نظام المنتج المنفذ أحد أشكال الفساد في مدينة الإنتاج الإعلامي
المبدعون يطالبون بالعودة إلي نظام الإنتاج المباشر
نجوي إبراهيم
اتفق عدد من الكتاب والمخرجين علي أن دخول نظام المنتج
المنفذ والمنتج المشارك دائرة الإنتاج الدرامي كان سببا
رئيسيا وراء تدني مستوي الأعمال الدرامية خاصة أن هذا
النظام فتح بابا واسعا لنهب الملايين وتربح عدد من كبار
المسئولين القادرين علي تمرير العقود الفاسدة مع
المنتجين..
فرغم أن النظام كان من الممكن أن يسهم في تقديم أعمال
متميزة فإن المسئولين الكبار حولوه إلي أسلوب لنهب
الملايين من المال العام.
دعوة ظالمة
ومن المتضررات من جراء هذا النظام الفنانة «معالي زايد»
التي أكدت أنها عندما طالبت بأجرها كاملا عن دورها في أحد
المسلسلات أوقفت مدينة الإنتاج الإعلامي التعامل معها لمدة
خمس سنوات!.
وأشارت إلي أن هذا النظام أدي إلي استبعاد بعض الممثلين
والاهتمام بنجوم الصف الأول علي أساس أنهم هم الذين يجلبون
الإعلانات.
وتوضح إحدي الكاتبات المتعاملات مع مدينة الإنتاج الإعلامي
رفضت ذكر اسمها إن نظام المنتج المنفذ طرح علي ساحة
الدراما نسبة كبيرة من الفهلوية الذين ادعوا أنهم أصحاب
شركات إنتاج ووصلوا بطرق غير شرعية لمن يملكون القرار.
وأضافت إن الصفقات كانت تتم بين المسئولين والمنتجين بعد
دفع رشاوي فلكية لهؤلاء المسئولين وكنا نسمع هذا الكلام من
المنتجين أنفسهم وكانت الرشوة تتحدد علي كل ساعة إنتاجية،
ويضطر المنتج أن يطرح اسم النجم الذي يجلب أكبر عدد من
الإعلانات ولذلك يدفع له الأجر الذي يحدده النجم ويتم ضغط
باقي عناصر العمل الفني لتوفير النفقات بعد استيلاء السادة
المسئولين والمنتج والنجم كل علي نصيبه، وفي كثير من
الأحيان كان المنتج يستعين بممثلين أقل مستوي في الأداء
ويصبح النجم هو البطل وباقي الفريق - كومبارس - في حين أن
العمل الفني عمل جماعي والأداء يرتفع بتميز فريق العمل
بأكمله.
نظام للفساد
الكاتب «أسامة أنور عكاشة» يري أن إلغاء نظام المنتج
المنفذ والمنتج المشارك أصبح ضرورة حتمية لإغلاق أبواب
الفساد وتطوير المستوي الفني للأعمال الدرامية.
ويؤكد أسامة أنور عكاشة أن الفساد دائما يبدأ عند التقاء
صاحب المصلحة بموظف عام، وهذا ما حدث مع الموظفين
المسئولين عن إدارة حركة الإنتاج الدرامي، فأصبحوا يسهلون
للمنتج المنفذ إتمام الاتفاقيات التي تقدر بالملايين
لإنتاج أعمال درامية مقابل أخذ جزء من الأرباح.
ويطالب «عكاشة» بضرورة العودة إلي الإنتاج المباشر من خلال
الإذاعة والتليفزيون لأننا في ظل هذا النظام قدمنا العديد
من الأعمال الدرامية المتميزة ولكن مع بداية العمل بنظام
الإنتاج المشترك حدث الانهيار الذي نراه في مستوي أعمالنا
الدرامية.
وأوضح عكاشة أن تكلفة الساعة الإنتاجية في ظل هذا النظام
لم يكن لها معايير أو ضوابط محددة ولكن يتم تحديدها وفقا
للمصالح المشتركة بين المنتج والمسئول وعندما يكون المنتج
له «حظوة» وقادرا علي التفاهم مع المسئول فهو يأخذ الساعة
بمبالغ فلكية تفوق قيمة الإنتاج الحقيقية وهذا الكلام مثار
والكل يتحدث عن تفاصيله ودور القضاء والتحقق من هذه
الأقاويل والتأكد من صحتها.
ويؤكد عكاشة أن إلغاء هذا النظام سوف يخلصنا من أجور
الفنانين الفلكية التي قفزت من 90 ألف جنيه إلي 2 - 3
ملايين جنيه في المسلسل وجاء هذا نتيجة سيطرة الإعلان علي
الدراما.
أما الكاتب محمد صفاء عامر فيقول: إن أسباب تدني مستوي
أعمالنا الدرامية يتعلق بعدة أسباب منها سيطرة النجم علي
العمل الدرامي خاصة بعد تسويق المسلسل باسم النجم الذي
يملي شروطه علي العمل الفني حتي يليق به وبالتالي يصبح
السيناريو حسب طلب النجم أو النجمة، كما إن النجم يطلب
أجرا مبالغا فيه، ويضطر المنتج أن يقوم بإعطاء معظم
الميزانية المخصصة للعمل بأكمله للنجم، ويتم تقليص باقي
عناصر العمل ومن هنا يأتي العمل فقيرا للغاية، فضلا عن
تعاظم قوي مافيا الإعلانات واتخاذها النجوم أداة لفرض
سيطرتها علي الدراما والاهتمام بالكيف، هذه العوامل أدت
إلي التدهور الذي نراه في أعمالنا الدرامية.
أما فيما يخص نظام المنتج المنفذ فيقول صفاء عامر: لا
أعتقد أنه وحده مسئول أمام هذا التدني الذي نراه لأن هناك
العديد من الأعمال الجيدة التي قدمها لنا فأنا شخصيا قدمت
العديد من الأعمال وفقا لهذا النظام وكانت متميزة،
فالمسألة تتحدد بالنص الجيد وإذا تحقق هذا أصبح العمل
الدرامي جيدا بغض النظر عن جهة الإنتاج.
التهرب من الضرائب
أما المخرج د. محمد كامل القليوبي فهو واحد من المبدعين
الذين رفضوا العمل في ظل نظام المنتج المشارك خاصة في
الدراما التليفزيونية ولذلك جاءت أعماله في التليفزيون من
خلال الإنتاج المباشر ويقول: إن هذا النظام تم ابتداعه
للتهرب من الضرائب وفي اعتقادي أن المنتج المنفذ ما هو إلا
سمسار ليس له علاقة بالإنتاج الفني وكل ما يهمه تحقيق أعلي
ربح، ويشير د. القليوبي إلي أن هذا النظام متبع في العالم
كله والمشكلة ليست في النظام ذاته بقدر ما فيما يقدمه هذا
المنتج أو ذاك، ونظرا لتدني أعمالنا الدرامية التي تمت
وفقا لهذا النظام يجب أن يتم وضع أسس وشروط صارمة تحكم
المنتج المنفذ، وأن يكون هناك محاسبة للمنتجين الذين
يقدمون أعمالا تافهة.
الربح هو الهدف
ويري الكاتب يسري الجندي أن تدني مستوي الدراما المصرية
أصبح عملية متشابكة وأصبح هناك تربيطات تستبعد الأعمال
الجيدة لتحل محلها أعمال أخري دون المستوي مثلما حدث معي
عندما تم استبعاد مسلسلي «مصر الجديدة» بحجة أنه ليس به
نجوم، رغم أن العمل مليء بنجوم الإبداع وعلي رأسهم المخرج
محمد فاضل ولكن هذا لم يعد يشفع لجودة العمل الفني، فعيوب
الدراما بدأت بعد طغيان مبدأ الكم علي الكيف وهذا الكم
محتواه ضعيف، فمع زيادة عدد ساعات الإرسال وسيطرة
التليفزيون المصري علي سوق الدراما، أصبح المطلوب ضخ عدد
ساعات كثيرة وطاقة الإنتاج المباشر للجهات الرسمية أقل
بكثير من المطلوب ولذلك بدأ خلق نظام المنتج المنفذ ثم
المنتج المشارك، وأصبحت العملية الدرامية هدفها الأول
الربح فكلما ارتفع عدد الساعات زادت الآلاف المدفوعة وأصبح
المعيار هو الربح الذي غطي علي المضمون، فلا يهم المستوي
المقدم للجمهور ثم جاءت معه الإعلانات، كل هذا أدي إلي
تراجع الكيف علي حساب الكم لخدمة مصالح المنتج والمعلن
والنجم الذي هو مقياس البيع، لأن التسويق أصبح باسم النجم،
ولذلك يوافق النجم علي أي ورق يقدم له ما دام سيحصل علي
أجر مرتفع وما دامت الأحداث كلها تدور من حوله في العمل
ومن هنا تواجدت الأعمال المفبركة وغير الجيدة، وهذا كله
يتطلب - والكلام لا يزال ليسري الجندي - العودة إلي
الإنتاج المباشر والمعايير الصحيحة في عملية إنتاج الدراما
التي تعتمد علي الجودة لأن معظم الجهات العربية بدأت تتفوق
علينا لاهتمامهم بالجودة أولا وقبل كل شيء.
ويؤكد الجندي أن الحلول الجزئية لم تعد تصل لحل هذه
المشاكل المعقدة ولكننا نحتاج إلي إعادة نظر وتغيير شامل
وجذري وعقول جديدة تستطيع أن تقدم الحل وتقوم بتنفيذه.
العودة إلي النظام القديم
وفي رأي الكاتبة نادية رشاد أن الحل الذي يخلص أعمالنا
الدرامية من هذا التدني أن يعود التليفزيون إلي سابق عهده
بإنتاج أعماله بنفسه وهذا ليس معناه أن يقتصر الإنتاج
الدرامي علي قطاع الإنتاج فحسب، ولكن يجب أن تكون هناك
منافسة حرة بين المنتجين الحقيقيين للدراما من القطاع
الخاص ولكن بشرط أن ينتجوا أعمالهم بأموالهم الخاصة، وفي
هذه الحالة يقوم التليفزيون بتسويق هذه الأعمال أو بشراء
الأعمال الجيدة وعرضها علي الشاشة.
أما فيما يخص الأجور الفلكية للنجوم فتري نادية رشاد أن
جهة الإنتاج لابد أن تكون أقوي من النجم وتحديد القيمة
التي سيتقاضاها وإذا رفض فعليها أن تستعين بجيل التليفزيون
حتي يتم خلق جيل جديد من النجوم.
ويؤكد المؤلف أبو العلا السلاموني أننا إذا أردنا تصحيح
مسار الدراما فيجب العدول فورا عن نظام المشاركة في
الإنتاج لأن المسألة أصبحت عملية تجارية بحتة لا تضع في
حساباتها ما يقدم للجماهير..
فمنذ بداية هذا النظام والدراما تنحدر يوما بعد يوم، حتي
المبدعين تحولوا في معظم الأحيان إلي ترزية يفصلون
السيناريو ليرضي النجم الفلاني، ولذلك لابد أن نعود إلي
النظام القديم وهو أن تتولي الدولة إنتاج الأعمال
التاريخية والوطنية ذات القيمة الإبداعية بغض النظر عن
مسألة التسويق، فلابد أن يقدم التليفزيون الخدمة الثقافية
للجمهور ويترك للجهات الخاصة مسئولية الإنتاج الدرامي ومن
هنا تحدث منافسة حقيقية.