أعلنت وزارة الصناعة منذ أسبوعين ما أسمته ب «الاستراتيجية
القومية للصناعة المصرية حتي 2025» تضمنت سياسة تحدد
أهدافها كالآتي:
بالقول بأن مصر سوف تصبح الدولة الصناعية الرائدة في الشرق
الأوسط وشمال إفريقيا0 هذا كلام مرسل ولعله يتناقض تماما
مع الهدف الآخر لتلك السياسة من جعل مصر المركز الرئيسي
لتصدير المنتجات الصناعية «متوسطة التكنولوجيا»0 ليس فقط
لأن المنتجات الصناعية متوسطة التكنولوجيا لا تعطي أي
ريادة بل أيضا أنه حتي في تلك المنتجات فإن غياب أي تخطيط
للصناعات المغذية لها معناه أن دور الصناعة في مصر كما
تشير ورقة الاستراتيجية هو أساس الصناعة كثيفة العمالة أي
عمليات التجميع أي المرحلة من العمليات الصناعية التي تضيف
أقل قدر من القيمة المضافة0
تنمية الصادرات كما تشير الورقة سياسة لا يمكن أن تنفصل عن
إقامة هيكل صناعي متكامل يسيطر أساسا علي سوقه المحلي0
البلاد التي توجهت للتصدير لمجرد التصدير كانت النتيجة في
التطبيق زيادة العجز في الميزان التجاري والحسابي مع زيادة
الصادرات فالمدخلات المستوردة تمثل القدر الأكبر من القيمة
وما يضاف محليا لا يزيد علي الأجور المتدنية مع تحويل
الأرباح للخارج وفي الوقت نفسه فإن تحرير التجارة زاد من
الواردات الترفية علي حساب الإنتاج المحلي وفي مصر وللعجب
إذا نقصت الصادرات فيزداد العجز في الميزان التجاري وإذا
ارتفعت فيرتفع العجز في الميزان التجاري، كما تشير إحصاءات
التجارة الخارجية في الشهر الماضي0
الدور الذي تمنحه هذه السياسة الصناعية للمجلس القومي
للجودة هو من الواجبات التقليدية التي كانت ومازالت تقوم
بها الدولة، وقد يكون في حاجة للدعم وقد كان يجب إكمال
المواصفات القياسية المصرية أو استخدام المواصفات العالمية
المعترف بها وكل هذه واجبات إدارية يصعب أن يطلق عليها
سياسة0
أما بالنسبة لنقل التكنولوجيا فمن الغريب أن يشار هنا
للاستعانة بالهيئات الأجنبية كأحد المنطلقات الأساسية له
علما بأنه كان في مصر ولايزال قدرات علمية وتكنولوجية جار
إهدارها ولدينا مثلا شركة الألومنيوم التي ابتكرت خلايا
ألومنيوم توفر 14% من استهلاك الكهرباء و12% من أقطاب
الكربون وتصنع تلك الخلايا في مصر، أما ترسانة الإسكندرية
فكان بها إدارة تصميمات لديها مائتا مهندس وكانت تصنع 90%
من السفينة ذلك ما كان، أما شركة مواد الصباغة والكيماويات
بكفر الدوار فكان لديها وحدها بحوث واكبت الأصناف الجديدة
من الأصباغ النشطة0 إن استخدام الهندسة العكسية بالإمكانات
المحلية واجب أساسي قبل شراء الخبرة الأجنبية بل دون ذلك
لا تصبح علاقتنا بالخبرة الأجنبية إلا سياسة التصنيع تسليم
مفتاح التي لا تصنع تقدماً0
وعن جذب الاستثمارات الأجنبية أقول ذلك وهي لا طائل من
ورائها فهي بخلاف البترول ضئيلة للغاية، وما قدم منها لم
يزد في القدرات الإنتاجية بل توجه إلي شراء الأصول المصرية
من أول صناعة الأسمنت حتي الحلاوة الطحينية وهو في ذلك
يستحوذ علي السوق المصرية أما البنوك الأجنبية فإن القروض
التي تمنحها يتوجه ثلثاها إلي الشركات متعدية الجنسية، أما
ما يتوجه للائتمان المحلي وهو الثلث الباقي فللسياحة وليس
للصناعة والإنتاج السلعي0
ثم هل من المعقول أن تتجاهل الاستراتيجية، إن صناعة الغزل
والنسيج ومع الدعم الأمريكي للقطن يتوخي تعجيز صناعة
النسيج المصري عن الارتقاء إلي الغزول الرفيعة والنسيج
الرفيع، أين شركة غزل كفر الدوار، أين إنتاج اللينو أين
الغزل من نمر 120؟ مقاومة حرب القطن الأمريكية تكون
بالتحول للغزول الرفيعة والقطن المصري فائق الطول في مثل
هذه الغزول غالية الثمن لا يكون سعر القطن طويل التيلة
عائقا للمنافسة0
وبدلا من الكلام العام عن الريادة والتحديث لماذا لا
نستفيد من السياسات التي أتبعتها البلاد التي لحقت
بانجلترا بعد الثورة الصناعية بالقفز إلي التكنولوجيا
الجديدة وحماية الصناعة الوليدة والتحكم في الاستيراد
والدعم الائتماني للصناعة0
وأن يكون ذلك بجانب خطة تصنيع ترتكز علي تعميق التصنيع
الذي يوجد ارتباطات بين المنتج النهائي والمدخلات وصناعة
معدات الإنتاج وإصرار علي دعم القدرة علي ذلك والحفاظ علي
الإنتاج الحرفي والارتقاء إلي التكنولوجيا الجديدة
بالإمكانات المحلية المتوافرة قبل الاعتماد علي المعونة
الفنية الخارجية0
إن الصناعات التي تتوجه إليها سياسة التصنيع المعلنة من
الوزارة لا تعتمد علي قبول أسواق البلاد الغنية لما تنتجه
بل هي الصناعات التي افتقدت الدينامية في السوق العالمية،
وتسمي صناعات الشمس الغاربة، وهي ليست ملوثة بالضرورة
دائما لكنها بالأساس محدودة القيمة المضافة0 إن متابعة ما
يجري في إسرائيل توضح أنهم يسيرون عكس ذلك حيث زادت نسبة
الصادرات ذات المحتوي التكنولوجي العالي علي 65% من
الصادرات الإسرائيلية، كما تقول مجلة الإيكونومست0 ومن
ناحية أخري فإن نسبة المهن بالنسبة لعدد العمال أعلي نسبة
في العالم0 ما الموقف عندنا إذن من المهندسين المصريين
وخريجي كليات العلوم الذين تفترسهم البطالة؟
بعد كل ذلك لماذا منحة من السوق الأوربية «لتحديث الصناعة»
في مصر؟ قبل ذلك كانت مصر دولة زراعية تصدر القطن الذي يتم
غزله ونسجه إلي انجلترا0 أليس ذلك هو سياسة التبعية التي
كان يفرضها الاستعمار البريطاني ولكن في شكل جديد يبدو
صناعيا حيث تتحول إلي صناعات التجميع والمنتجات التي لا
تحقق إلا أقل قيمة في السوق العالمية0 ذلك هو الاستعمار
الجديد0 سياسة تحديث الصناعة هي دفع مصر للقيام بهذا الدور
بكفاءة أي التخلف الأنيق0