صرح عمير بيرتس في نوفمر الماضي أثر انتخابه زعيما
لحزب العمل في إسرائيل بأن مناحم بيجن قام في عام 1977
بوصفه زعيم كتلة الليكود "بثورة" وأطاح بحزب العمل من
السلطة . واستندت هذه الثورة إلي "وعود" بإجراء تغييرات
اجتماعية ومنح الطبقة العاملة التي "خسرها" حزب العمل
شعورا بالانتماء . ونفذ بيجن الثورة الاجتماعية الا انه
استغل " تذكرة القطار " التي حصل عليها من الشعب
الإسرائيلي وسافر بها إلي "الاراضي المحتلة" .
وأعرب بيرتس عن رغبته في ان يكون هو بيجن حزب العمل بمعني
ان "يعيد إلي الحزب" القيم الاجتماعية والتأييد الشعبي ..
وقال :" لو أعطاني الإسرائيليون نفس تذكرة القطار التي
منحوها يوم ما إلي بيجن .. سأسافر بهذه التذكرة باتجاه
السلام ".
هل هو صادق ؟ يجيب إيلان بيب الاستاذ بجامعة حيفا قائلا في
مقال له بثه الموقع الإعلامي الأمريكي " زد نيت " علي
الإنترنت :" إن عمير بيرتس وصل إلي سديروت الواقعة علي بعد
اميال قليلة من قطاع غزة طفلا بصحبة أبويه قادما من المغرب
حيث ولد عام 1952 . وحتي عام 1983 حين انتخب رئيسا للمجلس
المحلي للمدينة كان مشوار حياته عاديا .. عمل كعامل بلا
مهارات أساسية في قرية تعاونية مجاورة وخدم في الجيش واصيب
اصابات بالغة في حرب اكتوبر عام 1973 ولازم الكرسي المتحرك
لفترة من الوقت أدار خلالها بمشقة مزرعة في الجوار إلي أن
رحل عن المكان ..أولا للدراسة في الجامعة ثم لدخول حلبة
السياسة . واختار الانضمام إلي حزب العمل وتحديدا الجناح
اليساري رغم ان معظم رفاقه الذين اختاروا مجال السياسة
كسبيل للتخلص من الواقع البائس الذي يعيشونه انضموا إلي
الليكود ".
دخل عمير بيرتس "دائرة الشهرة" للمرة الأولي في عام 1988
عندما أصبح واحدا من "ثمانية أعضاء في الكنيست" شكلوا
مجموعة الثماني برئاسة يوسي بيلين .. حيث دعت هذه المجموعة
اليسارية إلي انسحاب إسرائيلي "كامل" من الاراضي المحتلة
"واقامة دولة فلسطينية" تعيش في سلام إلي جانب إسرائيل .
كان بيرتس بمثابة حلم تحول إلي حقيقة في حزب العمل الذي
يهيمن عليه اليهود من أصل غربي .. إذ ان يصل " مغربي " إلي
أعلي مستويات السلطة في الحزب ويدافع عن هذه الرؤية هو أمر
شبه مستحيل آنذاك .
"واصبح" بيرتس "منذ ذلك الحين" -وعلي غرار باقي اعضاء
مجموعة الثماني- اكثر " براجماتية " وهو يحاول جعل
السياسات الصهيونية لإسرائيل تميل إلي الوسط . وفي
التسعينيات اختار بيرتس اتحاد النقابات الإسرائيلية
الهستدروت ليكون الحلبة السياسية الرئيسية له والطريق إلي
القمة . واصبح في عام 1995 رئيسا للهستدروت ولم يفعل شيئا
-بصفته هذه- للحد من التورط المكثف للاتحاد في الاحتلال
الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة .. فقد منح الهستدروت
المستوطنين -في المناطق الفلسطينية الخاضعة بصورة مباشرة
أو غير مباشرة لسيطرة إسرائيل -حقوقا أنكرها علي
الفلسطينيين .. وتجاهل اتحاد نقابات العمال الإسرائيلية
وضع العمال الفلسطينيين في المناطق الصناعية -الواقعة داخل
حدود الاراضي الفلسطينية وتخضع لسيطرة إسرائيل المباشرة-
رغم أن هؤلاء العمال الفلسطينيين محرومون من حقوق العمال
الأساسية .
وأيضا علي غرار باقي أعضاء مجموعة الثماني "خفف" بيرتس من
مساندته السابقة لاقامة دولة فلسطينية إلي جانب إسرائيل
"مفضلا" التفسير الضيق لإسرائيل لاتفاقات اوسلو وبرنامج
جنيف . ويعني ذلك موافقة بيرتس علي اقامة دولة فلسطينية في
قطاع غزة واجزاء من الضفة الغربية "لا توجد فيها كثافة
سكانية يهودية كبيرة" ( مما يسمح لإسرائيل بضم القدس
الكبري والكتل الاستيطانية اليهودية الكبري في الضفة
الغربية ) . وينكر هذا الحل علي الفلسطينيين حق العودة إلي
ديارهم وأراضيهم المحتلة عام 1948 ولا يعترف بالحاجة إلي
منحهم الاستقلال الكامل اقتصاديا ودبلوماسيا وعسكريا .
ولقي انتخاب بيرتس رئيسا لحزب العمل الإسرائيلي في 10
نوفمبر الماضي الترحيب في بعض الدول العربية .. ويقول
إيلان بيب الأستاذ بجامعة حيفا إن سوريا كانت أول من رحب
ببيرتس . لكن دمشق تعد تحت ضغط هائل حاليا بحيث لا جدوي من
محاولة معرفة مدي مصداقية موقفها هذا أو ما إذا كان وليد
فهم حقيقي للمسرح السياسي الإسرائيلي . وصدرت إشارات
ايجابية من عواصم عربية أخري ومن جانب السلطة الوطنية
الفلسطينية والاعضاء من أصل عربي في الكنيست .
وحتي إذا ما اصبح عمير بيرتس رئيسا للوزراء لا يجب تجاهل
حقيقة أن "البرنامج الصهيوني القديم "يشكل ركيزة لمواقفه .
فاذا لم يتوقف النضال الفلسطيني المسلح ضد إسرائيل لن تسفر
مواقف بيرتس عن أي شيء يختلف عما نتج عن مبادرات إسرائيلية
مماثلة لمبادئه .
ويري استاذ الجامعة الإسرائيلي أن إسرائيل تحتاج إلي "ثورة
اأبر" من انتخابعمير بيرتس . ولم تسفر "الجهود
الديبلوماسية" عن شيء ايجابي بل أتاحت للإسرائيليين تعزيز
الاحتلال وتطبيق آليات أشد اضطهادا ووحشية للسيطرة
والتخويف ونزع الملكية . ولم يتمكن "النضال الفلسطيني" من
تحقيق الآمال المرجوة ..وضحاياه ليسوا الإسرائيليين وحدهم
بل قطاعات كبيرة من المجتمع الفلسطيني .ويبقي خيار
واحد:"الضغط الدولي الكبير" المماثل لما تمت ممارسته ضد
نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا واتخذ شكل العقوبات
والمقاطعة وسحب الاستثمارات الاجنبية من هذا البلد .