لم يستطع الموت ولا توقف الساعات ولا قسم البوليس الحاضر
أبداً ولا مرض القلب ولا إلقاء سلال الورد في الشارع
ودهسها ولا السوران الطويلان المحيطان بالشارع المؤدي
للبيت، لم يستطع كل هذا منع الإطلالة علي البهجة والوقوف
علي عتباتها في رواية «إبراهيم عبد المجيد» الجديدة «عتبات
البهجة» 0
في هذه الرواية تقنية خبيثة تتسلل بنعومة في أجواء العمل
في تفصيلاته ومستوياته وعلاقات شخصياته بالعالم وببعضها
البعض0 إذ يقف المكان نقيضا كليا للزمان، فالمكان المحور
هو حديقة صغيرة يذهب إليها مشيا كل يوم صديقان شيخان00
أحدهما يشكو من مرض ما في القلب00 تجذبهما الحديقة التي لم
يكونا قد التفتا إلي وجودها0 وفي خلفية هذا التناقض بين
الزمان والمكان زمان الشيخوخة ومكان البهجة واقع تعيس00
بشر محبطون يائسون غرباء تقول بائعة الحلوي الفقيرة «
والنعمة دي يا ربنا أنا ما بعت النهاردة غير بجنيه واحد
أخده مني أمين الشرطة»0 والمشردون رد السجون الذين عذبهم
العقيد «عباس» وقرروا هم في حيلة من الحيل الكثيرة التي
تمتلئ بها الرواية أن يطاردوه جريا وراء سيارته كأنهم
الضمير الذي يعذبه، وإذا كان هؤلاء قد وجدوا حلا جماعيا
لمحنتهم00 فأننا نجد بالحديقة «ثلاثة أشخاص 00 كالعادة جلس
كل منهم علي مقعد بعيد»00 أما الراوي الرئيسي فإنه ضائع
بعد موت زوجته ولم تخلصه علاقته «بدنيا» (لاحظ الاسم) من
هذه الغربة، ولم تخلصها هي نفسها من غربتها من هذا العالم
فما من غربة «أكثر مما عرفت دنيا» التي ماتت منتحرة بعد
اكتئاب0 أما هو أحمد فكنت في حلم وانتهي، أو كنت أفق علي
محطة لم يتوقف عندها القطار» أما سرادق عزاء دنيا الخاوي
لأنها انتحرت- فكان «أشبه بطريق في صحراء»0
تتكرر البنية الأساسية للرواية القائمة علي تناقض الزمان
والمكان في عناوين الفصول العشرة التي يحمل كل منها
عنوانين0 يمكن لعناوينها المتناقضة بدورها أن تمنحنا مداخل
جديدة للرواية وقراءات متعددة لمستوياتها0 ولكنني أود هنا
أن أتوقف عند جملة ربما كانت مفتاحا أساسيا لهذا العالم
المبهج والمفعم بحزن شفيف، وهي جملة قادمة من عنوان واحدة
من أهم رواياته «لا أحد ينام في الإسكندرية»0 تتكرر لا أحد
لا أعرف كم مرة في هذا العمل لكنها في كل مرة تنفتح علي
مأساوية العالم وجهامته00 وفيها شحنة مركزة من الشعور
بالغربة00 رغم أن الراوي الأساسي ليس وحيدا بل يصحبه دائما
صديقه حسن الذي هو أقرب إلي قرين أي إلي نفس الراوي
الأساسي الأخري0
لا أحد هنا يكلمني أو أكلمه00 هذا هو ما يجعل للزواج أهمية
حقيقية، ليس الجنس ولا تكوين أسرة ولا إكمال الدين، هو
الكلام بالليل ولا شيء آخر»0
«لا أحد يحمل وردا لأحد الآن»00 «ولا أحد يجلس فوق
المقاعد» و«لا أحد حول الحديقة» ويتساءل أحمد «كيف لا يوجد
أحد بالحديقة : «ولا أحد يحب أن يمرض أو يموت»00 ولا أحد
يريد أن يعرف أن قيمة المساجد ليست في أنها مكان يؤدي فيه
حق الله فقط إنما مكان تأخذ فيه حقك من الراحة والأمل»0
ظل صديقه يتوهم أشياء ويخطئ من حساب الزمن والمواقيت
ويكتشف توقف كل الساعات، ولكن إصراره علي مواصلة الحياة
بالتعرف علي طرق سرية تصل به إلي السعادة بدعوة لإقناع
أحمد بأنه ليس مريضا، ويواصل تبحره هو نفسه في طب الأعشاب
والانغماس الكلي في الشأن الخاص، ومحاولة استعادة الشباب
بمغازلة شابة فقيرة تبيع الشاي مع أمها في الحديقة- اسمها
سعيدة00 والتي لا ينسي الراوي الذي كان قد فقد حبيبته حين
انتحرت، وقبل أن يعرف خبر انتحارها بقليل وهو يعبر عن
خشيته من ضياعها لا ننسي أن يقول مناجيا نفسه «ضياع دنيا
هو الموت بعينه ولن تنقذني فادية أبدا (وفادية هي صديقة
دنيا التي يبدو أنها سحاقية)00 ثم يضيف لن تبقي إلا سعيدة
بنت بائعة الشاي00 أي حضيض»00 والحضيض هنا هو أن البنت
ليست من طبقته وأنها فقيرة00 فهو لا يبحث في علاقاته مع
النساء- بعد موت زوجته عن توافق فكري أو ثقافي ولكن عن
التناغم الجنسي وحده، وهكذا يعبر الاستعلاء الطبقي عن نفسه
بطريقة لا واعية في كلمات عابرة0
في لحظة تكثيف شديدة يبدو لنا فيها كأن الزمان والمكان قد
تطابقا نجد الحديقة مضاءة وبها بشر سعداء، وحسن يلعب مع
الأطفال كأنه عاد لصباه، وكأن كل الشخصيات الثانوية تلتقي
مع بعضها لتصنع بهجة حتي وإن كانت مؤقتة وزائلة تعبيرا عن
توق الرواية وهي تصور المجتمع - علي طريقتها من زاوية
صغيرة لكن تنفتح علي المستقبل بما يحمله من معان ودلالات
وهي قد فعلت ذلك منذ أن جعلت الحديقة مركزا للسرد رغم أنها
مسورة فإنها مفتوحة علي السماء0 وتتبلور رؤية العالم لدي
الروائي حين نجد أنفسنا خارجين إلي الحديقة من عالم محطم
تملؤه العشوائيات0 ومجتمع تعطلت طاقاته، وآدميين بائسين
وغير مشبعين ومشوهين حيث يستعصي الإصلاح «فقد أصبح إصلاح
هذه البلاد ضربا من المحال00 لأنك حتي لو غيرت نظام الحكم
تحتاج إلي عشرات السنين لضبط إيقاع الناس00» يختتم البطلان
جولتهما الأخيرة حين يذهبان لسوق الكلاب ويشتريان كلبين إذ
لن تجد أحدا يطيعك مثل كلب00 ثم يهديان الكلبين لرجل بائس-
يبحث عن عمل فيشعر الرجل بالسعادة والرضا0
وهذا هو أقصي ما تستطيع أن تفعله في الحديقة تقدم شيئا
يبعث علي البهجة لإناس لا بهجة في حياتهم فالوقوف علي
عتبات البهجة دائما أفضل من البهجة نفسها00