مرة أخري عن الفتنة الطائفية: وما قيمة القانون إذا لم يطبق؟ (2)
د. رفعت السعيد
وأعود لأستعيد مع القارئ بعضاً من قول قلته في العدد
السابق عن مواد منصوص عليها في قانون العقوبات المصري ..
أكرر المصري، لكنها لم تعمل ولا تعمل، وتركت لتصدأ .. وإذ
علاها الصدأ وطواها النسيان أطلت الفتنة الطائفية وساد
فوقنا جميعا مناخ مظلم، بل وشديد الظلمة.
ونتابع في دهشة بالغة نصوصا في قانوننا لو أننا أعملنا
بعضها لما كان ما يجري ولا أي قدر منه.
م 102 مكرر: يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين جنيها
ولا تتجاوز مائتي جنيه كل من أذاع عمداً أخباراً أو بيانات
أو شائعات كاذبة أو مغرضة، أو بث دعايات مثيرة، إذا كان من
شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو
إلحاق الضرر بالمصلحة العامة.
ونستعيد معاً ما جري وما يجري «علنا» وبلا تستر سواء في
الصحف التي تسعي سعياً مجنوناً وراء رواج رخيص أو في
تجمعات مشبوهة أو حتي في دور العبادة من شائعات كاذبة أو
«أخبار وبيانات» أو «دعايات مثيرة» تهدد الوحدة الوطنية بل
وتسعي نحو تقويضها وتعمل علي «تكدير الأمن العام» و«إلقاء
الرعب بين الناس» نستعيد كمثال عشرات بل مئات المقالات
الصفراء التي تروج أكاذيب وادعاءات ينطبق عليها هذا النص،
وعشرات بل مئات المحاولات لترويج قصص وحكايات مغلوطة أو
مبالغ فيها مبالغة شديدة، ومع ذلك فإن القانون قد كتمت
أنفاسه كي لا يتحرك .. ولا يحاسب مخالفيه.
م 160: يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا
تزيد علي خمسمائة جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين: وتكون
العقوبة السجن الذي لا تزيد مدته علي خمس سنوات إذا ارتكب
الجريمة لغرض إرهابي:
أولا: كل من شوش علي إقامة شعائر ملة أو احتفال ديني خاص
بها، أو عطلها بالعنف أو التهديد.
ثانيا: كل من ضرب أو كسر أو أتلف أو دنس مباني معدة لإقامة
شعائر دين أو رموزه أو أشياء أخري لها حرمة عند أبناء ملة
أو فريق من الناس.
وهل أحتاج إلي تعليق علي تجاهل هذا النص تجاهلا تاما، وهل
أحتاج إلي إيضاح لمدي ما يترتب علي هذا التجاهل من أضرار
وخسائر ليس في المباني وإنما في المشاعر وفي الانتماء وفي
الإحساس بالاغتراب، ومن ثم تمزيق مشاعر الوحدة الوطنية أو
ما تبقي منها؟
م 161: يعاقب بتلك العقوبات كل تعد يقع بإحدي الطرق
المبينة بالمادة 171 علي أحد الأديان التي تؤدي شعائرها
علنا، ويقع تحت أحكام هذه المادة:
أولا: طبع أو نشر كتاب مقدس في نظر أهل دين من الأديان
التي تؤدي شعائرها علناً إذا حرف عمداً نص هذا الكتاب
تحريفاً يغير من معناه.
ثانيا: تقليد احتفال ديني في مكان عمومي أو مجتمع عمومي
بقصد السخرية به، أو ليتفرج عليه الحضور.
ولعل هناك عشرات وأكثر من العشرات من نصوص قانونية أخري
كتمت أنفاسها هي الأخري وعلاها الصدأ بحكم تركها وتجاهلها
حتي أصبحت خارج السياق العام، وحتي أصبح تجاهلها والعمل ضد
ما تقول به هو السائد وهو الرائج، وحتي نسيت بحيث لم يعد
يتذكرها أحد، لا القضاة ولا المحامون ولا حتي هؤلاء الذين
يتضررون من جرائم وسلبيات كثيرة تقع ضدهم بالمخالفة لنصوص
القانون.
فلماذا؟
هذا هو السؤال الملح، هل لأن الحكومة أضعف من أن تواجه
دعاة الفتنة الطائفية بسيف القانون؟ أم لأننا لسنا في واقع
الأمر دولة قانون، وإنما دولة تنتقي من القوانين ما هو علي
هواها، وتتجاهل ما ليس علي هواها؟
أم أن البعض المنوط به إعمال هذه القوانين لا يستسيغها أو
حتي يستسيغ تجاهلها ويحبذه؟
علي أية حال، لسنا في مجال التخمين ولا في مجال التعاتب،
وإنما في مجال إيقاظ الضمير للقائمين علي تنفيذ القوانين
.. إيقاظ الضمير إن كان لم يزل هناك ضمير يوقظ أصحابه
ويحذرهم من أخطار الفتنة الطائفية، ومن أخطار ترك الحبل
علي الغارب للمتطرفين كي يعبثوا بها، رغم أنف القانون،
ورغم أنف الوطن.
ولسنا نطلب شيئا سوي إعمال القانون، وفرضه علي الجميع فهل
هذا كثير؟
هذا هو السؤال الملح فهل من إجابة؟!
ويبقي أن أردد في وجوهكم جميعا قول الشاعر القديم:
إنا بأيدينا جرحنا قلبنا
وبنا إلينا جاءت الآلام
أليس كذلك؟