لا شك أن كل مصري يرحب بإعلان الرئيس مبارك عن ضرورة إقامة
مجتمع عصري يعزز التعددية، ويحمي حقوق المواطنين وحرياتهم
الأساسية، ويرسّخ المشاركة والمواطنة والمساواة في الحقوق
والواجبات، ويناهض كل أشكال التمييز والتفرقة، وينشر قيم
التسامح بين مسلميه وأقباطه، ويتمسك بأن الدين لله والوطن
للجميع، ويحاصر الغلو والتطرف ويحترم قضايا المرأة ويدعم
المجتمع المدني ويعلي حقوق الإنسان.
ولا جدال في أن كل مصري يرحب بمشروع تعديل السلطة القضائية
لتدعيم استقلال القضاء، وبالتعديلات المرتقبة علي بعض
أحكام قانون الإجراءات الجنائية، وخاصة ما يتعلق بالحبس
الاحتياطي، وكذلك تعديل نصوص جرائم النشر ومراجعة العقوبات
السالبة للحرية.
غير أنه سبق للمواطنين أن سمعوا الكثير من الوعود التي لم
تتحقق أو تحققت علي نحو معاكس لمطالب هؤلاء المواطنين.
مثلا، أعلن الرئيس أن الدولة لن تتخلي عن مسئوليتها
الاجتماعية تجاه الفئات غير القادرة، وأكد أن المجتمع
العصري، الذي نسعي إليه، هو مجتمع يقف إلي جانب محدودي
الدخل.. ويضمن لهم نصيبا عادلا من عوائد التنمية.
وكلنا نعرف أن الفئات غير القادرة عاجزة عن مواصلة الحياة
بعد هذا الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة وتفاقم
البطالة وانسحاب الدولة من العمل الاجتماعي.
ولم نسمع من الرئيس إشارة إلي مشروعات قوانين لإلغاء قانون
الطوارئ وتوسيع سلطات البرلمان في مجال مراقبة ومحاسبة
الوزراء، ولم نسمع إشارة عن مسئولية الحكومة أمام مجلس
الشعب أو عن توسيع اختصاصات وسلطات مجلس الوزراء في علاقته
بمؤسسة الرئاسة لقد اختفت هذه الوعود التي وردت في برنامج
الرئيس الانتخابي، ولم تظهر في خطابه أمام البرلمان، ولم
يتحقق ما تطمح إليه القوي السياسية بشأن إجراء تعديلات
أخري ضرورية في الدستور.
والمؤسف أن الرئيس اعتبر أن تعديل المادة 76 من الدستور
يمثل خطوة واسعة ونقلة نوعية علي طريق الإصلاح السياسي،
رغم إجماع الرأي العام علي أن التجربة أثبتت ضرورة تعديل
التعديل، حتي لا يكون مانعا للترشيح للرئاسة، وحتي لا يبقي
الاستفتاء في ثوب الانتخاب.
ورغم إشارة الرئيس إلي أن الانتخابات البرلمانية كشفت عن
سلبيات «يتعين الاعتراف بها والاستفادة من دروسها والتعامل
معها بكل الجدية والحسم» إلا أننا لم نسمع إشارة منه إلي
قانون انتخابي جديد يعتمد علي نظام القائمة النسبية
المفتوحة غير المشروطة لتلافي هذه السلبيات في المستقبل.
وقد يري البعض أن خطاب الرئيس يتناول الخطوط العامة
العريضة ولا يتطرق إلي التفاصيل التي يتركها للنواب.
ولكن النظام الرئاسي في مصر وصلاحيات الرئيس شبه المطلقة
واستمرار رئاسته للحزب الحاكم (مما يعوق كونه رئيسا لكل
المصريين كما نتمني).. كل ذلك يجعلنا نتوقع استمرار
الأوضاع علي ما هي عليه.. الأمر الذي يلقي علي عاتق أحزاب
المعارضة السياسية مهام ومسئوليات أكبر في مواصلة النضال
من أجل إصلاح سياسي حقيقي.