بدأ في هونج كونج أمس الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة
العالمية، والذي يناقش قضايا تحرير التجارة في السلع
الزراعية وملف القطن، وفتح الأسواق أمام الخدمات والمنتجات
الصناعية، وتشارك مصر في الاجتماع بوفد كبير يرأسه المهندس
رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة، والذي نتمني ألا
ينسي الصفة الثانية في حقيبته الوزارية «الصناعة» ، وأن
يعرف مكانة مصر ودورها في مثل هذا النوع من المفاوضات00
وبمناسبة هذا الاجتماع يتوجه د0 إبراهيم العيسوي أستاذ
الاقتصاد، وعضو بالمكتب السياسي لحزب التجمع برسالته
التالية للمفاوض المصري0
أنت تعلم أن هدف منظمة التجارة العالمية هو تحرير التجارة
في السلع والخدمات بين الدول .. ولكن اعلم أيضا أن هدف
بلادك هو التنمية الشاملة .. وهذه هي البوصلة التي يجب أن
توجه تحركك في المنظمة وتحكم علاقاتك بغيرك من ممثلي الدول
الأعضاء فيها. فلا تنازلات في تخفيض التعريفات الجمركية
وفي فتح السوق المصرية إلا بمقدار ما يتحمل اقتصاد بلادك،
وهو لم يعد يتحمل الكثير بعدما تسارعت خطوات تحرير التجارة
في سياق السياسات الانفتاحية وفي سياق تنفيذ برنامج
التثبيت والتكيف الهيكلي، وبعدما تورطت مصر في تخفيضات
جمركية تفوق كل ما كان مطلوبا منها من جانب منظمة التجارة
العالمية حتي في سنة 2005، ولم تعد في اقتصاد بلادك طاقة
علي تقديم المزيد من التنازلات بعدما أنهكته التخفيضات
الجمركية المتتالية، وبعدما أدت سياسات فتح الاقتصاد دون
حساب دقيق إلي تعريض الكثير من الصناعات الوطنية لمنافسة
شرسة وغير متكافئة من جانب الصناعات الأجنبية، أدت بدورها
إلي إهدار ما بذل من قبل من جهود مضنية علي طريق تصنيع
البلاد، وزادت من تبعية الاقتصاد المصري للخارج، وأطالت
أمد تخلفه.
قواعد ذهبية
وضع نصب عينيك - أيها المتفاوض باسم مصر - أربع قواعد
ذهبية انتهت إليها الدراسات التي وعت حقيقة العلاقات بين
الدول النامية والدول المتقدمة داخل المنظمة وخارجها،
والتي أدركت ازدواجية المعايير التي تطبقها الدول الغنية
في تعاملاتها مع الدول الفقيرة، فهي تريد من الدول الفقيرة
أن تفتح أسواقها علي مصاريعها، بينما تريد أن تبقي أبواب
أسواقها مغلقة، أو علي أحسن الأحوال، «مواربة» أمام الدول
الفقيرة.
أن الدول الغنية لا تفتح أسواقها سنتيمترا واحداً إلا إذا
فتحت الدول الفقيرة أبوابها عشرة أمتار، وفضلاً عن ذلك، لم
يغب عن هذه الدراسات أن التنمية الشاملة، وليس تحرير
التجارة في حد ذاته- هي الهدف وهي الغاية التي تسعي إليها
الدول النامية، فما تحرير التجارة إلا وسيلة، قد تكون
مفيدة في بعض الأحيان، وقد تكون ضارة ضررا شديداً في أحوال
أخري.
وهذه القواعد الذهبية الأربع هي: أولاً: أن الدول تقوم
بإزالة الحواجز أمام التجارة كلما ازدادات ثراءً، وليس قبل
ذلك.
ثانيا: أن الاندماج في الاقتصاد العالمي هو نتيجة للنمو
والتنمية الناجحين، وليس شرطا مسبقا لهما، كما تزعم الدول
الصناعية المتقدمة والمؤسسات الراعية للنظام الرأسمالي
«البنك الدولي - صندوق النقد الدولي - منظمة التجارة
الدولية - وكالات المعونة الأجنبية».
ثالثا: أنه ليس من الإنصاف تطبيق قواعد موحدة بشأن تحرير
التجارة علي كل من الدول الغنية والدول الفقيرة، كما أنه
ينبغي ألا ينظر إلي القواعد التي تحابي الأطراف الأضعف في
النظام التجاري العالمي علي أنها مجرد استثناءات، بل يجب
التعامل معها علي أنها قواعد أساسية تتكامل مع باقي
القواعد الأساسية للنظام التجاري الدولي الذي تطبقه منظمة
التجارة العالمية.
رابعاً: أن الدول النامية أصبحت مكبلة بالكثير من القواعد
والمعايير المنبثقة عن اتفاقات ومعاهدات وقرارات دولية،
بحيث أن هامش الحركة المتاح لاتخاذ السياسات الوطنية قد
تقلص كثيراً، وقد آن الآوان لتوسيع هذا الهامش وتزويد
الدول النامية بمساحة كافية لوضع سياساتها من منظور وطني،
وذلك بدلا من تركيز النظام التجاري القائم والمستهدف من
جانب الدول المتقدمة ومنظماتها علي تحرير التجارة والنفاذ
إلي الأسواق.
الصفوف الأمامية
وتذكر - يا من ذهبت إلي هونج كونج للتفاوض نيابة عن الشعب
المصري - أن مكانك ليس في الصفوف الخلفية للدولة النامية،
وليس في ذيل الدول الصناعية المتقدمة، فمصر كانت في طليعة
الدول المدافعة عن حقوق الجنوب، وكانت من المبادرين، لا
التابعين، عندما يتعلق الأمر باقتراح المشروعات والقرارات
التي تحمي مصالح الدول النامية، وقد آن لمصر أن تسترد
مكانتها، وأن تقود حركة الدول النامية في منظمة التجارة
العالمية - جنباً إلي جنب مع الدول النامية الأخري التي
تصدت بحزم لمحاولات الدول الصناعية المتقدمة تحميل الدول
النامية بما لا طاقة له من إجراءات التحرير وفتح الأسواق
في سياتل وكانكون لا سيما الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا
والصين. وأنت تعلم أن وقوفك مع هؤلاء لن يسر الدول
الصناعية المتقدمة، بل إنه سوف يثير غضبها عليكم، ولكن
عليك أن تسأل نفسك وتراجع ضميرك: أيهما يجب أن يكون
المعيار الذي تحتكم إليه: رضا من يحاولون استبقاءنا في
حظيرة التبعية والتخلف، أم رضا شعبك عندما ترعي مصالحه
وتصون حقه في التنمية وتدفع عنه الظلم والاستغلال؟