يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1259 (21 - 28) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

الخرافة والتطرف .. بضاعة رائجة

 
 

علي الأرصفة وفي الميادين

 
 

عيد عبدالحليم

 

  «ثقافة الظل» ظاهرة ثقافية واجتماعية لم تنل نصيبها من الالتفات إليها والدراسة العميقة لأسباب انتشارها، ربما لأنها تبدو خارجة عن نطاق الاهتمامات التقليدية للمثقفين، فهي لا تتمثل في منتج فني أو أدبي بقدر ما تشمل مجموعة واسعة من الظواهر الفنية وأنماط السلوك وطرق التفكير التي تعكس قدراً من التغيير في المفاهيم والقيم السائدة منذ زمن في مجتمعنا وربما - علي العكس - لتشابكها مع الكثير من جوانب حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بحيث يصعب حصرها في الشأن الثقافي وحده.
وبغض النظر عن الأسباب مؤقتا فالملاحظ أن بين شبابنا لغة تخاطب شائعة ومختلفة، ويشمل اختلافهم - أيضا - أنماط سلوكهم وأذواقهم الجمالية والفنية حتي ما يرتدونه من ثياب، وما يبدونه من اهتمامات تختلف بدرجة واسعة عن آبائهم ولو اقتصر الأمر عند هذا الحد لكان من الممكن تصور ما يحدث في إطار اختلاف الأجيال وتفاوت الأعمار، إلا أن الملاحظ أن نطاق هذا الاختلاف يمتد إلي بالغين من الجنسين رجالا ونساء يجمع بينهم أنهم جميعا علي الهامش، فخطابهم الثقافي مغاير للخطاب الثقافي الرسمي حتي وإن كان بعضهم ممن ينتمون أو يعملون في المؤسسات الاجتماعية الرسمية كالجامعات والنقابات وأجهزة الإعلام، وتقيم نسبة كبيرة منهم وسط التجمعات السكنية الجديدة التي اصطلح علي تسميتها ب «هوامش المدن» أو «المناطق العشوائية الجديدة».
فهل يمكن بناء علي هذا أن ننسب ثقافتهم إلي الثقافة الشعبية الشائعة اليوم؟
الواقع أن هذه التسمية لا تتفق ومفهوم «الثقافة الشعبية» المحدد لدي علماء الأنثروبولوجي والفلكلور، كما أن استخدام تعبير «الشعبي» في وصف بعض جوانب هذه الظاهرة ينطوي علي قدر كبير من التعالي والرفض المسبق له، واتساقا مع هذا الموقف المتعالي يطلق علي لغة التخاطب الشائعة بين الشباب «لغة الروشنة» وتسمي أغانيهم ب «أغاني الميكروباص» ويشيع اتهامهم بالسطحية والتفاهة في أعمالهم الفنية وطرق تفكيرهم، أما ثيابهم التي يرتدونها فهي إما غرائبية غربية أو سلفية رجعية.
وهكذا يظل الاتهام مسلطاً يحصر هذا التيار الثقافي بين رحي التغريب وفقدان الهوية أو الرجعية.
وفي تقديرنا أن هذا الموقف الذي يبطن الإدانة المسبقة هو موقف غير علمي لا يفيد علي الإطلاق، والأجدي منه أن نبحث عن جذور هذا الاختلاف وأسبابه، فالتفاصيل العديدة تشير إلي صعوبة أن نختزل كل ذلك في اعتباره «جملة اعتراضية» لا تؤثر في السياق العام، بل إننا أمام ظاهرة واسعة التأثير في تفاصيل حياتنا اليومية، وتتنوع مصادرها من الكتب الرائجة علي الأرصفة وحول المساجد والكنائس، إلي شرائط الكاسيت والفيديو التي يجري استنساخها وتبادلها، إلي مواقع الإنترنت كل ذلك خارج نطاق المؤسسات والأجهزة الثقافية الرسمية.
ونظرة سريعة علي المعروض في تلك الأماكن سنجد أنها مواد ثقافية واسعة الانتشار تتنوع بين عناوين تخص العقيدة الدينية والقصص العاطفية ومغامرات الجاسوسية يأتي أغلبها بدون تصريح من الأزهر أو المجلس الأعلي للشئون الإسلامية، وبعضها بدون رقم إيداع بدار الكتب المصرية، والأغرب من ذلك أن كثيراً من كتب «الرصيف» بدون مؤلف أصلاً.
ومن أكثر الكتب رواجاً في هذا الإطار كتب «الطب الروحاني» وهي في منحاها تختلف عن كتب الطب الشعبي أو التداوي بالأعشاب الرائجة أيضا، وأحد وجوه الاختلاف أنها تزعم أن استخدام بعض الآيات القرآنية أو التعاويذ يفيد في علاج أمراض مثل «الصرع» ومنها كتب مجهولة المؤلف مثل كتاب «علاج الصرع وعلاج السحر وفك الربط» ومنها ما هو منسوب إلي واحد من علماء الأقدمين «أبي ذر القلموني» وهو كتاب «ففروا إلي الله» الذي يحمل علي غلافه عبارة يباع بسعر التكلفة، ومن أراد أن يطبعه فليطبعه دون إذن وعلي القارئ أن يعيره إلي أشقائه وجيرانه حتي تعم الفائدة».
بالإضافة إلي ذلك - هناك كتاب «دراسة مقارنة بين أبي بكر الرازي وأبي الفرج بن الجوزي حول كتاب الطب الروحاني» وهو من تأليف الدكتورة وداد يوسف مدرسة العقيدة بجامعة الأزهر فرع الإسكندرية.
وتورد الكاتبة الكثير من الآراء الغريبة لابن الجوزي في علاج بعض الأمور بالطب الروحاني ومنها علي سبيل المثال «الفرح» ولنقطف بعض السطور ولنترك لك الحكم يا قارئنا العزيز:
يقول ابن الجوزي: «الفرح يعتبر من الرذائل النفسية، والعاقل لا وجه للفرح عنده في الدنيا، وعلاج الفرح التفكير فيما سلف من الذنوب وفيما هو مقبل عليه من الشدائد».
ومعظم هذه الكتب لا تتخذ من مبدأ التبشير الذي دعا إليه النبي محمد - صلي الله عليه وسلم - حين قال : «بشروا ولا تنفروا» سبيلا للدعوة بل تبدأ من التنفير أولاً وأخيراً، ومنها كتب «عذاب القبر ونعيمه» و« 40 خطأ في الصلاة» و«فتنة المسيح الدجال».
ونجد أن مؤلفي هذه الكتب يدبجون أغلفتها وتحت أسمائهم - بمسمي «عالم من علماء الأزهر الشريف» وربما يكون الأزهر منهم براء، حيث تمتلئ هذه المؤلفات بالأحاديث الضعيفة والإسرائيليات.
وهناك بعض الكتب الدينية التي تلقي رواجاً كبيراً بين العامة وأنصاف المثقفين، وطلبة الجامعات، ومنها كتاب «الخطب المنبرية» للشيخ عبدالحميد كشك، وهي أكثر كتب الخطب مبيعا، في أجزائها التي تجاوزت العشرين، وصاحبها ذو تاريخ حافل بالدعوة منذ السبعينيات، ويلقي قبولا جماهيريا كبيراً خاصة في ريف مصر، وفي السنوات الأخيرة ظهر كتاب «خطب الجمعة والعيدين» للشيخ محمد حسان، والذي يلقي - أيضا - قبولا نسبيا من عامة البسطاء.
بالإضافة إلي ذلك نجد علي «فرشة الرصيف» مؤلفات لبعض الكتاب المشهورين ومنهم د. مصطفي محمود والشيخ محمد الغزالي والشيخ محمد متولي الشعراوي وأنيس منصور ومحمد حسنين هيكل وغيرهم.
الأدب الهامشي
«الأدب الهامشي» هو مصطلح أطلقه المستشرق «ريشار جاكمون» علي الأدب الذي يضع الجمهور نصب عينيه بعيدا عن الجوانب الفنية التي عادة ما تأتي في الدرجة الثانية، وهذا النوع يجد أرضا خصبة لدي عامة القراء بتعدد أنواعه.
وفي مصر نجد أن «أجاثا كريستي» و«موريس لوبلان» صاحبي كتب «أرسين لوبين» هما أكثر الكتاب الأجانب الذين يعرفهم القارئ المصري نظراً لترجمة مؤلفاتهما إلي العربية في طبعات شعبية وبأسعار زهيدة يصل بعضها إلي جنيه واحد للنسخة.
وإذا كانت روايات الجاسوسية والروايات البوليسية هي أكثر الروايات التي تفتح شهية القارئ العادي، فقد انتشرت وبصورة كبيرة السلاسل الشعبية مثل «مسامرات الجيب» و «رجل المستحيل» و«ملف المستقبل» وقد صدر من تلك السلاسل ما يزيد علي مائة وخمسين عنواناً خاصة السلسلتين الأخيرتين وهما لمؤلف واحد هو «نبيل فاروق» الذي تخصص في هذا النوع من الأدب.
بالإضافة إلي سلسلة «زهور» التي ظهر فيها أكثر من سبعين عنوانا في قائمة عام 2000 وقد جاء في تقديم الناشر لها أنها «السلسلة الرومانسية الوحيدة التي لا يستحي من وجودها في المنزل» وهذه السلاسل هي الأكثر مبيعا ويكفي دليلا علي ذلك وجودها في جميع أماكن البيع علي أرصفة مصر.
ويري «ريشار جاكمون» في بحثه المتميز «الأدب المهمش في مصر» أن الأدب الهامشي المصري قد استعار الكثير من نظيره الأوروبي وقد اتخذ أشكالا مبتكرة، لأنه يعمل في سوق وبين يدي جمهور يشكله خيال محدد، ويذعن لقيود خاصة، وبما أن التقاليد الاجتماعية ونظم الرقابة تحظر رواج الأدب الشبقي أو الجنسي، وبما أنه ينبغي - أيضا - تلبية حاجة الجمهور لمثل هذا الأدب الشبقي.
ويسمي «جاكمون» هذا النوع ب «الأدب الذي يقرأ بيد واحدة» ولعل أشهر كتاب هذا النوع - حاليا - هو «خليل حنا تادرس» الذي ولد في عام 1939 والذي يعد في حرفيته وكم إنتاجه خير مثال لهذا الأدب الهامشي في مصر، وقد ظهرت أولي روايات تادرس في عام 1960 تحت عنوان «شيطان الحب» وهو لم يزل في الحادية والعشرين من عمره، وقد تسببت هذه الرواية في نجاحه، فأصدر بعدها حتي الآن مائة وخمسة عشر كتابا، ما بين الرواية والقصة والمقالات الجنسية.
ويعتمد «تادرس» في كتبه علي ترجمات لمورافيا وساجان وفرويد وغيرهم، وتعاد طبعات كثيرة لمؤلفاته ومن العسير جداً أن نحدد - بدقة - حجم النشر الواقعي لها، ولكن هناك ما يدل علي أن نسبة المبيعات مرتفعة جداً، وخليل تادرس من المؤلفين القلائل - في مصر - الذين يعيشون من عائد مبيعات كتبهم، وقد سمح له ذلك بالاستقالة من وظيفته عام 1985 وهو في السادسة والأربعين ليتفرغ للتأليف، وقد كان وقتها أباً لثلاثة أطفال.
وبذكاء شديد نفذ «تادرس» خطة للنشر تعتمد في الأساس علي النشر الخاص واختيار صورة الغلاف - بصفة شخصية - وهي عامل أساسي في عملية البيع وعادة ما تكون لفتاة شبه عارية أو عارية، ويحدد سعر الكتاب بأن يكون وسطاً يتراوح ما بين الجنيهين والخمسة جنيهات، كما كان يتعامل مباشرة مع الموزعين المصريين والناشرين العرب الذين يروجون أعماله خارج مصر.
ويتبع «تادرس» وصفة عبقرية تعتمد علي الإثارة طيلة السرد القصصي، كما في قصصه «ليلة واحدة لا تكفي» 1983، و«بريق الذهب» 1983، ويحاول «تادرس» أن يكون قريبا من قارئه - في عملية جذب مستمرة - فيكتب علي الأغلفة الخلفية لكتبه «الرقم البريدي الخاص به - وعنوانه كي يراسله القراء، الذين يأتي معظمهم من الشباب المراهق الذي يجد في هذا الأدب الشبقي مادة بديلة عن المنتجات الجنسية الإباحية التي يرفضها المجتمع وتستهجنها العادات الإنسانية.
أدب الجان
وهناك نوع أدبي آخر يلقي رواجاً وإقبالاً جماهيريا وهو ما يمكن أن يسمي ب «أدب الجان» وهي القصص التي يكون فيها صراع درامي بين الإنس والجن، وأشهر كتاب هذا النوع هو نبيل خالد والذي نقلت بعض رواياته إلي أفلام سينمائية ومنها «هدي ومعالي الوزير» ودائما ما يكتب علي غلاف كتبه بأنه خريج كلية عسكرية، وعضو في منظمة العفو الدولية واتحاد الكتاب، في محاولة لكسب ثقة القارئ.
ويتكئ نبيل خالد علي الموضوعات التي تنشر في الصحف الصفراء حول «فضائح النجوم» ثم يربط بين إحدي هذه القصص وبين الجان الذي يغتصب بعض الإناث الأنسيات ومن هذه الروايات «المرأة التي اغتصبها الجان» و«بنات للبيع» و«فنانة عربية» ويعتمد علي تضخيم العناوين، وهو بذلك يدغدغ مشاعر المشتري من خلال الغلاف الذي يتسم - دائما - بطابع الإغراء، دون اهتمام بالأسلوب الأدبي في كتابة الرواية.
تزييف الوعي
في العقد الأخير من القرن العشرين، وفي السنوات الأولي من القرن الحالي تغيرت - كثيرا - ملامح الثقافة المصرية فتراجعت علي سبيل المثال ما يمكن أن نسميه بالثقافة المؤسسة بجانبها الأكاديمي والمعلوماتي، مقابل تنامي وزيادة ما يمكن أن نسميه أيضا «ثقافة الرصيف» وهي ثقافة تعتمد في الأساس علي تقديم وجبات سريعة من المعلومات السطحية - أحيانا - والمعلومات القائمة علي بنية الخرافة في أحيان كثيرة.
وإذا كان الرصيف هو الفاترينة الشرعية التي تقوم بعرض شيء فإنه أصبح في الفترة الأخيرة عبارة عن مكتبة متنوعة الأغراض، تتضمن شرائط الكاسيت والكتب وغيرها من المصادر التي تبث المعرفة بشكل مغلوط في أذهان العامة الذين يلهثون وراء تلك الصناعة، وللأسف بحب ونهم شديدين دون أن يدركوا أن السم موضوع في العسل.
وإذا رجعنا - قليلا - إلي الوراء خاصة في بداية السبعينيات وظهور مسمي «الانفتاح» وصعود الطبقة البرجوازية وتنامي المد الرأسمالي علي حساب الطبقة المثقفة، مما مهد الطريق لظهور آليات متدنية للخطاب المعرفي دعت إلي تغيير الذوق، بدعوي الخروج من الرومانسية الاشتراكية إلي الواقعية، والدليل علي ذلك شرائط الكاسيت التي أفرزت نوعا من الغناء المشوه، وإن سماه البعض بالغناء الشعبي - رغم عدم دقة التسمية وعدم صحتها أيضا - وقد تعلل أصحاب هذه الدعوي باسم الفلكلور مرة وباسم التجديد مرة أخري ..!!
فنجد صعود نجم «أحمد عدوية» وكتكوت الأمير وأخيرا شعبان عبد الرحيم، ومجدي طلعت وعبد الباسط حمودة، ممن تباع شرائطهم بملايين النسخ، في مقابل هبوط أسهم مطربين مازالوا متمسكين بأصول النغمة الموسيقية أمثال علي الحجار ومحمد الحلو في سوق الكاسيت.
ولأن تجارة الكاسيت الآن - مضمونة الربح - فقد تحولت وبشكل يدعو للعجب الميادين الكبيرة والصغيرة علي السواء في القاهرة والأقاليم المختلفة إلي أسواق واسعة لترويج وبيع شرائط الشيوخ والفنانين والحكائين - وبعقلية تجارية بحتة - حاول أصحاب شركات الكاسيت والإنتاج الاعتماد - وبشكل كبير علي أرصفة المساجد الكبري مثل ميدان الحسين، وميدان السيدة زينب في القاهرة بالإضافة إلي مسجد الفتح برمسيس،و ميدان السيد البدوي بمدينة طنطا، وميدان إبراهيم الدسوقي بكفر الشيخ، وميدان عبد الرحيم القنائي بقنا، وغيرها من أرصفة المساجد الكبري في أنحاء الجمهورية.
لعبة تجارية
وبهذه الطريقة البالغة المكر والدهاء وفرت تلك الشركات أموالا كبيرة كانت تنفقها في عملية النقل والتوزيع، خاصة الشركات التي تتخذ من مسمي «الشرائط الدينية» غطاء لترويج بضاعتها الفاسدة المليئة بالمغالطات، وقد اتخذت هذه الشركات أسماء بعض المحافظات فنجد علي سبيل المثال «صوت الشرقية» و«صوت الغربية للإنتاج الفني» وغيرها، ومعظم زبائن هذه البضاعة - للأسف الشديد من الريفيين البسطاء ويستخدم الرواة في الفن الديني تيمة فلكلورية، فضلا عن إيراد أذكار وأشعار للمتصوفة، بالإضافة إلي سرقة موازين موسيقية شهيرة لبعض أغاني المطربين من أمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وغيرهم.
وتنتشر الأكاذيب والخرافات داخل النص المغني، وإن اعتمد بعض المطربين علي جوانب من السير الشهيرة كالسيرة الهلالية، وياسين وبهية، وعنترة بن شداد، وأبو الفوارس وغيرها، ومن أشهر الأغاني المسروقة والتي يتم توظيف ألحانها داخل سياق هذه الشرائط أغاني «رسالة من تحت الماء» لعبد الحليم، و«غاب القمر يا ابن عمي» و«زي الهواء» وقصيدة «الأطلال» لأم كلثوم.
ويعتمد مداحو الرصيف - كما يمكن أن نسميهم - علي مزج قصصهم الاجتماعي الذي يحشون به شرائطهم بمواقف قرآنية، وقصص ديني مثل قصة «يوسف عليه السلام وامرأة العزيز» و«السيدة مريم» وقصة «أم موسي» وقصة «يونس عليه السلام» مما يجذب الأسماع ويجعلها تغيب في واد آخر، ولعل ما يرسخ هذا المفهوم عند العامة انتشار مفاهيم التواكل والقدرية والاعتماد علي الدعاء - فقط - دون أدني اعتبار لمفهوم وقيمة العمل في الحياة ويفرط رواة القصص الدرامية في وضع الرتوش الهامشية التي تضفي علي الدراما قشورا تتعلق بالدين كأن يتم حشر بعض القصائد الدينية والابتهالات، والمدائح، حشراً في بعض المواضيع - ثم يعود الراوي لاستكمال قصته، ومن تلك القصص «شريف وشريفة» للشيخ أحمد مجاهد، وقصة «ماهر ومهران» للشيخ محمد عبد الهادي، وقصة «هانم والدكتور» لمكرم المنياوي.
الخرافة .. الخرافة
ومعظم هذه القصص تعتمد - في الأساس - علي الخرافة كبنية أساسية، وتنجو من هذه الحالة بعض القصص ذات البعد الاجتماعي والإصلاحي مثل قصة «حسن ونعيمة» وهي قصة - في الأساس - فلكلورية من التراث الشعبي، وقصة شفيقة ومتولي للشيخ حفني أحمد حسن وهي قصة متداولة في صعيد مصر تؤكد معني الشرف، وكيفية وأهمية الحفاظ عليه، وقصة أدهم الشرقاوي التي تغني بها الفنان محمد رشدي، وهي قصة ذات بعد فني واجتماعي كبير حيث استفاد منها الكثيرون في تحسين صورة ذلك البطل الشعبي ابن «إيتاي البارود» الذي وقف ضد القوي الغاشمة للاحتلال الإنجليزي علي «قريته في بداية القرن العشرين» ولعل أخطر نقطة في هذا الموضوع أن هناك مخططا إسرائيليا لضرب التراث المصري والعربي عن طريق الفلكلور الزائف الذي تغص به الشوارع والميادين.
فهل نصحو قبل فوات الأوان؟!.
سؤال يحمل قدراً كبيرا من الأهمية والإجابة عندك - أنت - أيها القارئ العزيز..!!
هل بلغك نبأ «محمد» ابن شريفة وشريف؟ وهل سمعت عن معجزة «نبوية» العاقر التي فاض قلبها بالحنان للطفل اليتيم فأنزل الله من ثدييها لبنا ترضع به رءوف اليتيم؟
هؤلاء هم أبطال الحكايات الشعبية الجديدة، الذين حلوا محل «ياسين وبهية» و«سعد اليتيم» وهي حكايات لا ترويها الجدات ولا المخطوطات، ولكن يرويها «الكاسيت» وهو راو لا يتوقف عن القص أينما كنت، ويمكنك أن تستعيد حكاياته متي شئت.
هذه الحكايات متوافرة ومنتشرة في ريف الدلتا والمدن الإقليمية يتواجد باعتها في الأسواق الريفية والموالد وحول المساجد وفي جولة قصيرة جمعنا لك بعضها لنتأملها معاً:
يقول الراوي:
كان شريف وشريفة زوجين يعيشان بأقل القليل من الحياة، ويحلمان بأداء فريضة الحج، فعملا وشقيا، وادخرا بالتقتير علي أنفسهما حتي توافرت لهما نفقات الحج، لكن شريفة أصبحت حاملاً فيرفض شريف سفرها معه، فتلح عليه وتواصل الإلحاح حتي يقبل أن تسافر معه إلي الأراضي الحجازية .. هناك يأتيها المخاض بجوار المسجد النبوي الشريف ساعة صلاة العشاء، وحين يفرغ شريف من صلاته يجد زوجته قد وضعت غلاماً يطل النور من جبينه فيسميه «محمداً».
وتنصح الزوجة زوجها أن يبحث لنفسه عن عمل حتي يتمكنا من الإقامة أطول فترة ممكنة في أرض الرسول صلي الله عليه وسلم ولا يجد شريف لنفسه عملا إلا مع عمال البناء في تقطيع الصخور من الجبل، وذات يوم وبينما هو منهمك في العمل تسقط عليه صخرة فيموت، ولا تجد أرملته الشابة مفراً من العودة إلي مصر بصحبة ولدها.
هنا يتوقف الراوي ليسرد علينا ما فاته من ذكر محاسن ومفاتن الأرملة الشابة «شريفة» التي ركبت البحر عائدة إلي مصر، وشغلت فتنتها «ريس المركب» فحاول الاعتداء عليها لولا شهامة البحار «عمر» الذي أنقذها من بين يديه، وبعد نجاتها يكاشفها بعواطفه ورغبته فيها بالحلال وعلي سنة الله ورسوله، وفي تلك الأثناء ترتطم السفينة بالصخور وتغرق بمن فيها، لكن الله سير تمساحا جسوراً يلتقط الطفل النوراني «محمد» ويعيده إلي أمه لشريفة.
هنا تنتهي أحداث القصة التي تستغرق نحو الساعة ينقطع خلالها السرد عدة مرات ليقوم المؤدي بغناء بعض المقاطع في مديح الرسول أو الإشارة إلي الحكم والمواعظ التي يستخلصها من الأحداث، ويختتم الراوي الشيخ أحمد مجاهد حكايته بالغناء عن فضائل الحج وأشواقه إلي أرض الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
ولعلك تلاحظ قدر السذاجة واللامنطقية التي تقوم عليها البنية الدرامية لهذه الحكاية، وروح الخرافة السائدة فيها، لكن قدرة الراوي علي الاقتباس من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يطرز بها سرده، وقدرته علي التماس مع التراث الديني والشعبي، بما يحويه من معجزات كمثل معجزة النبي يونس عليه السلام الذي أنقذه الحوت من الغرق.
هذه القدرات الخاصة تضفي علي الحكاية إطارا دينيا يجعلها تجذب وتؤثر في نفوس بسطاء المؤمنين وبعضهم يعيد سرد الحكاية وكأنها قصة دينية أو كأنها حكاية واقعية شهدها ورواها الشيخ أحمد مجاهد.
رءوف ورئيفة
هذا الإطار الديني الذي يغلف الأحداث الميلودرامية يتكرر كثيرا في كل «حكايا الكاسيت» بداية من الغلاف الذي يحمل العنوان، وصورة المؤدي مرتديا العباءة والعمامة واسمه وقد سبقته صفة «الشيخ» مع البداية أحيانا بالدعاء للنبي أو باستخدام إحدي آيات القرآن الكريم مما يوقع في نفس المستمع أنه بصدد شيء من الطقوس الروحية والدينية وبقدر مهارة المؤدي في الذكر والإنشاد كلما توقف عن السرد، وبقدر مهارته في العزف علي وتر المشاعر الدينية للمستمع يتحقق له الانتشار والشعبية.
وتتمثل مهارة المؤدي في استخدام معجزات الأنبياء وتحويرها بما يناسب أحداث القصة كما نجد علي لسان الشيخ «مكرم المنياوي» في حكاية «رءوف ورئيفة» التي يبدو فيها تأثير الإعلانات التليفزيونية علي المؤدي .. فيتوقف بين الحين والآخر ليعلن عن اسم الشركة المنتجة للشريط وعنوانها، ثم يعود إلي سرد حكايته فيقول:
كان هناك رجل بلغ من العمر عتياً دون أن يكون له ولد، فدعا ربه أن يرزقه بصبي فاستجاب الله له وحملت زوجته ولكنه مات قبل أن يشهد ولادة طفله «رءوف» وسرعان ما ماتت زوجته تاركة وليدها الذي تبنته امرأة عاقر يقال لها «نبوية» أنزل الله في قلبها الحنان والحنية علي الطفل فوقعت لها «المعجزة» وتنزل اللبن من ثديها لترضع به الطفل اليتيم «رءوف» الذي يكبر مع الأيام بجوار مسجد سيدنا الحسين - رضي الله عنه - حتي يعمل بائعا للعطور متجولاً يخرج كل يوم ببضاعته إلي الناس في الحواري والقصور، وذات يوم خرج إلي إحدي المناطق الريفية التي تنتشر فيها القصور والحدائق ينادي علي بضاعته بصوته الجميل فاستوقفته فتاة جميلة كانت تطل من إحدي النوافذ وسألته عن اسمه فقال:
- رءوف
فقالت له: وأنا اسمي رئيفة.
وهكذا اختارت بنت الأصول الثرية زوجها.
وتزوج بائع العطور المتجول من بنت الباشا الذي ساعده كي يلتحق بالتعليم ثم يسافر إلي الخارج ليعود وقد حصل علي أعلي الشهادات، وأًصبح طبيبا مشهورا.
موال نعمات
ولا ينفرد الرجال بأداء هذه النوعية من الشرائط والحكايات وحدهم، فهناك - أيضا - أصوات نسائية تروي حكاياتها بشعر عامي مغني بنفس النسق، ومن أكثرهن شعبية مغنية من طنطا اسمها «هنية شعبان» أنتجت لها شركة «صوت الغربية» شريطا خاصا لا يحمل تاريخ الإنتاج ولا اسم مؤلف، وعنوان «حكايات نعمات» تنشده الحاجة «هنية» بالشعر أحيانا، وبالحكي المسجوع أو المرتل أحيانا تصاحبها فرقة موسيقية تقليدية صغيرة، تفتتح «الحاجة» موالها بالابتهال والذكر والصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم ثم تقول : اسمعوا يا ناس حكاية عن ظلم البشر، ثم تروي حكاية عن رجل صالح اسمه «أمين» وجد عند المسجد طفلة رضيعة فحملها إلي بيته وضمها إلي طفلته وطفله وسماها «نعمات» ولما لاحظ الأب «أمين» تعلق ابنه الصغير بنعمات بحب يفوق الحب الأخوي البريء أبلغها أنها ليست شقيقته بل بنت عمه، وقرر أن يزوجهما، ولما حل الأجل بالرجل الصالح أبلغ نعمات بالحقيقة فذكر لها قبل أن يموت أنها «لقيطة» من علاقة غير شرعية، وكتب لها من ثروته خمسة عشر فدانا.
لكن نعمات إزاء الصدمة التي لقيتها تفر من البيت بعد وفاة الرجل الصالح، وتقابل أرملة تستضيفها في بيتها، وتسمع منها حكايتها فتكتشف الأرملة أن نعمات هي ابنتها.
وفي بعض الحكايات يعلن المؤدي أثناء روايته عن اسمه وعنوانه كما يفعل الشيخ يحيي عبد الحميد صاحب حكاية «كامل وكمال» وهما شقيقان لكن الأب الظالم «حسيب» يفضل الابن الأكبر «كمال» يدلله بينما يقسو علي شقيقه الأصغر «كامل» ويظلمه، ومن ظمله يكلف ابنه الصغير بالعمل في الحقول كفلاح مزارع، بينما يدفع ابنه الأكبر إلي التعليم وينفق عليه ببذخ، ويأتي التدليل المطلق نتيجته الطبيعية إذ يفشل «كمال» في التعليم ويخفي فشله عن والده ويوهمه بأنه التحق بكلية الطب، فيضاعف له «الأب» مصروفه ويزيد من تدليله فيطلق يديه في أمواله وثروته التي يستهلكها الابن المدلل في الإنفاق علي أصحاب السوء ونزواتهم.
بينما يبقي الابن الأصغر فلاحا يشقي في الأرض، حتي يبلغ ظلم أبيه ذروته فيهرب «كامل» من المهانة والظلم ويبكي بجوار حائط مسجد حتي لاحظه رجل ميسور الحال فتقدم منه وربت علي كتفه، وسمع منه حكايته، فرق له قلبه وعرض عليه أن يكون مسئولا عن كل أعماله وأمواله، فلما أظهر «كامل» أمانته ودأبه علي تنمية ثروة الرجل الصالح قرر هذا الرجل الطيب أن يزوج الفلاح الأمين من ابنته الجميلة «نور الصباح» وتنتهي الحكاية وقد سقط الابن المدلل في الرذيلة، بينما أصبح الأب الظالم «حسيب» شحاذاً يتسول عند أبواب «الحسين» أما الابن الأصغر الفلاح المكافح «كامل» فقد تزوج «نور الصباح».
وهنا يتوقف الراوي عن الحكي ليعلن للمستمعين متسائلا: أتعرفون من أحيا حفل زفاف «كامل ونور الصباح» إنه أنا بنفسي الشيخ يحيي عبد الحميد فرج ربما يكون ذلك إعلانا عن نفسه، كمطرب ومؤد يحيي أفراح الناس الطيبين، وربما ليؤكد لهم صدق وواقعية حكايته.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة