يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1259 (21 - 28) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

التعذيب في السجون السرية الأمريكية

 
 

بقلم السفير: د. عبد الله الأشعل

 

 


جورج بوش

يجب الإقرار بأن بعض منظمات حقوق الإنسان العالمية تقوم بدور مهم في المحافظة علي هذه الحقوق، ومحاربتها لاتجاهات الدول الكبري لانتهاك هذه الحقوق. ونشير بشكل خاص إلي منظمة هيومن ريتش ووتش الأمريكية التي قامت بحملة مكثفة للكشف عن عدد كبير من السجون السرية التي أنشأتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في عدد من الدول العربية أولاً، ثم الأوروبية، كما تمكنت من أن ترصد عدد المرات التي بلغت المئات التي حطت فيها طائرات الوكالة في مطارات أوروبية، وظلت حكومات هذه الدول تنكر هذه الحقائق، واشتركت الصحف الوطنية في الكشف عما أخفته الحكومات، وتبين أن رحلات الطائرات الأمريكية السرية قد شملت دولا أوروبية كبري مثل : فرنسا وألمانيا وهولندا، كما شملت رومانيا وبلغاريا وغيرها، مما دفع البرلمان الأوروبي إلي مطالبة حكومات الاتحاد الأوروبي باحترام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وقد أدي اكتشاف هذه الحقائق إلي حرج شديد في أوروبا، وحاولت وزيرة الخارجية الأمريكية خلال اجتماعها بوزراء خارجية الدول أعضاء حلف الناتو يوم 8 ديسمبر 2005 أن تواجه موجة الانتقادات للولايات المتحدة، فأكدت أن الولايات المتحدة لا تسمح بالتعذيب، وأن الحكومة الأمريكية تحترم القانون الدولي في هذا الصدد، ولكنها لا تستطيع أن تطبق هذا القانون علي المتهمين بأعمال إرهابية، لأن للإرهاب طبيعة خاصة.
ورغم أن وزيرة الخارجية الأمريكية لم تضف جديداً إلي الموقف الأمريكي الذي يسمح بعدم تطبيق الضمانات القانونية علي المتهمين في أحوال الإرهاب، الأمر الذي لقي انتقاداً شديداً من جانب الفقه الدولي، فإن وزراء الخارجية في حلف الناتو أبدوا ارتياحهم لتصريحات الوزيرة الأمريكية، لكنهم لم يبدوا اقتناعهم علي حد تعبير وزير الخارجية الهولندي.
من ناحية أخري، فإن السجون السرية الأمريكية لاتزال حقيقة تشهد بثبات الموقف الأمريكي علي أن المتهمين بأعمال إرهابية لا يتمتعون بالحماية القانونية الدولية، كما أن هذه السجون كانت محل نقد شديد من جانب المفوضة الثابتة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، التي اتهمت الولايات المتحدة بانتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة، وهو الأمر الذي لقي مساندة علنية من الأمين العام للأمم المتحدة، الذي أكد أنه يجب أن يسمح لكبار موظفي الأمم المتحدة بالتعبير بحرية عن الموضوعات التي تقع في اختصاصهم. وقد سارع جون بولتون المندوب الأمريكي الدائم في الأمم المتحدة إلي انتقاد السيدة لويزا أدبور المسئولة عن حقوق الإنسان، واتهمها بالاعتماد في معلوماتها علي الإثارة الصحفية.
تزامن هذا الموقف مع عدد من التطورات السلبية في نفس المجال بالنسبة للحكومة الأمريكية. وقد وقع عدد من القضاة المتقاعدين مذكرة إلي الكونجرس الأمريكي طالبين عدم المضي في الموافقة علي تعديل القانون حتي لا يقضي بحرمان المحاكم الأمريكية الفيدرالية من الحق في نظر الدعاوي المرفوعة من سجناء جوانتانامو، وقصر هذا الحق علي المحاكم العسكرية الفيدرالية. كذلك يتجه الكونجرس إلي الموافقة علي حل وسط لتمديد قانون الوطنية الأمريكية، وهو قانون استثنائي صدر عقب أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وسوف يتم تمديده لمدة أربع سنوات أخري، ولكن بشكل جزئي. وكلما وقعت تطورات تشير إلي استمرار عزم الإدارة الأمريكية علي إغفال حقوق الإنسان في الداخل والخارج، أدي ذلك إلي النيل من سمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها في الدعوة إلي حقوق الإنسان والديمقراطية في ربوع العالم.
ولعل ما يلفت النظر هو تأكيد الوزيرة الأمريكية علي أن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يحمي الإرهابيين، والذين تقرر تصنيفهم الإدارة الأمريكية، ولا يخضعون إلي قاعدة المتهم برئ حتي تثبت إدانته في محاكمة عادلة، وغيره من المبادئ الخاصة بالمشروعية القانونية.
والأكثر خطراً هو أن يتم سن التشريعات الوطنية والدولية التي تكرس قاعدة إنكار المشروعية القانونية بقرار إداري دون حاجة إلي بحث الظروف والفعل محل التجريم. ففي أوروبا ومعظم العالم العربي يتم سن التشريعات المناهضة للإرهاب، وهي في الواقع تؤدي إلي التضييق علي الحريات الفردية، كما أن مجلس الأمن يستخدم في الوقت الحالي للضغط علي الدول التي لا تمتثل للإدارة الأمريكية، كما أن السلوك الأمريكي علي المستوي العالمي يضر ضرراً بليغاً بقضية الحرية علي المستوي العالمي، ولذلك فإن السلوك الأمريكي داخل الولايات المتحدة هو المقدمة الطبيعية لإصلاح السلوك الدولي.
ولاشك أن السلوك الأمريكي بشأن السجون السرية في أوروبا بالإضافة إلي تفسير واشنطن لمعني سيادة القانون سوف يؤدي إلي تشقق العلاقات الأوروبية - الأمريكية، وهو ما ظهر لدي الرأي العام الأوروبي الذي يعبر بشكل أوضح وأشجع عما تعبر عنه الحكومات الأوروبية.
وأخيراً، فإن هذه القضية تثير مشكلة الديمقراطية الغربية، وهي أن الشعوب وبرلماناتها، بما في ذلك البرلمان الأوروبي، يساندون الحقوق المقررة للمتهمين في مختلف التشريعات، ولاشك أن الشعب الأمريكي لا يشذ عن ذلك، فكيف تتستر الحكومات الأوروبية علي عمل وتعاون مع الحكومة الأمريكية يعلمون جميعاً أنه لا يرضي الشعوب؟ وإذا كانت الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا حكومات منتخبة انتخاباً حراً ديمقراطياً، ومع ذلك تعمل في سرية علي غير ما ترضاه جماهير الناخبين فيها، فماذا تفعل دول العالم الثالث ونظمها تميل بطبيعتها إلي امتهان حقوق الإنسان في بلادها، ولا تقيم وزناً لشعوبها، إلا إذا لقيت ضغطاً من الدول الغربية، ولذلك فإن هذه الحكومات تراقب بكل السرور هذه القضية بعد أن فقدت هذه الحكومات الأوروبية مصداقيتها، اللهم إلا إذا كان هناك توزيع للأدوار بين الشعوب والحكومات في دول الغرب، فنصبح كالأيتام علي مآدب اللئام.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة