«للفن في مصر دور كبير في التنوير وفي تثبيت الهوية
الوطنية وتطوير المجتمع بطرح القضايا الأخلاقية
والاجتماعية وتأكيد الاعتزاز بالوطن».
بهذه العبارة الموجزة في كتابه الأخير «شارع عماد الدين ..
حكايات الفن والنجوم» والصادر عن سلسلة كتاب الهلال هذا
الشهر يؤكد الكاتب المسرحي الكبير الراحل ألفريد فرج علي
الرسالة الحقيقية للفن وللفنان والتي لا تنفصل - مع تغير
الأزمنة - والأمكنة - عن مناقشة قضايا الواقع الإنساني
ومحاولة إيجاد حلول لما يتعرض له من أزمات.
عاش ألفريد فرج أربعة وسبعين عاما كاتبا ومتمردا وثائرا
علي الأشكال التقليدية في بنية المسرح، مشكلاً ومؤسسا
لمدرسة مسرحية عرفت به وعرف بها، حيث استمد آفاقه
التجريبية من التراث في مزيج صعب لا يقدر علي فعله إلا
مغامر شرس، ولأن الحياة قد علمته أن التجربة هي أساس
النجاح فقد اختار «ألفريد» أن يكون هذا الشخص.
فمنذ مولده في 14 يونيه 1929 بمحافظة الشرقية وهو يعيش
تفاصيل المكان، خاصة الإسكندرية التي عاش فيها مع أسرته
فترة الطفولة والصبا، فتشكل وجدانه علي رحابة الأفق الذي
تضفيه رحابة المكان حيث البحر والسماء الصافية، والتاريخ
العريق ورائحة الحضارات اليونانية والرومانية والإسلامية
ذلك المزيج الذي جعل الفتي يرتاد في فترة المراهقة مناطق
إبداعية شتي، فراح يكتب الشعر متأثرا بشعراء جماعة
«أبوللو» خاصة إبراهيم ناجي - صاحب الأداء الرومانسي
العذب.
هجرة الشعر
وبعد فترة هجر الشعر ليكتب القصة القصيرة، ومن الطريف أنه
فاز في منتصف الأربعينيات بجائزة «تيمور» للقصة القصيرة،
ومع حبه للتراث العربي شعراً ونثراً، عشق «ألفريد» الأدب
الإنجليزي بجزالته ورصانته لذا رأيناه يلتحق بقسم الأدب
الإنجليزي بكلية الآداب جامعة الإسكندرية والتي تخرج فيها
عام 1949.
وفي تلك الأثناء بدأ يفكر في القاهرة - كمكان للسكني
وللإبداع - فعين مدرسا في الفترة ما بين «1949 وحتي 1955»
ثم عين محررا ثقافيا بجريدة «روز اليوسف» 1953 - 1954، ثم
سكرتيرا لتحرير مجلة «التحرير» 1955، ثم محررا بجريدة
الجمهورية 1956 - 1959، ثم مستشارا للإدارة العامة للثقافة
الجماهيرية «1967 - 1968» ثم مستشارا أدبيا بالهيئة العامة
للمسرح من «1968إلي 1989» وعضو لجنة التنسيق العليا بوزارة
الثقافة في الفترة ما بين «1966 - 1971» وعضو اللجنة
العليا للنشر بهيئة الكتاب المصرية 1989.
كما ساهم «ألفريد فرج» في إنشاء الإدارة العامة للثقافة
الجماهيرية وتأسيس الفرق المسرحية الإقليمية بالمحافظات مع
زملائه سعد أردش وعبد الرحيم الزرقاني وكرم مطاوع وآخرين.
تجارب رائدة
ولأنه كاتب استثنائي نظراً لأنه ينتمي إلي جيل استثنائي في
المسرح العربي والمصري، الجيل الذي ضم إلي جواره أسماء
مهمة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر محمود دياب وسعد
الله ونوس وميخائيل رومان وصلاح عبد الصبور ويوسف إدريس
ونجيب سرور.
هذا الجيل الذي حمل راية التجديد في آليات الفرجة المسرحية
العربية عبر لغة أفصحت عن التحولات الاجتماعية العاصفة
التي مر بها المجتمع المصري والعربي علي السواء في النصف
الثاني من القرن العشرين.
لذا جاءت مسرحيات «ألفريد فرج» الأولي ذات طابع تراجيدي
تتمازج فيه الأسطورة بخيوطها المتشابكة مع ما يطرحه الواقع
من قضايا سياسية واجتماعية شائكة، لذا جاءت لغته - ذات
طبيعة اقتحامية رافضة لسلطة الفرد وتهميش الجماعة وهذا ما
طرحته مسرحية «سقوط فرعون» وكذلك «حلاق بغداد» والتي حققت
لكاتبها شهرة واسعة وعرضت أكثر من عشر مرات علي خشبة
المسرح المصري، وبالمثل جاءت مسرحيات «سليمان الحلبي»
و«عسكر وحرامية» و«الزير سالم» و «رسائل قاضي إشبيلية»
و«أيام وليالي السندباد»، و«علي جناح التبريزي».
ورغم أن الخطاب التاريخي قد جاء مضفرا برؤي الواقع المعاصر
المتغير فإن «ألفريد» قد اتبع المنهج الحداثي قلبا وقالبا،
مفجراً عبر نصوصه المختلفة - خاصة في فترة الستينيات -
أسئلة عن الزمن الناصري، عبر أسلوب يعتمد علي المواربة،
والرمزية الشديدة، ومع ذلك فإن كثيرا من النقاد قالوا بأن
مسرحه بلا أقنعة، إشارة منهم إلي تيمة المواجهة التي اتسمت
بها نصوصه.
الأميرة والصعلوك
وفي السنوات الأخيرة كتب «ألفريد» بعض المسرحيات ذات
الطابع الاجتماعي، مضفياً عليها مسحة كوميدية كما في
مسرحية «جواز علي ورقة طلاق» والتي عرضت مؤخرا علي خشبة
المسرح القومي بطولة هشام عبد الحميد ووفاء عامر وعايدة
عبد العزيز وإخراج أحمد عبد الحليم.
ثم عاد ليكتب آخر مسرحياته «الأميرة والصعلوك» والتي تنتمي
إلي المرحلة الأولي والتي يمتزج فيها التراث مع الحداثة،
بالإضافة إلي عشرات النصوص المسرحية التي كتبها عبر أكثر
من خمسين عاما، كتب «ألفريد فرج» مجموعة من الدراسات
والمقالات النقدية، كان آخرها كتاب «شارع عماد الدين ..
حكايات الفن والنجوم» والذي يروي فيه أهم أحداث الفن التي
شهدها هذا الشارع الذي يعد ملتقي الفنانين والأدباء في
النصف الأول من القرن العشرين، ولأنه عايش هذا المكان في
بداية شبابه جاءت شهادته تحمل مصداقية كبيرة، فيكتب عن
تجاهل المسئولين عن الثقافة في مصر لهذا الشارع التاريخي
المهم الذي عاش فيه الكثير ممن صنعوا تاريخ الفن في هذا
البلد لذا نراه يقول عنه:
«وشارع عماد الدين له عندي مكانة خاصة ويثير دائما في
النفس ذكريات جميلة، أن بعض الشوارع والأحياء يرمز إلي ما
هو أبعد من حدود أنهارها وأركانها وأرصفتها أو معمارها
ويوحي بمعان وأبعاد ومشاعر مثيرة وخلابة».
شارع عماد الدين له عندي مثل هذه الإيحاءات الجميلة .. فهو
شارع المسارح ودور السينما قبل وبعد ثورة 1919 ثم في
العشرينيات الحافلة بالفتن وعلي جوانبه كتب الفن المصري
تاريخاً رائعا، وفي أركانه أرسي الفن وتقاليده السليمة
التي قامت عليها وتدفقت منها مباهج المسرح والسينما ثم
الإذاعة والتليفزيون، وأضفت علي الحياة المصرية ذاتها
أساليب جديدة وأفكارا حديثة وسلوكيات عصرية .. كما أضفت
علي الحياة في القاهرة أمنا وضياء».
وبنفس هذا الحب كتب «ألفريد فرج» عن الشخصيات التي كانت في
يوم من الأيام نجوما ساطعة في سماء الفن أمثال نجيب
الريحاني وبديع خيري وعلي الكسار ومحمد أحمد المصري وزينات
صدقي ومحمد عبد الوهاب وسيد درويش وراقية إبراهيم وبديعة
مصابني ومنيرة المهدية وأم كلثوم ويوسف وهبي وأمينة رزق
ومأمون الشناوي وتوفيق الحكيم وكامل الشناوي وغيرهم.