحكم وفق إرادة الشعب ومثولا
لرغبة العلماء وفي مقدمتهم نقيب الأشراف عمر مكرم، وقادة
الرأي بعد أن نجحوا في إسقاط الوالي العثماني المستبد
خورشيد باشا.
وقد امتلك محمد علي قدرات خاصة ورؤية نافذة وذكاء حادا
جعلوه علي شفا الوصول بالمحروسة لواحد من الدول العظمي
ونجح في بناء دولة حديثة بعد قرون من الجهل والتخلف في ظل
الحكم العثماني.
وحقق إنجازات حقيقية علي جميع المستويات سواء في تكوين جيش
قوي أو في مجالات الترجمة والعمل والصناعة والزراعة، إنه
بحق صاحب ثورة التحديث في مصر في إطار مشروعه النهضوي الذي
كاد أن يكتمل لولا غروره وإنفراده بالحكم وتصدي الغرب له.
لوثة عقلية
تروي الجوقة في بداية العرض ما حدث في النصف الأول من
القرن التاسع عشر وكيف ظهر وصعد محمد علي مع مقارنته
بنابليون مؤكدة أن لكليهما شأنا كبيرا زلزل عرش أوروبا.
ثم يبدأ العرض بسقوط ونهاية محمد علي بعد ما أصابته لوثة
عقلية بسبب ضياع حلمه بتكوين امبراطورية عظمي ولوفاة عمر
مكرم ولتخلي الشعب المصري عنه.
مصري النزعة
عبر تقنية الفلاش باك التي استخدمها المخرج بذكاء جعلنا
نعيش في قلب الحدث وبدأنا نرقب ظهور محمد علي وكيف تم
تصعيده وكيف جن في نهاية المطاف، كاشفا عن التحولات التي
حدثت للشخصية عند توليه حكم مصر علي طبق من ذهب بعد ما
بايعه نقيب الأشراف عمر مكرم إيماناً من الأخير بأن الشعب
المصري أسقط الوالي الظالم ليحل محله الوالي العادل
ولقناعته بأن محمد علي مصري النزعة وأقوي رجل يمكن أن تعبر
معه مصر المحنة، شريطة أن يحكم وفق إرادة الشعب والرجوع
للعلماء، وأعلن بمراوغة محمد علي قبوله الحكم وفق هذه
الوثيقة إلا أنه سرعان ما استأثر بالحكم واستبد برأيه
وتحول لديكتاتور وابتعد عن الشعب، مثلما يحدث علي مر
العصور بأن ينفرد الحاكم بالسلطة، فجاءت النتيجة وبالا
عليه، وتحولت انتصاراته إلي هزائم وسلسلة من الإنكسارات
خاصة عندما حدثت المواجهة الكبري مع الغرب. مما جعله يقبل
معاهدة لندن، وفقد بذلك كل أحلامه وأملاكه باستثناء مصر.
الحلم والحياة
برع المخرج في اختياره لفريق الممثلين بداية من كل أفراد
الجوقة وصولا إلي النجم الكبير الباشا توفيق عبد الحميد
الذي أطلق لحيته البيضاء وسبر غور الشخصية وذاب فيها
وانطلق ليبدع بأدائه المتقن البارع منذ أن كان كهلا بعد أن
فقد الحلم والحياة معا مرورا ببداياته وهو في عنفوان
السلطة.
ومن أقوي المشاهد في العرض تلك الحوارات الثنائية التي
جمعته بعمر مكرم خاصة حينما حاول الباشا إقناع الأخير
بتولي الحكم حتي عودته من الحرب لكنه فوجئ برفض الأخير
لأنه إذا قبل فلن يستطيع محاسبة الوالي إذا أخطأ.
في السياق نفسه أجاد أشرف طلبة في دور نقيب الأشراف عمر
مكرم، وحفيده صالح، قدم الشخصية بحكمة العالم وبوعي كامل
لمفاتيحها وكيفية توجيه دفة الحكم لصالح الشعب لكنه تعرض
للخيانة من قبل هيئة العلماء باستثناء رفاعة الطهطاوي وتم
نفيه لدمياط بعد أن قلصوا دوره، نجح الموهوب أشرف طلبة في
تجسيد الدور وكانت لقاءاته بتوفيق عبد الحميد بمثابة
مباراة تمثيلية ممتعة ومقنعة في ذات الوقت.
في السياق نفسه تألق الفنان الواعد معتز السويفي في دور
إبراهيم باشا كاشفا بأدائه الحساس عن ميلاد موهبة جديدة
ينبئ بمستقبل مشرق، ومن أبرز المشاهد التي أداها عندما صرح
بحبه لزينب حفيدة عمر مكرم الفنانة والمطربة المتميزة
فاطمة محمد علي التي استطاعت بصوتها العذب الدافئ أن تضفي
شاعرية ونعومة علي العرض.
كما لعبت الفنانة المجتهدة ماجدة منير باقتدار دور زوجة
الباشا الصارمة المتطلعة للصعود إلي القلعة والسلطة والجاه
علي حساب الشعب.
أدت الفنانة زينب إسماعيل دور الجارية هيلانة بانسيابية
ورشاقة، وجسدت إحساس المرأة اللعوب القادرة علي تحريك دفة
الحكم عبر استيلائها علي قلب الوالي .. ومن أبلغ المشاهد
التي عبرت عنها بصدق عندما ألقت بنفسها من الشرفة عندما
أدركت نهاية الوالي الحتمية.
كما تميز ألفريد كمال ومحمود زكي وناصر شاهين وشادي الدالي
وبسمة سلامة وطارق كامل وسامية عاطف ومحمود إمام وياسر علي
ماهر ويحيي محمود وأشرف شكري وناصر شاهين.
نعيمة عجمي
عبرت الملابس للفنانة نعيمة عجمي عن حقبة تاريخية بعينها
خاصة الباشا والزوجة والخليلة والعلماء بينما ارتدت الجوقة
الملابس العصرية مما خلق حالة من التداخل بين الأزمنة
والتواصل بين التاريخ القديم والحديث الذي نعيشه.
جاء النص للكاتب المسرحي المتميز ثريا ولغته أقرب إلي
الشاعرية، في حين برع المخرج ناصر عبد المنعم ونجح في خلق
حالة من التناغم بين مختلف العناصر الفنية بداية من
اختياره للممثلين حتي تحول العرض لبطولة جماعية لا يعتمد
علي النجم الواحد، كما أضفت الموسيقي حالة من الشجن ولعبت
ألحان جمال عطية وكلمات إبراهيم عبد الفتاح دورا جوهريا
وحيويا في العرض.
وقد لجأ المخرج لتقسيم خشبة المسرح إلي مستويين أو جبهتين
ويجلس الجمهور في الوسط علي يمينه القصر والوالي والحاشية
وعلي اليسار هيئة العلماء ونقيبهم عمر مكرم، مما أسهم في
خلق حالة من التواصل بين المتلقي والعرض وأصبح في القلب من
الأحداث.
تحية للمخرج ولفريقه علي هذا العرض الممتع الجريء.