يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1258 (14 - 21) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

عاجل للأهمية

 
 

من المسئول عن الترويج للتطرف الديني؟

 
 

بقلم: نبيل زكي

 

 
هل تقف مصر الآن أمام منعطف حاسم بين متطلبات الدولة المدنية والدولة الدينية؟ وما أسباب ومصادر قوة تيار التطرف الديني الذي يتصاعد نفوذه منذ وقت غير قصير؟ وهل تتحمل جماعات خارج الحكم مسئولية الترويج للتطرف غير أجهزة رسمية00 أم أن الدولة ذاتها هي التي لعبت دوراً مهما في نشر ثقافة التطرف؟
في مثل هذا الشهر منذ عشر سنوات (ديسمبر 1995)، أصدر مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان بيانا يحمل عنوان : «لنقاوم سيناريو الانقلاب السلمي لإعلان الدولة الدينية في مصر»0
تناول ذلك البيان كيف أفسحت الدولة المصرية مساحات هائلة في أخطر جهاز إعلامي لمروجي الفكر الديني المذهبي المتطرف الوافد الذي يضرب سماحة الدين ويقلبها إلي تشدد وتزمت لا علاقة له بطبيعة المصريين0
وأشار البيان إلي التصورات الأمنية التي تستند إلي هذا الفكر، وهي التصورات التي قاومت دور أحزاب المعارضة والنقابات والجمعيات وحركة حقوق الإنسان في الدفاع عن التنوير والاستنارة وحرية الفكر والاعتقاد والتعبير في مصر0
ويبدو أنه أصبح من المهم الآن التذكير بوقائع بالغة الأهمية يتجاهلها أو يتناساها الكثيرون0
والمقصود بها وقائع الاختراق التي تمهد للانقلاب علي الدولة المدنية بعد أن كنا بإزاء دولة مدنية تستخدم المؤسسة الدينية وتستغل الدين لأغراض سياسية0
وإذا عدنا إلي هذا البيان الذي أطلق صيحة التحذير قبل عقد كامل00 فإننا نلاحظ إنه يسجل ملامح سيناريو الدولة الدينية في مصر وكيف ضاعف أصحاب هذا السيناريو نشاطهم في مجال الثقافة والعقل المصري، مثل إغراق الأسواق بأطنان من المطبوعات وشرائط الكاسيت عبر مئات من دور النشر والتوزيع وتدفق مئات الملايين من الأموال والترويج للشرائط الصفراء والدعاية لها من خلال التليفزيون المصري0

حق المصادرة
وأشار بيان 1995 إلي أن أيدي المتطرفين الدينيين طالت مؤسسة التعليم وضربت بقرارات وزير التعليم عرض الحائط من داخل وزارته نفسها، كما أشار إلي تدفق الاستثمار «الإسلامي» بكميات ضخمة بإنشاء مدارس «إسلامية»0
ولاحظ البيان اتساع دائرة الشروط الرقابية علي المصنفات الفنية في جهاز التليفزيون لصالح الدولة الدينية في مواجهة الدولة المدنية، وكذلك علي صناعة السينما وشرائط الفيديو0 وتم السماح للمؤسسة الدينية بأن تضطلع بدور المشرع والقاضي والسلطة التنفيذية التي تملك حق المصادرة المباشرة داخل المعرض الدولي للكتاب واستمر الحال علي هذا النحو إلي أن استجاب رئيس الجمهورية لشكوي الكتاب وأوقف هذه التصرفات0
ويرصد البيان المذكور ظاهرة تعميم المناخ الديني المتشدد والمتطرف بين الناس الذين استنتجوا أن هذه هي إرادة الدولة ورغبة الحكام مما ساعد علي أن يمتطي الأجهزة والمؤسسات أفراد يعتبرون أنفسهم وكلاء لله علي الأرض قرروا أن يحكموا ويتحكموا في العباد00 كل منهم طبقا لتصوره أو تفسيره للدين، وتاهت بين أقدامهم الدولة الدستورية ودولة القانون ودولة المؤسسات0

دعم للصوص المدخرات
ألم تكن الدولة هي التي أصدرت قانون توظيف الأموال الذي فتح الطريق لما يسمي بالشركات الإسلامية التي ارتدت عباءة الدين لتوجه ضربات موجعة للاقتصاد المصري وتنهب مدخرات المصريين؟ ألم يكن جهاز التليفزيون بوقا في خدمة هذه الشركات؟
وجرت محاولات محمومة لاختراق القضاء عن طريق السعي إلي حملة علي اعتبار الابداع الفكري والفني شأنا دينيا يخضع لتدخل ورقابة المؤسسة الدينية، وتحريض جميع المسلمين علانية علي قتل إنسان باعتباره واجبا دينيا0 ولأول مرة يعطي قاض لنفسه الحق في تحديد «حق الله» ويعلن تأثيم جميع المسلمين إذا تخلوا عن «الحسبة»، كما لو كانت هذه «الحسبة» أمراً إلهيا ورد في القرآن ويستحق تكفير المسلمين إذا لم ينهالوا علي بقية المسلمين بدعاوي الحسبة0
وهل ننسي أن مجلس الشعب بأغلبيته من أعضاء الحزب الحاكم تباطأ في إصدار قانون الحسبة الجديد حتي يصدر الحكم النهائي من محكمة الاستئناف بتفريق المفكر المصري والأستاذ الجامعي نصر حامد أبو زيد عن زوجته0 بل إن نصوص قانون الحسبة الجديد جاءت غير قاطعة ومازالت تهدد كيان الأسرة المصرية ومواثيق حقوق الإنسان0

محظورات

شهادة علي أبو شادي ، المدير السابق للرقابة علي المصنفات الفنية، بالغة الأهمية في الحديث عن مسئولية الدولة عن الترويج للتطرف الديني وتعميمه وتشجيعه0
يقول: إنه مع ازدياد موجات التطرف، وانصياع الدولة للجماعات المتطرفة وحرصها علي مهادنتها، أصدر وزير الإعلام(السابق) صفوت الشريف توجيهاته بعدم استفزاز تلك الجماعة0 وهكذا تم حذف كل المشاهد التي لا تتفق مع محظورات الرقابة السعودية حتي لو كان في ذلك إخلال بالسياق الدرامي، وتم ايقاف المسلسل الأجنبي «سفينة الحب» لنفس السبب0 وبسبب هذه التعليمات الواضحة والمشددة بعدم المساس بالجماعات الدينية المتطرفة تطور الأمر إلي منع ظهور الشيوخ منعا تاما إذا كانوا في «أدوار غير لائقة»، وزيادة مساحة البرامج الدينية التي وصلت إلي ذروتها مع ظهور «عمر عبد الكافي» في ثلاثين حلقة علي شاشة التليفزيون مع كاريمان حمزة ليروج لأفكار تلك الجماعات عبر البرنامج الذي تقدمه0

دعوة للتطرف والتعصب
وكلنا نذكر كيف أن «عمر عبد الكافي» كان يلقن الجمهور إنه لو قال أحد المسلمين لقبطي في عيد من الأعياد الدينية المسيحية «كل سنة وأنت طيب»00 يكون كافراً!!
ولو كانت زيادة مساحة البرامج الدينية قد تمت تحت إشراف علماء وفقهاء يشرحون صحيح الدين لما أصبح الجمهور متطرفا ومتعصبا ولكن هذه الزيادة تمت لحساب دعاة التشدد والمحرضين ضد الأديان الأخري0

00 لكل الأعمار!
وإذا عدنا إلي شهادة علي أبو شادي نجده يقرر أن مرحلة الثمانينيات كانت مرحلة ضعف واستسلام كامل من قبل السلطة لسيطرة التعصب الديني، سواء في الأعمال السينمائية أو التليفزيونية0 واتخذت السيدة نعيمة حمدي، مدير عام الرقابة علي المصنفات الفنية، في ذلك الوقت، موقفا متشددا ومتعسفا في تطبيق قانون الرقابة0 ويقول أبو شادي إن هذه السيدة ربما كانت وراء الاستجواب الذي تعرض له وزير الثقافة فاروق حسني عقب توليه الوزارة مباشرة في أكتوبر 1987، فقد ظهرت بعض المستندات الخاصة بالرقابة لدي مقدم الاستجواب الذي كان ينتمي إلي التيارات المتشددة وكانت هذه السيدة أيضا هي التي تستدعي بعض المشايخ لمراقبة الأفلام، وهي التي ألغت عبارة «للكبار فقط» التي كانت تمنح لبعض الأفلام التي يفضل عدم عرضها علي الصغار، وأصرت علي أن تكون الأعمال الفنية صالحة لجميع الأعمار، علي عكس ما يحدث في جميع أنحاء العالم0

جماعات «الميثاق»

بعد هزيمة 1967 بدأ الترويج للخرافات وإفساح المجال أمام برامج التطرف الديني الأعمي والتفسيرات التي تصور الهزيمة علي أنها عقاب من الله لنا، لأننا نسيناه واتجهنا نحو الاشتراكية والسوفييت الملحدين وأطلقنا يد الشيوعيين ليسيطروا علي الإعلام والثقافة! وتجاهل القائلون بهذا الزعم أن يفسروا لنا كيف يقف الله مع المعتدين0
ويقول سيد خميس في شهادته أن نفوذا سياسيا وفكريا وافدا بدأ يتسلل إلي المجتمع المصري، وبدأ المتطرفون الدينيون الذين كانوا قد رحلوا إلي الخليج في العودة إلي مصر، في وقت أخذت التيارات اليسارية والديمقراطية الرافضة للهزيمة والمتمسكة بضرورة الحرب الوطنية وتحديث المجتمع تستعيد فيه قدرتها علي النشاط والحركة، وخاصة وسط طلاب الجامعات المصرية0وفي مواجهة هذا التصاعد الوطني الديمقراطي- اليساري بدأت السلطة تشكيل ما يعرف باسم جماعات «الميثاق» في الجامعات، والتي كانت ذات محتوي ديني متطرف يهدف أساسا لمواجهة القوي اليسارية والتقدمية0

منتجون فنيون!
وفي عهد السادات، شرع شيخ عربي في تأسيس شركات للإنتاج الفني تشمل برامج ومسلسلات دينية وإهدائها مجانا للتليفزيون لبثها0 استعانت هذه الشركات بمسئولين في التليفزيون ومخرجين وفنيين وكتاب مقابل أجور عالية لا تقارن بها أجورهم في التليفزيون0
وأصبحت نسبة كبيرة من العاملين في التليفزيون مرتبطة بمصالح مالية مهمة بمؤسسات «عربية» للإنتاج الفني، وأصبح إضفاء طابع الدين بمحتواه المتطرف وبمفهومه الوافد علي الإنتاج التليفزيوني هو مفتاح الدخول إلي عالم المال العربي0
ويقول سيد خميس إنه أصبحت لدينا في مصر قوي مترابطة المصالح والتوجهات، منها الحكومة، ورجال الأعمال وأصحاب الصناعات الاستهلاكية، ونوع من رجال الدين المرتبطين بأموال نفطية خليجية وطفيليين من شركات توظيف الأموال0
ويؤكد خميس أنه حتي عام 1990، كانت التعليمات الأساسية الصادرة إلي جهات الإنتاج والرقابة في التليفزيون هي عدم التعرض، من قريب أو بعيد، بالنقد أو التحليل أو الحوار مع كل ما يتصل برجال الدين والجماعات الدينية المتطرفة، مثل الإخوان المسلمين0 وفي تلك الفترة روج التليفزيون، بطريق مباشر أو غير مباشر، للتفسيرات ضيقة الأفق وغير الصحيحة للدين، كما روج للتدين علي الطريقة السعودية، ولتغييب العقل والحس النقدي لدي المشاهدين0
وحتي بعد أن حاولت الجماعات الإسلامية أن تطول رقاب الرموز العليا للسلطة في عام 1994، كانت المواجهة مع أصحاب تلك الأفكار المتطرفة تتم علي استحياء وعلي حذر خشية أن يفسح الهجوم علي الإرهاب والمتاجرة بالدين، علي شاشات التليفزيون، مساحة للأفكار الديمقراطية والمستنيرة0

الدعوة للخرافة

البرامج التليفزيونية ظلت تقول للمشاهدين إن في المرأة الجميلة شقاء للرجل وويلا له! ودافعت هذه البرامج عن الحق في استرقاق المرأة في الحروب ومعاشرة النساء الأسيرات معاشرة الأزواج، لأن في ذلك تكريم لهن0 ورفضت البرامج التليفزيونية عمل المرأة مع غير أهلها0 وتساءل أحد الدعاة: كيف تعمل المرأة بينما يتسكع الرجل في الطريق؟! وسمعنا من أحدهم قوله إن الغناء حرام00 وآخر يقول في الميكروفون إن الفن شر يستدعي التوبة عنه وأن الرياضة مثل الفن تثير الغرائز0
ومن شواهد تغييب العقل ونشر الخرافة، المثال الذي أورده جمال البنا في كتابه «قضية الفقه الجديد»، فهو يستشهد بما نشره أحد رؤساء محكمة أمن الدولة العليا في صحيفة «الأهرام» في فبراير 1997 وجاء فيه :
«وقد يتزوج الشيطان من نساء الأنس، وهي حقيقة لا مراء فيها ولا جدال00 وكثيرا ما ينكح الشيطان المرأة من الإنسان ويكون ذلك إذا أتاها زوجها وهي حائض، فقد قال ابن عباس إن الشيطان يسبقه إليها فتحمل منه، ولهذا نهي الحق سبحانه الرجل عن مباشرة امرأته وهي في هذه الحالة0 فقد قال تعالي «فاعتزلوا النساء في المحيض» - البقرة 222- وكذلك ينكحها الشيطان إذا أتاها زوجها قبل أن يستعيذ بالله، فقد قال الرسول الكريم : «إذا جامع الرجل زوجته ولم يسم، انطوي الشيطان إلي إحليله فجامع معه» والمولود في كل هذه الحالات في حقيقته ابن الشيطان وليس ابن هذا الزوج المخدوع الذي تسمي باسمه في شهادة الميلاد زورا وبهتانا0 وكثيرا ما نسمع بعض العامة وهم يقولون «دول أولاد الأبالسة» أو «ولاد الشياطين» وهي عبارة لها أساسها العلمي الصحيح»!!!

العقل في إجازة
ويعلق جمال البنا علي هذا الكلام بقوله :
«لم يحدث أبداً أن اتفقت أمة علي أن تعطي عقلها إجازة لألف عام00 تعيش خلالها عالة علي الأسلاف والأجداد00 فلنحمد الله أننا لا نزال نسير علي أقدامنا0 وكان يمكن أن نسعي علي أربع00»!
وليس في تعليق جمال البنا أي مبالغة0
فقد ظهر شيخ مهيب في التليفزيون وبشر من يدخل الجنة بسبعمائة زوجة عذاري يضاجعهن كلهن يوميا، وبعد أن ينكح الواحدة منهن ويمتع نفسه بها00 تعود بكرا مختومة كما كانت00وهكذا وهكذا، إلي أبد الأبدين0
وهذا الشيخ المهيب ينقل عن بعض كتب الأحاديث الضعيفة ومؤلفات التفسير التي يتراوح عدد الزوجات فيها ما بين مائة واثنتين وسبعين، اثنتان من نساء الدنيا والسبعون من الحور العين والكواعب الأتراب0

مزايدة
من هنا نستخلص أن أجهزة الدولة كانت تمهد - طوال السنوات الماضية- لحصول قوي التطرف الديني علي مواقع ومكاسب سياسية0 وكانت الجهود الرسمية لنشر وترسيخ التطرف تجري في الوقت الذي أعلنت فيه الحرب علي القوي السياسية المدنية0 وتصورت الدولة أنها يمكن أن تستثمر الدين أو تقدم نفسها في صورة الحامية للدين لكي تخفف من الغضب الشعبي المركز عليها، كما افترضت الدولة أنها عن طريق المزايدة علي التطرف الديني إنما تسحب السجادة من تحت أقدام المتطرفين 00 فكانت النتيجة أنها زادت من قوتهم وأضعفت نفسها لأن المواطن العادي لا يصدق الفاسدين حتي لو ارتدوا العمائم0

يسقط طه حسين!
وأصبح كل ما يتمناه المواطن المتدين المعتدل الآن هو ألا يتكرر ما حدث في سنوات سابقة0
ففي تقرير كتبه «القلم السياسي» (البوليس السياسي) إلي الملك فؤاد في أول نوفمبر عام 1926 جاء ما يلي :
«علمنا أمس حوالي الساعة العاشرة صباحا بعزم طلبة الأزهر، ومنهم الشيخ الفقي والشيخ محمد الأسمر علي عمل مظاهرة والمناداة بسقوط الشيخ طه حسين0 وقال الشيخ محمد الأسمر : سيروا بنا أيها الطلبة نحو المشهد الحسيني لنعلن الرأي هناك0 غضبتنا علي الملحدين، لأن المولد يجمع كثيرا من طبقات المصريين، فصفق له الحاضرون، وحبذوا فكرته وخرجوا جميعا قاصدين هذه الجهة0 وعند خروجهم قاصدين هذه الجهة هتفوا قائلين : ليسقط طه حسين»!!
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة