يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1258 (14 - 21) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

اصنع مستقبلك .. بالتسول!

 
 

محمد فهمي

 

 
المثير في الموضوع أن الشركات العملاقة العاملة في مجال التسول .. تمارس أنشطتها من خلال إعلانات تبثها القنوات الفضائية!
زمان .. كان الذي يعمل .. يربح ويفلح ويكسب .. ويحب .. ويتزوج .. ويسكن .. ويخلف صبيان وبنات .. ويربيهم .. ويوفر لهم من أسباب السمعة الطيبة .. بما يجعلهم يتباهون بها .. عند النسب.
كان للعمل قيمة .. وكانت الأمثال الشعبية تقول:«صاحب صنعة .. ولا صاحب قلعة!» .. وتجري علي الألسنة أن «العمل عبادة» .. وأن «الإيد البطالة نجسة» .. وكان العمل هو المصدر الرئيسي للارتزاق!
أجدادي وأجدادك .. فعلوا ذلك في ظل نظم سياسية واجتماعية حافظت علي إعلاء قيمة العمل.
آلاف السنين .. والعمل .. هو القيمة الرئيسية في مصر .. إلي أن جاء الحزب السرمدي .. وبدأت قيمة العمل تتواري سنة بعد سنة وتتراجع!
لم يعد العمل والاجتهاد والعرق والتفاني والإخلاص والتضحية .. هي معيار التقدم .. والارتزاق!
لم يعد الذي يعمل ويجتهد .. ويبدع .. هو الذي يتقدم الصفوف ليصبح القدوة لغيره .. ولزملائه .. ولمجتمعه.
لم يعد العمل «قيمة» في حد ذاته!
ورأينا الذين لا يعملون .. ولا يجتهدون .. وهم يتقدمون الصفوف .. ويصافحون القيادة السياسية .. ويتحولون إلي «نخبة» تخصصت في القضاء علي المواهب .. والمهارات!
وبدأت تصدر القرارات التي ينتفض لها المرء .. انتفاضة العجب والدهشة من فرط إهدار «قيمة» العمل أو السمعة الطيبة.
كل المبادئ باتت قابلة للبيع!
كل الثوابت باتت قابلة للتفاوض!
وكل شيء له ثمن.
ولم يعد للذي يعمل .. ويجتهد .. نصيب من ثروة بلاده.
النظام السياسي يكرس ظاهرة التكسب بلا عمل
ناس لا تعمل .. وتكسب
وناس تعمل .. ولا تجد قوت يومها .. إلا بالصعوبة البالغة .. وكلما اجتهدت .. جاعت!
وأدرك الناس .. عدم جدوي العمل.
عدم جدوي العمل والعرق والإتقان والتفاني .. والإخلاص .. والتضحية .. وإنكار الذات.
وبات المفهوم السائد هو:
التربح .. بدون جهد .. وبدون عرق . وبعائد كبير .. وبسرعة!
التكسب المربح الآن .. بات في الرشاوي .. والانتخابات «النزيهة» والدروس الخصوصية .. وسلب أموال الناس بطرق الغش والاحتيال .. الفهلوة .. وسرقة أعضاء المرضي في المستشفيات .. ومراكز غسيل الكلي .. وفي تشييد مساكن الشباب .. وتبليط شوارع وسط البلد إلخ..
أريد أن أقول إن العمل لم يعد يحقق دخلا كريما
والحل؟!
الحل هو العمل خارج مصر..
العمل في دول تحترم قيمة العمل
وسافر الملايين من أبناء هذا البلد العظيم .. للعمل في دول الخليج .. يبيعون سلعة مطلوبة مقابل أجر.
وعندما وقع الرئيس مبارك الاتفاق الرباعي مع الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين والرئيس اليمني علي صالح والعاهل الأردني الراحل الملك حسين في فبراير 1989، هاجر ملايين الفلاحين إلي العراق .. للعمل مقابل أجر .. وتكوين ثروة تسمح لهم بالعودة والحياة في وطنهم.
كما سافر ملايين المصريين إلي أوروبا وأمريكا .. وكندا واستراليا .. وإفريقيا .. للبحث عن فرصة عمل..
عن لقمة عيش .. يوفرها العمل والعرق والغربة بعد أن فقد العمل بريقه في مصر.
وفي الداخل بدأنا نسمع عن حرامية كبار .. يرتشون!
ونسمع عن حرامية صغار .. يعاقبون.
نسمع عن وسائل إجرامية للتربح .. لا تخطر علي بال الأبالسة .. ومن بينها قصة الطبيب الذي كان يستخدم مياه الحنفية في الغسيل الكلوي بمستشفي مبارك التابع لجامعة طنطا.
كان الطبيب يعالج المرضي الذين صدرت لهم القرارات بالعلاج علي حساب الدولة.
وكان يعالجهم بمياه الحنفية.
وعندما يموت الواحد منهم .. فإنه لا يبلغ الحكومة بذلك .. كي يستمر في الحصول علي نفقات العلاج.
يحصل من الحكومة علي نفقات علاج الموتي .. الذين قتلهم بمياه الحنفية المحتوية علي أنواع البكتيريا والطفيليات الضارة بصحة الإنسان .. ثم يستمر في الحصول علي النفقات بعد انتقالهم إلي العالم الآخر!
إنه يتكسب .. بلا عمل .. وبدون جهد .. وبدون عرق .. وعائد كبير .. وبسرعة!
ونسمع عن المشروعات التي تعلن عنها وزارة الإسكان لبناء آلاف الشقق للشباب في المناطق الجديدة.
ونسمع عن عمارات كثيرة في مدينة الشروق تقوم شركات المقاولات التي شيدتها بعمل قمصان لها من أسفل .. مع تركيب أعمدة خارجية خوفا من انهيارها .. مع حدوث ميل للبعض الآخر .. متضمنة شقوقا طويلة بطول العمارة ذاتها .. كما يقول الأستاذ كمال جرجس المستشار الثقافي السابق.
إنه التربح .. وتحقيق عائد كبير وبسرعة .. من جراء «الكلفتة»!
إنه ريع الفهلوة!
ونسمع عن الحوار الصامت الذي جري بين رجل أعمال .. ذهب يقدم الرشوة لرئيس أحد الأحياء.
قال رئيس الحي: شخللت جيبك؟!
قال رجل الأعمال: شخللت!! .. أي موافق.
وقدم رئيس الحي ورقة ليسجل بها رجل الأعمال رقم «الشخللة».
سجل رجل الأعمال علي الورقة رقم عشرة آلاف جنيه!
ورفض رئيس الحي المبلغ قائلا.. إن «البنات لن تتزوج» ..إلخ
لغة عجيبة .. وكلام عجيب .. في زمن عجيب!
وما يجري في «بعض» المستشفيات «وبعض» الأحياء ... وبعض «المدارس» تحت بند التربح .. بلا عمل .. وبلا عرق .. وبلا جهد .. وبعائد كبير . وبسرعة يجري في جميع قطاعات المجتمع .. وبدرجات متفاوتة!
الدروس الخصوصية .. قضت علي المدارس قضاء مبرما ..
لم يعد التلميذ يتوجه للمدرسة صباح كل يوم .. وإنما بات ينتظر المدرس الخصوصي ليأتيه في منزله ويشرح له أفضل أساليب الإجابة عن أسئلة الامتحانات.
صورة من صور التربح .. بلا جهد .. ولا ضمير .. كي يتربي التلميذ منذ نعومة أظافره .. علي أن الالتواء والتحايل والفهلوة .. هي أقصر طرق الكسب..
العمل الشريف .. لا يحقق الدخل
ومن ثم لم يكن من المدهش أن تستورد مصر من الصين فوانيس رمضان .. والجلاليب .. وسجاجيد الصلاة .. وبلح الشام وسكر النبات!
وأن يستيقظ صديقي من النوم يجد طفله حديث الولادة .. وله ملامح صينية!
***
في إطار الدعاية العجيبة التي يخرج بها علينا الحزب السرمدي نسي الإشارة إلي أهم إنجازاته .. وهي أن مصر باتت الدولة الفريدة التي تصدر «المتسولين»!
90% من المتسولين في مواسم الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية .. من المصريين .. وفقا لما ذكره الأستاذ محمود سعد في برنامج «البيت بيتك» .. قبل أن يمنع منتجه رجل الأعمال إيهاب طلعت من السفر.
نحن نصدر المتسولين إلي السعودية .. وفق المذهب الرباعي السائد في الداخل وهو:
عمل بلا عرق .. وبلا جهد .. وعائد كبير .. وبسرعة!
واتضح أن في مصر شركات متخصصة في جمع المتسولين .. وتزويدهم بجوازات السفر وتذاكر الطائرات .. ونقلهم إلي الأماكن المقدسة .. وإرشادهم للمناطق الجغرافية المخصصة لكل واحد منهم.
ويسافر مع كل مجموعة فريق من الدوارين والمحصلين .. الذين يجمعون حصيلة التسول يوميا .. ويسجلونها في دفاترهم ويراقبون عمليات التسول علي مدار الساعة .. ليلا ونهارا ..
ويروي لي أحد الأصدقاء أنه رأي سيارة أوتوبيس صغيرة .. يهبط منها عدد كبير من المتسولين المنتدبين للعمل في رمضان.
وقال لي إنه رأي عددا من المتسولين «المقيمين» .. أي قدامي المتسولين .. وهم يرحبون بالدفعة الجديدة .. وكأن بينهم تعارفا سابقا من خلال انتدابات سابقة.
كل متسول يتخذ موقعه بالقرب من إشارات المرور أو بجوار المساجد حيث يعرض حالته علي المصلين في المساجد .. ويفترش الأرض .. ويخرج عاهته ليؤكد صدقه .. وأنه لا يكذب .. وإنما هو يقول الحقيقة «عارية»!
إنه لا يكذب .. إنه يتسول!
والتسول في الخارج له عائد كبير وسريع .. وبلا جهد .. فالناس تخرج من دور العبادة لتتقرب إلي الله سبحانه وتعالي لقوله في سورة البقرة «.. وآتي المال علي حبه ذوي القربي واليتامي والمساكين وابن السبيل والسائلين» .
ثم يحصل الذين يفترشون الأرض علي عشرات الألوف من الريالات .. التي تتحول إلي دولارات .. تم إلي جنيهات مصرية .. أي عملة «دولة المنشأ»
الدولة المصدرة!
والمثير في الموضوع أن الشركات العملاقة العاملة في مجال التسول .. تمارس أنشطتها من خلال إعلانات تبثها القنوات الفضائية.
وكانت الدكتورة درية شرف الدين قد أشارت في مقالها بمجلة «أكتوبر» إلي توظيف العشوائيات المصرية المحيطة بالقاهرة في تصوير الواقع المؤلم للفقراء .. واتخذت من العشوائيات المصرية نموذجا لأقصي حالات الفقر.
وقالت: إن من المخجل أن يصل الأمر بأصحاب إعلانات التسول إلي حد اتخاذ مصر نموذجا للفقر في العالم.
ويضم الإعلان الذي يصور الواقع في العشوائيات المصرية أرقام حسابات .. لجمع التبرعات التي لابد أن تكون هائلة!
مثل هذه الأنشطة الاقتصادية .. التي لا تخضع للضرائب .. تتأرجح بين البلطجة .. والفهلوة .. واستثمار الدين لتحقيق أهداف دنيوية.
إنه لون آخر من الاتجار بالدين..
لون من التربح .. بلا عرق .. ولا جهد .. وبعائد كبير .. وسريع!
الوصول إلي أهداف دنيوية .. بوسائل دينية!
***
شرطة المرافق في مصر تطارد «أم حنان» التي تجلس بمشنتها علي الرصيف المواجه لمستشفي هليوبوليس .. تبيع الفجل والجرجير .. وما شابه ذلك .. كما تطارد الباعة الجائلين الذين يشغلون الأرصفة .. بحثا عن كسرة خبز من أعمال خاطفة.
ولكنها لا تطارد المتسولين .. التزاما بقوله تعالي «وأما السائل فلا تنهر».
المتسول الذي يحب النقود .. ولا يحب العمل .. يتحرك كما يشاء.
عنده حصانة.
المتسول لا يخاف من شرطة المرافق .. ولكن شرطة المرافق هي التي تخاف منه .. باعتباره الأقرب إلي الله سبحانه وتعالي.
السائل والمحروم وابن السبيل جاء ذكرهم في القرآن الكريم .. لم يأت ذكر شرطة المرافق.
والمتسول .. هو فقيرومتطرف.
هو قمة في البؤس.
منتهي البؤس.
والتسول أنواع .. متسول موظف .. لا يرد باقي الحساب .. ويعتبر هذا الباقي لوجه الله سبحانه وتعالي .. ومتسول طعام .. ومتسول علاج يعرض علي الناس كبده ومعدته ويحمل علي كفيه طحاله المصاب .. ومتسول يريد العودة إلي بلدته بعد أن فقد محفظته إلخ ....
والضرير .. يحقق ميزة نسبية لأنه يأسر القلوب .. كما يلعب عامل السن دوره في التأثير علي عواطف أصحاب القلوب النابضة.
كما يؤثر فيهم أن يكون المتسول بساق واحدة أو يد واحدة .. أو بلا سيقان علي الإطلاق «المتسول الزاحف»..
وفي ضوء تراجع «قيمة» العمل أصبح المتسول في مقدمة أسباب الحصول علي دخل مرتفع .. بلا عمل .. ولا إنتاج .. وبلا حسد أو حقد .. وبلا مطاردة من حكومات الحزب السرمدي .
المتسول يحصل علي عطف الجماهير وأصواتها الانتخابية .. وحدث في الانتخابات الأخيرة أن اشتدت المنافسة بين 17 مرشحا.
تنافس 16 منهم في شراء الأصوات .. أما السابع عشر فقد ارتدي ملابس المتسولين .. ومارس سلوك البؤساء .. الذين يستحقون قوله تعالي «وأما السائل فلا تنهر»!
وقالت الصحف في عناوين رئيسية:
في دائرة العياط .. مرشح يلبس ملابس مهلهلة .. ليؤكد نزاهته!
هو لا يريد أن يؤكد نزاهته .. ولكن يبدو لي أنه أراد أن يقول لأبناء دائرته .. إنني واحد منكم!
شحاذ .. مثلكم!
وعلي غرار الشركات المصرية العملاقة العاملة في مجال التسول في مواسم الحج والعمرة .. ألقت مباحث الأحداث منذ أيام القبض علي عاطل يبلغ من العمر 18 سنة .. كون مؤسسة لتشغيل الأطفال في مجال التسول.
يقوم بجمع أطفال الشوارع .. من الشوارع .. ويستأجر لهم شقة في إحدي المناطق العشوائية لإقامتهم.
ويتركهم يتسولون .. ويضع مرشدين لمراقبتهم خشية هروبهم بحصيلة التسول.
وعندما داهمت قوات الشرطة الغرفة .. وجدت بداخلها 28 طفلا تتراوح أعمارهم ما بين 10 إلي 12 سنة .. واتضح أن المتهم كان يستخدم كرباجا لضربهم وإرهابهم وإجبارهم علي التسول .. كما كان يقوم بكي أجسادهم بالنار لعقابهم .. وفقا لما جاء عن جريدة «الأخبار» بتاريخ 29/11/2005.
...
المثير في الموضوع أن الحزب السرمدي الذي لا يكف عن ترديد إنجازاته .. والأحاديث التي يدلي بها رجاله في التليفزيون كل ليلة .. والتي تطابق قول سفيرنا في واشنطن نبيل فهمي .. أن مصر لا تستخدم التعذيب في أي تحقيقات..
تجاهل .. أهم إنجازاته وهي .. أن الإنسان المصري لم يعد يستطيع صناعة مستقبله .. إلا بالانحراف .. أو بالتسول!
اصنع مستقبلك .. يا عزيزي .. بالتسول!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة