لم يجد د. عمرو سلامة، وزير التعليم العالي، مفرا من
الاعتراف بأنه يتفق مع كل كلمة قالها د. عطية عاشور، بعد
التصفيق المتكرر والمتتالي والامتنان الذي حظي به د. عاشور
من الحاضرين، للكلمة التي ألقاها نيابة عن المكرمين في
احتفال جامعة القاهرة بعيد العلم.
قال الوزير إن كل ما تناوله د. عاشور فيما يتعلق باستقلال
الجامعات، وطرق اختيار القيادات الجامعية، وتعيين أعضاء
هيئة التدريس وترقيتهم، يشكل العناصر الرئيسية للقانون
الذي يجري إعداده حاليا لتنظم الجامعات، بذلك انتقل
التصفيق للوزير أملا في أن تتحقق الوعود.
ولأن إصلاح الجامعات لا يحدث بمجرد الوعود والتصريحات،
وإنما بمواجهة المشاكل والعيوب التي تؤثر علي أداء
الجامعات، وقبل ذلك، تحديد مواطن الخلل، ورصد مصادر
الانحراف بصراحة وصدق وواقعية، من أجل إيجاد الحلول
واستئصال الداء، لذلك تميز د. عطية عاشور، الأستاذ الجامعي
بكلية العلوم، بقدر كبير من الواقعية والمصداقية، وكان
شجاعا عندما واجه المجتمع الجامعي بالعيوب، وحدد للرأي
العام العراقيل التي تعطل تقدم الجامعات المصرية، وذلك في
مناسبة الاحتفال بتكريمه لحصوله علي «جائزة مبارك» في
العلوم، وتكريم زملائه العلماء والمبدعين والباحثين بجامعة
القاهرة.
لم يقتنع د. عاشور بالاكتفاء بأنه ليس في الإمكان أبدع مما
كان، وأن القافلة تسير ولا داعي لإثارة القلاقل، لم يستسلم
لدعاوي أننا الأفضل مختالين منتفخين بمشاعر تفوق ذائفة،
ورفض أن يعتمد نظرية «المؤامرة» لتبرير الفشل والتخلف،
والتي وصلت إلي حد أن إحدي القيادات الجامعية عللت عدم
حصول أي جامعة مصرية علي مركز ضمن ال 500 جامعة الأولي علي
مستوي العالم بأنه بسبب الانحيازات ضد مصر، واستهداف
الجامعات المصرية من الأعداء، وشغل نفسه بشرح خيوط
المؤامرة ضد العلم والبحث العلمي في الجامعات المصرية.
اختار د. عطية عاشور أن يتحدث بلغة العلم والعلماء، مؤكدا
اعتزازه بالجامعات المصرية وبالجهد المبذول فيها وفخره
بكليته العريقة، كلية العلوم الأساسية بجامعة القاهرة منذ
أن كان طالبا بها من 1940 حتي 1944، ووجه الشكر والتقدير
لمجلس جامعة القاهرة لتكريمه، معربا عن إحساسه بالشرف
للانتماء لجامعة القاهرة، ثم انتقل للحديث عن أوضاع
الجامعات المصرية، وأسباب عدم رصد الجامعات المصرية ضمن ال
500 جامعة الأولي في العالم.
خارج المنافسة
برغم مشاعر الاعتزاز والتقدير، إلا أن د. عاشور لم يخف
الانزعاج من اختفاء الجامعات المصرية من قائمة الجامعات
الأولي، اعترف بصراحة ووضوح بأن تطبيق المعايير الدولية
للتقييم لا يمكن أبدا أن ينصف هذه الجامعات، بل ويجعلها
حتما خارج دائرة الترتيب والمنافسة والزمن.
- فرض السيطرة علي الجامعات، وعدم تحقيق استقلالها عن سلطة
وسطوة الدولة، ووضعها في أطر وقوالب وأنظمة مقيدة، جعلت
الجامعات تضل الطريق الصحيح، فالجامعات المتقدمة - كما
يقول د. عاشور - في الدول المتقدمة، هيئات مستقلة، حتي في
حالة حصولها علي تمويل من الدولة لا يتم فرض قيود أو وصاية
عليها، الأمر في مصر يختلف بوجود سيطرة مركزية علي جميع
الجامعات، مما أدي إلي تطبيق نفس النظم التعليمية
والإدارية، التي لا تتفق مع ما تسير عليه الجامعات في
الدول المتقدمة.
-أسلوب وطريقة شغل الوظائف لأعضاء هيئة التدريس أشبه
بأسلوب تعيين وترقية الموظفين والإداريين، فكل جامعة مغلقة
علي نفسها، تتحكم في الوظائف الخالية المتاحة بها لتوزعها
علي المحظوظين من أبناء ذات الجامعة فقط، دون إتاحة الفرصة
للاستعانة بعناصر أخري من «الخارج» حتي لو تميزت بالكفاءة
والقدرة العلمية، حتي في حالة الإعلان عن وظائف خالية متاح
للجميع التقدم لشغلها من خارج الجامعة ذاتها، فإن الإعلان
يكون «تفصيل» وعلي مقاس أشخاص معدودين، ولحساب شخصيات
معروفة، ويأتي الإعلان لاستكمال «ديكور» أن الفرص متاحة
أمام الجميع، بينما يري د. عاشور أن شغل الوظائف يجب أن
يتم بالإعلان داخل الجامعة وخارجها، ويشغل الوظيفة الأفضل،
حتي لو كان الأصغر سنا ومن خارج الجامعة، ويوضح أن النظام
المركزي أدي إلي «تضخم» أعداد هيئات التدريس، لدرجة أن
مجالس الأقسام بالكليات تجتمع الآن في المدرجات لكثرة
الأعداد.
- انتقد د. عاشور بقاء عضو هيئة التدريس في العمل بالجامعة
إلي أن يتوفي، وذلك تحت مسميات الأستاذ العامل والأستاذ
المتفرغ والأستاذ غير المتفرغ، مشيرا إلي أن السبب الرئيسي
في هذا «الخلل» يرجع لعدم تساوي «معاش» الأستاذ مع المرتب
الفعلي الذي كان يحصل عليه قبل إحالته للمعاش، حيث إن
المعاش يقتصر علي المرتب الأساسي بدون حوافز أو مكافآت،
ويجري التحايل «بالمسميات» ليتمكن «الأستاذ» من الاستمرار
في الحصول علي «الدخل» دون أن ينخفض إلي أقل من النصف
ويقترح إجراء تعديل جذري في نظام عمل أعضاء هيئة التدريس
يضمن ألا يقل «المعاش» عن 80% من المرتب الفعلي للأستاذ
قبل الإحالة للمعاش، وبالتالي تنتهي خدمة الأستاذ، ولا
حاجة لمسميات.. المتفرغ وغير المتفرغ.
- احتفاظ عضو هيئة التدريس بوظيفته في الجامعة خلال فترة
إعارته للخارج، بل وتتم ترقيته أثناء إعارته التي قد تصل
إلي 15 عاما بالبلاد النفطية، الأمر الذي ليس له مثيل في
أي جامعة أجنبية، كما يقول د. عاشور، ويعطل الاستفادة من
الإمكانات المتاحة، ويؤدي لاضطراب في الهياكل التنظيمية
بالجامعات.
تجارة صفراء!!
تناول د. عطية عاشور في حديثه، النقص الحاد في المعامل
والتجهيزات والمعدات اللازمة لتدريب الطلاب، ونقص الأجهزة
العلمية الحديثة الضرورية لأعضاء هيئة التدريس ولطلاب
الدراسات العليا كما أن تكدس الطلاب بالمدرجات وقاعات
المحاضرات، أثر بشكل سلبي علي العملية التعليمية، أيضا
انخفاض مستوي المعيشة في المدن الجامعية، وتواضع
التجهيزات، مما يستوجب إعادة النظر ورفع مستوي هذه «المدن»
التي تستخدم في الخارج خلال العطلة الصيفية كفنادق للسياح
ولإقامة أعضاء المؤتمرات، مما يدل علي ارتفاع مستواها،
وتوفيرها لأموال إضافية تستفيد منها الجامعة في تمويل
الأنشطة وبرامج التطوير.
* كما أعرب د. عاشور عن أسفه الشديد لتبذير الأموال فيما
يسمي «دعم الكتاب الجامعي» وافتخار الهيئات الجامعية
والتباهي بتخصيص اعتمادات مالية لدعم الكتاب الجامعي،
ويضيف: ليتهم حاربوه ومنعوه بدلا من أن يدعموه، فالكتاب
الجامعي ليس إلا وريقات صفراء يتوقف نجاح الطالب أو رسوبه
علي شرائه فقط!! وفي الماضي كان الطلاب يحصلون علي المراجع
العالمية من «مكتبة الجامعة» للدراسة والتعرف علي أفكار
وآراء مؤلفيها من العلماء الكبار والمفكرين المرموقين.
أما الآن.. فحتي المكتبة تفتقر لوجود المراجع العلمية
العالمية، ويعاني أعضاء هيئة التدريس من النقص في
«الدوريات» العالمية، وعدم انتظام وصول الدوريات التي
تشترك فيها الجامعة، وهو سبب رئيسي في تخلف البحث العلمي
في الجامعات.
بدلا من الحزن والصراخ والعويل أو الاختباء خلف نظرية
«المؤامرة» ضد الجامعات المصرية، أمامنا «وصفة» بسيطة
لتخليص الجامعات من بعض الترهل والسمنة الزائدة عن الحد
والاحتمال.