خالد محيى غنى عن التعريف .. ولا يحتاج إلى تزكية من
أحد .. فهو قيمة وطنية عظيمة، وقامة إنسانية شامخة، ويتمتع
بمحبة واحترام الغالبية العظمى من المصريين على اختلاف
مشاربهم الفكرية أو توجهاتهم السياسية.
ولم يتبوأ الرجل هذه المكانة النادرة بدون سبب، وإنما
نالها من جدارة واستحقاق.
فالقاصى والدانى يعرفان أنه أحد أهم أفراد تلك الكوكبة
التي وضعت رءوسها على أكفها وخرجت ليلة 23 يوليه 1952
للإطاحة بالنظام الملكي الفاسد.
ثم كان واحداً من قلة قليلة من هذه الكوكبة لم "تتربح" من
هذه الثورة أو تسعى لتحقيق مكاسب شخصية منها وخلق طبقة
ملكية جديدة من العسكريتاريا.
كما كان واحداً من اثنين لا ثالث لهما من أعضاء مجلس قيادة
ثورة يوليه وقفا إلى جانب الديموقراطية وتشبثا بها عام
1954 بينما اختارت الأغلبية الانحياز إلى الدكتاتورية.
ولم يكن هذا موقفاً مجانياً، بل دفع محيى الدين ثمنه
غالياً، حيث تم نفيه خارج البلاد حيث عانى من برودة الغربة
وقسوتها أياماً طويلة أطول من ليل المريض.
وقبل تعرضه للنفى وبعد عودته من المنفى يلوثه الاشتغال
بالسياسة، فلم يتلون أو يركب الموجة أو يسبح مع التيار، بل
ظل في الاتجاه العام مناضلاً من أجل الاستقلال الوطني
والديموقراطية والعدل الاجتماعي ونصرة الكادحين والمظلومين
والفقراء، وحرص دائماً على أن يكون صوت من لا صوت له.
ولم يكن من باب الصدفة بعد ذلك أن يكون على رأس منبر
اليسار ثم حزب التجمع عندما تم نبذ نظام الحزب الواحد
واعتماد التعددية الحزبية المقيدة.
ومن موقعه الحزبي كان خالد محيى الدين نموذجاً للسياسي
المحترم، عف اللسان، نظيف اليد، الذي يغلب المبادئ على
المكاسب الزائلة.
ولم يكن غريباً عليه أن يكون الزعيم الحزبي الأول –
والأوحد حتى الآن – الذي يضر بالمثل ويصر على التخلي من
رئاسة الحزب وإفساح الطريق أمام قيادات جديدة.
وكل ما سبق – على أهمية الاستثنائية – مجرد غيض من فيض،
وضع الصاغ المناضل الثاثر السياسي التقدمي خالد محيى الدين
في حيات عيون المصريين .. سواء كانوا من أهل اليمين أو من
أهل اليسار .. في إجماع وطني يندر أن يتوفر إلا للقلائل .
وفى الوقت الذي كان يجب فيه تكريم الرجل، على سجل إنجازاته
التي أفنى من أجلها أحلى سنوات العمر، أحد قادة حزب التجمع
على الزج به إلى أتون انتخابات برلمان 2005، غير عابئين
بوطأة الزمن الذي أثقل كاهله وأحنى ظهره وأصابه بالوهن. آي
أن قادة الحزب أصروا على "استغلال" خالد محيى الدين، الاسم
والجسم، دونما رحمة بشيخوخته أو اعتبار لصحته.
وهذا سلوك فوق أنه ينم من الأنانية والميكيافيليه السياسية
يعكس تقاعساً عن تفريخ قيادات جديدة. وهو تقاعس لا يقتصر
على دائرة كفر شكر التي ينتمي إليها خالد محيى الدين،
وإنما هو تقاعس شامل يظهر من أن الأسماء القليلة التي
رشحها حزب التجمع للانتخابات البرلمانية هي نفس الأسماء
القديمة.
وهذه بدورها ظاهرة سلبية تنال من مصداقية أحزاب المعارضة
التي دأبت على انتقاد الحزب الحاكم لجموده وتصلب شرايينه
حتى شافت قياداته على مقاعدها لدرجة أصابت الناس بالملل
والإحباط، وإذا بها تفعل نفس الشيء تقريباً .. في الفرق
بينها وبين الحزب الحاكم الذي تكيل له الانتقادات؟!
وحتى بعد أن ارتكبت قيادة "التجمع" هذا الخطأ القاتل،
وأصرت على ترشيح الرجل .. فانه يبدو من متابعة المعركة
الانتخابية أنها لم تكن قد استعدت استعداداً حقيقياً، ولم
تذاكر دروسها جيداً، بينما كان هناك من يكمن فى الظلام
ويعمل في صمت وينسج الخيوط بصبر وأناه ويعقد الصفقات ويقيم
الصلات مع الناس ويقدم لهم الخدمات بيد، ويجمع عناصر القوة
– بما فيها قوة البلطجة – باليد الثانية.
وهكذا .. فوجئ الضابط الثائر الذي أطاح بالملك فاروق بمرشح
مغمور لجماعة "الأخوان" يطيح به ويظفر بمقعده البرلماني
بعد معركة حفلت بالعديد من التجاوزات.
وليست البلطجة هي أسوأ هذه التجاوزات، فالأخطر منها هو
استخدام سلاح الدين لأغراض سياسية، حيث قام أنصار المرشح
الأخوانى المغمور بالتشكيك في عقيدة خالد محيى الدين
وتكفيره، بل وتكفير اليسار عموماً، كما لو أننا عدنا إلى
القرون الوسطى ومحاكم التفتيش .
فكيف لسياسي نبيل مثل خالد محيى الدين أن يواجهه مثل هذه
الميليشيات التي تحمل الهروات بيد والمصحف باليد الأخرى؟
أن هذا المأزق يذكرنا السياسي الجزائري المخضرم بلعيد
عبدالسلام الذى سقط فى الانتخابات أمام مرشح مغمور من جبهة
الإنقاذ الإسلامية. وعندما سئل عن تفسيره لهذا السقوط
اللامعقول قال عبارته المأثورة: إن هذا المناخ الغوغائي
جعل الناخب الغلبان يتصور أنى لا أنافس مرشح جبهة الإنقاذ
المغمور وإنما أنافس الله عز وجل .. فكيف تتوقعون أن أكسب
مثل هذا السباق غير المتكافئ وغير المعقول؟؟
وربما ينطبق هذا على حالة خالد محيى الدين أيضاً، يضاف
إليه أنه دفع ثمن الحسابات الخاطئة والآليات المعطوبة
لحزبه وماكينته الانتخابية الصدئة.
ومع أن هذا مشهد سلبى كنا نتمنى ألا نراه فى ختام سجل مشرف
بالغ الانتخابية والتآلف لرمز تاريخي محترم نقول لخالد
محيى الدين: أنت أكبر من هزيمة لست مسئولاً عنها، ولست
منتمياً إلى مناخها الهابط المنزوع من السياسة والمفروش
بأوراق البنكنوت والشعارات الدينية .. وستظل في قلوب
المصريين البسطاء الذين مازالت أغلبيتهم الساحقة .. صامتة
ولم تقل كلمتها بعد.