في ما وصفه الخبراء والمحللون ببداية حرب باردة
حقيقية، وإن اختلفت في التفاصيل مع الحرب الباردة التي
اشتعلت طوال النصف الثاني من القرن العشرين، أعلن نائب
رئيس الوزراء وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف بأن موسكو
سوف تقوم بالرد على اتفاقية نشر قواعد عسكرية أمريكية في
رومانيا بعد تلقي معطيات إضافية عن عددها ومهامها
الحقيقية. وقال إيفانوف في معرض تعليقه على ما أعلن حول
توقيع اتفاقية في العاصمة الرومانية بوخارست بشأن إقامة 4
قواعد عسكرية أمريكية في رومانيا الدولة السابقة في حلف
وارسو السابق أن موسكو كانت على علم بهذه الخطط، إذ قامت
واشنطن بتقديم المعلومات المتعلقة بهذه الخطوة. وأضاف بأن
روسيا لا تعرف إلى الآن، وحتى النهاية، عدد هذه القواعد
والغرض منها. وأشار إلى أن القيادة الروسية سوف تستخلص
الاستنتاجات المرتبطة بما يحيط بهذه القواعد، وسيكون ردها
مبنيا على ذلك.
يذكر أن كلا من وزيري الخارجية الروماني رضوان أونجوريانو
والأمريكية كوندوليزا رايس وقعا يوم الثلاثاء 6 ديسمبر
الحالي اتفاقية نشر قواعد أمريكية على الأراضي الرومانية.
وتقضي هذه الاتفاقية بأن تنشر القواعد بالقرب من
كونستانتسا (ساحل رومانيا المطل على البحر الأسود)، وفي
باباداجا وتشينكا وسميردانه (جنونب شرق رومانيا). وتقع
هناك مطارات عسكرية، حيث ترابط أسراب من طائرات (ميج-23)
المطورة سوفيتية الصنع.
وأشارت وكالة أنبا (إيتار-تاس) اثناء حديثها حول هذا
الموضوع الذي أثار قلق موسكو بشكل ملحوظ أن المطار العسكري
بالقرب من كونستانتسا استخدم لنقل الوحدات العسكرية
الرومانية، ووحدات حلف الناتو إلى العراق وافغانستان عام
2003. وتقضي الاتفاقية بأن يوظف البنتاجون حوالي 20 مليون
دولار لتحديث القاعدة العسكرية (كوجيلينيتشانو) القريبة من
كونستانتسا.
وأبرزت وسائل الإعلام الروسية تصريحات الرئيس الروماني
ترايان بيسيسكو، في مؤتمره الصحفي مع وزيرة الخارجية
الأمريكية كوندوليزا رايس، والتي قال فيها أن القواعد
الأمريكية سوف تستخدم لتدريبات وحدات الجيش الأمريكي،
وتوريدات المعدات العسكرية الضرورية، مشيرا في الوقت نفسه
إلى أن المعاهدة تتسم بأهمية قصوى ليس فقط من الناحية
العسكرية، بل وأيضا من الناحية السياسية، وهو ما يعني، حسب
تصريحات الرئيس الروماني، اعترافا من شعب رومانيا بضرورة
حضور قوات أمريكية على أراضي البلاد كجزء من الحفاظ على
الأمن الدولي.
من جهة أخرى حذر إيفانوف من أن موسكو قد تفكر في مدى
الاحتياج الحقيقي لمعاهدة القوات المسلحة التقليدية في
أوروبا في حالة إذا ما واصلت دول حلف شمال الأطلسي
الامتناع عن إبرامها. ورأى أن قضية مصير هذه المعاهدة
وجدواها والهدف منها تبرز بحدة على خلفية تقدم القاعدة
التحتية للولايات المتحدة والناتو نحو الحدود المباشرة
لروسيا. وأضاف بأن جميع الدول المعنية قامت بالتوقيع
عليها، إلا أن 4 فقط منها أبرمتها (روسيا وبلاروسيا
وكازاخستان وأوكرانيا). وفي حالة إذا لم تبرمها الدول
الأخرى فستظهر حاجة إلى إعادة النظر في الالتزام بها من
الأساس، لأن تلك المعاهدة تشكل آلية لشفافية النشاطات
العسكرية في حدود المجال الأوروبي الكبير.
وإمعانا في تحذيراته بعد الاتفاق الأمريكي-الروماني،
والنشاطات التي تسير في اتجاه تحضير كل من جورجيا
وأوكرانيا للانضمام إلى الحلف، وذلك بعد ضم دول البلطيق
السوفيتية السابقة، ودول حلف وارسو السابق المتاخمة
لروسيا، قال إيفانوف إن موسكو نفذت جميع التزاماتها بشأن
القيود التي تفرضها معاهدة القوات المسلحة التقليدية في
أوروبا، ولكن إذا وجدت أن الدول الأخرى تتجاهلها، فمن
الممكن الخروج باستنتاجات معينة.
ولم يقتصر الأمر على تحذيرات المؤسسة العسكرية في روسيا،
إذ أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف من بروكسل،
عشية انعقاد جلسة (روسيا الناتو) التي بدأت أعمالها يوم
الخميس 8 ديسمبر، بأن موسكو تتابع باهتمام شديد تغيرات
الحضور العسكري الأمريكي في أوروبا. وأضاف بأن روسيا تجري
حوارا مع الولايات المتحدة، وثمة اتفاق على أن تكون كافة
التغيرات في مجال التواجد العسكري شفافة ولا تخل
بالاتفاقات حول الاستقرار في أوروبا. وشدد على أن القيادة
الروسية مهتمة بكيفية انسجام هذه التغيرات مع المعاهدة
المعدلة للقوات المسلحة التقليدية في أوروبا. وأعرب عن
أسفه بأن الشركاء الغربيين لم يبرموا الوثيقة المتعلقة
بذلك تحت ذرائع مختلفة، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن هذه
الذرائع والحجج المختلقة لا يمكن أن توافق عليها موسكو.