يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1258 (14 - 21) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

حين طرق ألفريد فرج الباب علي شهرزاد

 
 

مايسة زكي

 

  يقدم ألفريد فرج لمسرحيته الأخيرة «الأميرة والصعلوك» بدعابة مقتضبة: (طرقت الباب ففتحت لي شهرزاد، اتسعت عيناها قليلا من الدهشة، وقالت مؤنبة «فلان؟.. والله زمان!.. نشكر الظروف أنك تذكرتنا.. كم سنة؟».. «الزيارة السابعة».. قلت مداعبا: حلاق بغداد 1962، بقبق الكسلان 1965، علي جناح التبريزي وتابعه قفة 1968، رسائل قاضي أشبيلية 1975، أيام وليالي سندباد 1985، الطيب والشرير والجميلة 1995، واليوم زيارتي السابعة 2003).
أما توجس هذا الرجل الذي عشق الحكمة الشرقية الأخاذة في حكايات الألف ليلة من الطرقة السابعة؟ ألم ينبئه غوصه في الليالي بما لرقم سبعة من دلالة وأثر، أليس هو باب الأمل وباب الندم في آن، وكما خط هو في مسرحيته الأخيرة، ألم يهتف به صعلوكه النساخ في «الأميرة والصعلوك» بمغبة انفلات الخط الفاصل بين الحكايا كما نكتبها أو نتمثلها ونتذكرها، والحياة كما نعيشها، أم أنه كان قد حدس أو قرر أن ينزل الكاتب إلي «بحر الحكايا» - كما أسماه - بلا عودة.
وكأن حدسا مقابلا كان هنالك في صالة الجمهور ألجمني، فأحجمت عن الكتابة عن عرضه الأخير ذاك علي جماله الذي استقطره نور الشريف في إخراجه له، لم تكن فقط سياسة الإرجاء التي باتت دفاعي ضد الكتابة ووسيلتي لدفعها، إنما شيء في العرض بكلماته الموحية وبنائه الفني كان يقول إن «تمت أغنية» الكاتب علي حد تعبير صلاح عبدالصبور في «الأميرة تنتظر»، وهذا حدس به من النشوة الفنية للمشاهد قدر ما به من الأسي الآدمي والكشف القاصي، فتمام الأغنية يعني اكتمالها، ومن ذا الذي يحظي بالاكتمال، لكنه في ذات الوقت، التمام، يعني انتهاءها والوصول، رائحة النهاية علي صفائها وجلالها، وما من شيء يحقق للمبدع «ارتواء القلب بالنشوة» الأخيرة وخلاصه من عناء الوصول في آن إلا الموت أو الرحيل مجددا إلي ليال جديدة مجهولة «خارج الزمان والمكان» ما من أحد عاد ليحكيها.
وما جاءني هذا الانطباع عبثا ولا تزيدا، وإنما اللافت أن ألفريد فرج تجاوز في هذا النص الاستيحاء من حكايات الليالي وإعادة نسجها وتركيبها، وهي التي أغوته طويلا واستحوذت علي جانب ليس بالقليل من إبداعه، إلي الولوج إلي غواية الحكي الشفاهي والنسخ الكتابي ذاته، ففي عشر لوحات رشيقة نتبع الصعلوك أو «حسن النساخ» في رحلة هروبه من مطاردة الشرطة له غضبا علي ما ينسخ، العاطفي منه والسياسي، لكن هذه اللوحات العشر التي تعنون إما باسم الأدوار الرئيسية أو الأماكن والوقائع الأساسية أو القصص الخيالية التي ينسخها حسن، يغزلها جميعا بحيث تكاد تسقط المسافة بين الخيال والحدث الرئيسي الذي هو لقاء الصعلوك بالأميرة، فلا ندري علي وجه الدقة هل يتذكر حسن حكايات «الأمير أبوالذهب» مع أمنا الغولة «والباب السابع» في سياق حكايته هو مع الأميرة زمردة أم أنهما اللتان تدفعان خياله وتشحذانه إلي لقائها، وما لقاء الأميرة والزواج بها في ليلة هروبه من الشرطة إلا فيض من خيال ألف ليلة وليلة، فأين الحقيقة؟! أهي كما يقول في اللوحة الأخيرة للقاضي: كان حلما فنمت به وكابوسا فصحوت له.
بل أجد المسافة بين التاريخ باعتباره يقينا مضي والحكايا الخيالية باعتبارها محض خيال؟! هل أحرق الأمير صقر الزوج السابق للأميرة القصر بمن فيه نكاية في زواجها بالكاتب الشحاذ الصعلوك، أم أنه الأمير العثماني الذي أحرق القصر منذ مائتين وخمسين عاما - إذ أننا في القرن الثامن عشر افتراضيا حيث رفضت الأميرة أن تهرب من باب السر واحترقت مع وصيفاتها بالقصر يقول الأمير صقر في خروجه مهتاجا ومبكرا في لوحة الزواج، وقبل كشف بنية النص، كلاما غريبا يقرب من الهذيان، وذلك في غمرة غيرته علي الأميرة، زوجته السابقة: «خرجت من داركم لا أصبر علي هذه المهزلة، وربما أعادني غضبي أو أعادتني شهوة القتل في منتصف الليل، أو حال بيني وبينكم سر خطير!، فإن عدت سأكون علي رأس الانكشارية الباغية، ومعي مشاعل كثيرة ونيران لاهبة وفي الصدر غضب يتأجج.. انتظروني في ليلتكم.. أعود مع الجحيم في منتصف الليل»!.
إن الجديد في مسرحيته الأخيرة هو كشفه الشعري بناء «ولغة» في متن النص.. الحياة عن الحكايات المؤثرة فيه والتي نسجته يعتمد في ذلك اعتمادا كبيرا علي التراوح بين الحكي والحوار النابض الحاضر لم تعد المسألة مقدمة منفصلة يشرح فيها الحكايات التي استلهمها، بل ذابت المسافة بين أهل الخيال وأهل الدنيا، والواقع والتاريخ والأدب الخيالي، بل من هو حسن النساخ الذي ينتهي به الأمر أن يتنكر في هيئة شحاذ فتصطفيه الأميرة لرائحته الكريهة، مأخوذا في حبائل قصتها مع زوجها الذي طلقها ثلاثا، اختيارات قائمة علي المفارقة والتناقض بل والمفاجأة في قصة لا حول له فيها ولا قوة بل من هي الأميرة؟! أهي أمنا الغولة كما قصة «الأمير أبوالدهب» تسعي لأكله بحيث أوصي صديقه «علي» أن يبلغ الشرطة عن مكانه في قصرها لأن أسر الشرطة أهون من أسرها، أم أن باب مخدعها هو الباب السابع في قصة عبدالله حيث تتماثل وجنية البحر الفاتنة التي يتحول بفراقها باب الأمل إلي باب الندم، وهو بكّاء علي بابها.
أم أنه بواقع ترتيب الحكايتين - أبوالذهب والباب السابع - في متن النص يستطيع حسن أن يري الأميرة - ولو لليلة واحدة - بعد أن تنقشع «غشاوة الخوف» بتعبير المؤلف، هي ليست أمنا الغولة قطعا إنما من عرفها يفقد القدرة علي الضحك كما يضحك الناس، «فهم لا يعرفون ما فقدوا وما يفتقدون، ولم يروا وجه الأميرة زمردة أو يلمسوا يدها أو شعرها» قولته في نهاية المسرحية، قبس من مشهد «الحمام» حيث الخلوة والتجرد من المخاوف والأوهام، وباب السر الذي أرادت له أن يهرب منه فرفض زاهدا في كل شيء عدا جنتها، هل ذاق ليلتها السر؟! أم تبعها إلي عتبته فقط، عتبة الباب السابع، فذاب اشتياقا؟!.
وفي ثنايا النص يختبر ألفريد فرج حيلا جوهرية من حيل ألف ليلة وليلة مثل التنكر والأخيلة التي تعادل الأحلام والكوابيس، وصور ووسائل الهروب، ليطرح بعمق لا يفقد حلاوة الخيال - المركّب هذه المرة جدا - أسئلة أولية عن الماهية والأخلاق والحب والقضاء والقدر وإمكانية الخروج من قبضة الزمان والمكان وشروطهما، ولا أعتقد أن شهرزاد تسمح بهتك أبعد من ذلك لسر الليالي أو بالتفوق عليها.
لا شهر زاد ستسمح ولا حسن النساخ نفعته الحكايات أو المعرفة كما يجدر بأهل الدنيا أن يستفيدوا بأهل الخيال! فبعد أن نصح الأميرة بألا تعود إلي طليقها رغبة في استرجاع الماضي الذي لا يعود: «يتوهم كل منكما أن خير الترميم إعادة الصورة كما كانت في الماضي ولكن سيدتي من خرج من جنة الآخر لا يعود إليها أبدا» يذهب هو باحثا عن الأميرة زمردة ليجدد مذاق الليلة الواحدة أو القصة التي كتبها «ربما» وتقمصها عليه أن يفتش في الزمان لا في المكان كما نصحه القاضي، يتحول إلي صاحب حكاية وقصة تروي أغوته الحكايات غواية لا سبيل إلي دفعها، بل أغوته شهرزاد حتي ليتبعها إلي «آخر الدنيا»!.
ويكمل كاتبنا مقدمته المقتضبة، بل دعابته الحلوة كعهدنا به، والتي نسخها بيديه في زيارته السابعة والأخيرة: (قالت شهرزاد: «زياراتك تتباعد»، اعتذرت قائلا: «ربما كانت السن.. أو الصحة.. أو متاعب المهنة» قالت: «صادرت علي كل عتاب.. تفضل، عندي في الصالون الليلة أميرة وصلعوك وقاض.. فاجلس حيث تشاء» دخلت الصالون، وكان العازفون ينشدون في الموسيقي موشح «لما بدا يتثني».. والمستمعون يقولون «الله»0
الله...
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة