يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1259 (21 - 28) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

خواطر فنية لألفريد فرج

 
 

حكايات شارع عماد الدين

 
 

عرض: أماني سمير

 

  «كالريفي التائه في القاهرة، سألت عن (شارع الفن) يوم حضوري من الإسكندرية تجتذبني أضواء القاهرة».
بهذه الصورة الصادقة والمعبرة عن شغف المصري ألفريد فرج منذ بداياته بتتبع الحالة الفنية المصرية بدأ الكاتب المسرحي الراحل آخر كتبه «شارع عماد الدين - حكايات الفن والنجوم» والذي صدر عن كتاب الهلال في نوفمبر 2005 .. وقد أراد في هذا الكتاب أن يدعو كل من يهمه الأمر إلي إعادة إحياء مركز الإشعاع الفني الذي كان يتوسط القاهرة ويضيء لياليها بالثقافة وبهجة الفنون..
والسؤال الذي طرحه الكاتب الراحل في بداية حديثه عن «عماد الدين» كانت إجابته شيقة ومثيرة إذ جاءت الإجابة في عدة أسئلة متلاحقة .. «هل تقصد بشارع الفن شارع عماد الدين وهو شارع المسرح أم تقصد شارع الهرم وهو شارع السينما أم تقصد شارع محمد علي وهو حي الموسيقي والغناء أو تراك تسأل عن شارع الصحافة وهو شارع أخبار اليوم وفنون القلم؟!»
كانت كل هذه الشوارع وهي شوارع فنون في منتصف القرن العشرين وكانت عناوينه وعناوين نجومه في القاهرة هي مقصد الكاتب في شبابه وقت أن قصد العاصمة .. فزار «عماد الدين» ثم أطال الزيارة بل وأقام فيه بالفعل .. وتابع نجومه وإبداعاتهم .. أحبّ الشارع وتأمله «أتونس به» وبأطياف الفن الجميل .. تعلم من حكايات الفشل والنجاح .. عاصر التطوير والتجريب .. تدرب علي النظر في النفس من الداخل والنظر في دنيا الفن ومنها في الدنيا الواسعة يسطر الكاتب الراحل ألفريد فرج سطوره التأملية عن شارع الفن والحكايات بعد سنوات طويلة من الإهمال والتجاهل لهذا الشارع صاحب التاريخ في محاولة صادقة منه لإحيائه . فصاغ في البداية صورة عماد الدين في العشرينيات من القرن الماضي .. وقت أن كان مضيئا إضاءة جذابة للزوار، صاخبة بالبهجة والحركة .. وقت أن كان شارع عماد الدين مركز تجمع أهل الغناء والتمثيل «عبد الوهاب» و«أم كلثوم» .. «الريحاني» و«يوسف وهبي».
بعض الشوارع والأحياء ترمز إلي ما هو أبعد من حدود الأركان والأرصفة والمعمار .. بعضها يوحي بمعانٍ وأبعاد ومشاعر مثيرة وخلابة وعماد الدين له هذه الإيحاءات الجميلة فقد كان شارع المسرح والسينما قبل وبعد ثورة 1919 وفي العشرينيات أصبح حافلاً بالفن علي جوانبه وفي أركانه مخلفا تاريخا رائعا وتقاليد سامية مضفيا علي الحياة الاجتماعية المصرية نفسها أساليب جديدة وأفكارا حديثة وسلوكيات عصرية.
ما دفع الكاتب الراحل إلي الكتابة الآن عن شارع عماد الدين ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين هو ما أصاب الشارع من ذبول وإعياء وعبوس دائم وإهمال ولا مبالاة رغم أنه مازال يحوي أكبر عدد من المسارح ودور السينما .. فنجد مسرح «محمد فريد» قد أغلق بسبب استرداد أصحابه لملكيته بحكم المحكمة!! ومسرح «مصر» مغلق رغم ملكيته التابعة لوزارة الثقافة لكنه في حاجة إلي الترميم!! ومسرح «أوبرا» الذي كانت تؤول ملكيته الأولي إلي المطربة «ملك» والذي احترق في حريق القاهرة والآن آل إلي وزارة الثقافة التي حولته إلي مخازن!! وسينما «استديو مصر» التي تملكها وزارة الثقافة ومازالت مغلقة لأنها لا توجد لها اعتمادات!!
والمسرح الوحيد في عماد الدين الذي افتتحته وزارة الثقافة مؤخرا كان مسرح «متروبول» هذه الحالة المؤلمة والمحبطة لدور المسارح والسينما في شارع الفن الجميل هي التي حرضت الراحل ألفريد فرج علي الكتابة عن تاريخ هذا الشارع البديع مناشداً «وزارة الثقافة» التي آلت إليها معظم مسارح هذا الشارع العريق والذي كان في أحد العصور مدرسة للأجيال الفنية .. ناشدها أن تجمع تاريخ هذا الشارع الجميل والنصوص والنوتات الموسيقية وآثاره الفنية مثلما تفعل جميع الدول المتقدمة في تراثها وريبرتوار مسرحها فهل تنشط وزارة الثقافة مع وزارة السياحة ومحافظة القاهرة لإعادة الجمال والبهاء لوجه شارع عماد الدين مثلما فعلت مع خان الخليلي وشارع المعز لدين الله .. فتسترد مسارحه الضائعة وتفتح مسارحه المغلقة؟!
وقد دلل الراحل ألفريد فرج علي إمكانية تحقيق منتزه ثقافي في عماد الدين رغم معاندة الزمن وتآكل الشارع وذبوله بما فعلته الحكومة الفرنسية في «حي الهال» الذي كان سوقا للفاكهة والخضروات فقررت الحكومة نقل السوق إلي الضواحي وقامت ببناء قصر الثقافة لباريس بمعمار غريب حديث الطابع قدم لزواره المعارض والمكتبات والسينما التجربيبة .. وأخليت حوله الساحات لتصبح مساحات فنية لعروض «مسرح الشارع» وأقيمت المقاهي والمطاعم وسوق للسلع الثقافية والتحف واستديو مكشوف لرسامي الشوارع .. فتجد هذا الموقع في أيام باريس المشرقة يغص بالزوار من كل الفئات السنية والطبقية .. هذا هو معني «متنزه ثقافي» هو موقع رحب للتنوير والاستمتاع والترويح والثقافة بمعناها الأشمل والأعم من أروقة المجالس الثقافية وأكاديميات الفنون.
وهذا التصور للمتنزهات الثقافية ليس مقصورا علي عاصمة النور باريس بل نفذتها بريطانيا معقل الكلاسيكية فقد أحيت الحكومة الإنجليزية «مسرح جلوب» علي نهر التايمز وهو المسرح الذي قام بالتمثيل علي خشبته «وليام شكسبير» ومنه خرجت للنور أعظم مؤلفاته المسرحية «هاملت» و«عطيل» وغيرها.
كان «جلوب» قد أنشئ عام 1598 وقد احترق المسرح بطريق الخطأ عام 1613 أثناء عرض مسرحية «هنري الثامن» لكن أعيد بناؤه في نفس العام وفي عام 1642 أغلقت جميع مسارح لندن بأمر من الديكتاتور كرومويل وهدم المسرح عام 1644.
وفي التسعينيات من القرن العشرين أي بعد ثلاثة قرون ونصف القرن تمت مناقشة ضرورة إعادة مسرح شكسبير القديم في نفس الموقع وبنفس المعمار .. ونادي بهذه الفكرة المثقفون والمتبرعون ومجلس الفنون ووزارة الثقافة لإقامة هذا المشروع السياحي الثقافي التعليمي .. والترتيب للكلمات هنا مهم جدا فهذا المشروع قام بالأساس علي فكرة الزيارة السياحية لمسرح شكسبير القديم والذي لمعت فيه إبداعاته .. والثقافي هذا هو إمكانية شحذ الخيال من وحي القديم لإنتاج الجديد المعاصر .. والتعليم هنا هو الاستناد علي الماضي لتحقيق حاضر واع ومستقبل مستنير فالتعليم بدون مرجعيات ثقافية يصبح كإهدار الماء في الرمال الناعمة في قيظ صيف أغسطس!!
وهكذا بالتضامن بين جميع البريطانيين بمختلف انتماءاتهم الفكرية والطبقية والثقافية أيضا تم بناء المسرح وإعادة تشغيله في نفس الموقع القديم وبنفس معمار مسرح شكسبير.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة