لم يعد التقدم التكنولوجى كما كان فى العقود الماضية ،
مجرد مسألة ثانوية ، بل أصبح –دون أى قدر من المبالغة-
مسألة حياة أو موت .. وليس هناك طريق واحد يمكن السير عليه
للوصول إلى التقدم العلمى والصناعى والتكنولوجى ، بل هناك
عدة طرق وأساليب لحسن الحظ .
ففى فترة ما خلال عقدى الثمانينات والتسعينات ، سادت قناعة
بأن الدول النامية لن تستطيع مجاراة الدول الصناعية ، ولن
يمكنها تحقيق تقدم تكنولوجى يساهم فى خروجها من ورطاتها
الاقتصادية ، ويصعد بها إلى مصاف الدول الثرية المتقدمة
علميا. وهذه القناعة جائرة ومتعصبة نوعا، خاصة بعد أن حققت
دول مثل الهند والصين وكوريا وبعض دول أمريكا الجنوبية ،
اختراقا تكنولوجيا حقق لها مردودا اقتصاديا مرتفعا ، وخرج
بها من مصاف الدول المتخلفة ،إلى مصاف الدول الصناعية
الكبرى . وعليه أصبح من الممكن التشكيك فى القناعة السابقة
، بل ومناقشتها على ضوء مختلف. وباتت البلدان التى نجحت فى
تطوير التكنولوجيا نماذج لما يمكن أن يحققه العالم الثالث
من تقدم تكنولوجى ومعلوماتى إذا ما أراد ذلك حقا ، وبات من
الضرورى أن نسأل ..لماذا تمكنت قلة من بلدان العالم الثالث
من كسر الطوق وتحقيق تطورا يضاهى ما هو حاصل فى الغرب
واليابان ، بينما لم تتمكن معظم الدول النامية الأخرى من
ذلك ؟
وفى محاولة للإجابة على السؤال السابق ، يجب أن نشير إلى
أن بعض الباحثين والمتخصصين ، يرون أن التقدم التكنولوجى
مرتبط تماما بالتاريخ الانسانى ..إذ أن تطوير أدوات
الإنتاج على مر العصور أحدث سلسلة من التغيرات التاريخية
على مختلف الأصعدة . فمنذ طور المصرى القديم قنوات الرى فى
مصر الفرعونية منذ أكثر من 5 آلاف سنة ، وحتى النجاح فى فك
رموز الشفرة الجينية فى عصرنا الحديث ، مرورا باكتشاف
اليورانيوم واختراع القنبلة الذرية ، ارتبط التقدم السياسى
والاجتماعى والاقتصادى بالتطور التكنولوجى بشكل مباشر لا
شك فيه .
فالتقدم التكنولوجى هو الأساس الوحيد المعروف للتقدم
الصناعى والتجارى، والأهم التقدم فى مجال المعلومات. وكما
تشير تقارير التنمية والتجارة الصادرة عن الأمم المتحدة
عام 1999، فإن 95 دولة أصبحت أكثر فقرا عام 1997 عما كانت
عليه قبلها بسبعة أعوام ،و30دولة منها أصبحت أكثر فقرا عام
1997 عما كانت عليه فى بداية السبعينات ! ورصدت التقارير
أن هذا الفقر تزامن مع تخلف تكنولوجى وصناعى وبالتالى
معلوماتى..الأخطر أنه بناء على تلك التقارير فإن الجزء
الأكبر من تلك الدول يقع ضمن الجمهوريات الشيوعية السابقة،
والدول الأفريقية والدول العربية .
وحتى نؤكد على أهمية التكنولوجيا فى عملية التقدم، نذكر
أنه فى عام 1945- بعد هزيمة ألمانيا فى الحرب العالمية
الثانية- وضعت أمريكا خطة عرفت باسم (مورجنتاو) لإضعاف
ألمانيا اقتصاديا ، تعتمد على تفكيك البنية التكنولوجية
وبالتالى الصناعية لألمانيا ، وجعلها بلدا زراعيا حتى
تتخلف عن ركب الدول الصناعية .. لكن بحلول عام 1947غيرت
أمريكا خطتها وأسمتها ( مارشال ) لإعادة ألمانيا الغربية
إلى المجال التكنولوجى لمواجهة ألمانيا الشرقية ، خاصة بعد
أن بدأت ملامح الحرب الباردة بين المعسكريين الشرقى
والغربى تتضح.
كيف نبدأ ؟
ولأهمية التكنولوجيا ..ظهرت عدة نظريات مختلفة ، تدور حول
نقاط محددة: هل نبدأ بالعلم الذى يقودنا إلى التكنولوجيا
بشكل تدريجى ؟ أم نبدأ باستيراد التكنولوجيا التى تنفعنا
ثم نرى ما يناسبنا من العلم فنطوره ؟ أم أن البداية تكون
من خلال التنمية الاقتصادية لتوفير الأموال اللازمة لتطوير
التقنيات ؟
لقد وضع خبراء الاقتصاد منذ القرن التاسع عشر قواعد مازالت
سارية، منها أن تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات
المصنعة هو اقتصاد سيىء ، بينما العكس يصنف بالاقتصاد
الجيد لأنه يخضع لقانون المردود المتزايد المعتمد على
التكنولوجيا ، والذى يقدم قيمة مضافة ، يعتبرها المحللون
الاقتصاديون قاطرة الازدهار الاقتصادى والصناعى والسياسى .
وفى مؤتمر حول التنمية حضره عدد من علماء الاقتصاد فى
منغوليا العام الماضى ،أثير موضوع خطير حول نفوق مليونى
حيوان فى جمهورية منغوليا – السوفيتية سابقا – وتبين أن
ذلك حدث نتيجة انهيار القاعدة الصناعية بناء على نصائح
البنك الدولى حول تحرير التجارة والأسواق ، عندها تخلى
المجتمع عن التصنيع وتم بيع المصانع ، وشرد العمال وتفشت
البطالة، فلجأ أهل البلاد إلى الزراعة مما زاد الضغط على
الأراضى الزراعية حتى أصبحت غير قادرة على إطعام كل
الحيوانات .
كوريا وتايوان والهند
على الجانب الآخر نجد أن كوريا الجنوبية التى كانت أقل
تقدما من المكسيك والبرازيل تمكنت خلال التسعينات من
اللحاق بركب الدول المتقدمة، وحتى تصل إلى تلك المكانة هى
وتايوان اتبعتا أسلوبا معقدا إلى حد ما ..فبدلا من اختراع
التكنولوجيا وتصنيعها، اتبعتا خطا تفاعليا بين العلم
والتكنولوجيا يعتمد على ما يعرف بالهندسة العكسية ، أى
دراسة واستيعاب تكنولوجيا غربية بشكل تفكيكى ثم تقليدها،
هكذا تمكنت كل من البلدين من تصنيع المنسوجات وآلات
الإرسال والبث فى البداية ، مما وفر لهما فائض من المال
تمكنتا بواسطته من التقدم وامتلاك تكنولوجيا معقدة تعتمد
على المعارف والمعلومات وتصنيع مختلف أنواع الآلات المعقدة
.
وكان للدولة دورها الكبير فى ذلك ، فقد سارت المؤسسات
التعليمية فى خط متواز مع التطور التكنولوجى والصناعة ،
وهذا ما يعرف بالعلم المطابق المتفاعل.. والمذهل فى
التجربة الكورية بالذات أنها كانت تدفع فى البدء 3% مقابل
التراخيص التكنولوجية للسلع والآلات التى تقلدها ، وارتفعت
النسبة إلى 12% فى السنوات الأخيرة ، ورغم ذلك تمكنت هاتين
الدولتين من تحقيق مستويات اقتصادية وتكنولوجية خلال 30
عاما فقط.
أما الهند فقد سلكت مسلكا مختلفا ، فهى ثانى أكبر دولة من
حيث عدد السكان ، ومعظم سكانها يعيشون تحت خط الفقر ، رغم
ذلك تمكنت من انشاء الجامعات ذات المستوى العلمى المتميز ،
لكن عكس كوريا وتايوان ..كان هناك انقطاع بين الأكاديمى
والتكنولوجى الصناعى ، فببقى تأثير الجامعات محدودا فهاجرت
العقول الهندية إلى الغرب المتقدم ويبدو أن ذلك لم يكن
سيئا كما حسب البعض فى البداية، فبعد انتشار تكنولوجيا
المعلومات فى بانجالور التى انشئت فيها خلال خمس سنوات فقط
155شركة عملاقة تتعامل فى تكنولوجيا المعلومات وقواعد
البحث العلمى.
وفى أحد تقارير بنك ( جولدمان ساكس ) الدولى أن الهند إذا
تابعت طريقها فستكون ثالث أكبر اقتصاد فى العالم خلال
عقدين لا أكثر ، وأن السبب الرئيسى وراء نجاح مركز
بانجالور هو الجامعات، ثم معرفة حاجة السوق العالمية ، إذ
يعمل فى بانجالور حوالى 150ألف مهندس برامج كومبيوتر، وهو
عدد لا يتوافر إلا فى وادى السليكون فى الولايات المتحدة.
المثال الصينى
ووفق منهج مختلف سارت الصين، فبعد الثورة الشيوعية مباشرة
بدأت صناعات صغيرة موجهة لسد احتياجات السوق المحلى
والعالمى فى آن ، مما ساهم فى القضاء التام على المجاعة
التى كانت تهدد البلاد ، ووفرت سيولة نقدية لتمويل مشروعات
السوق المفتوح . مع الوقت ازدهرت تكنولوجيا حديثة وفرت
للصين أعلى نسب نمو فى العالم تقريبا ،إذ وصلت إلى
15%سنويا .. لكن البعض يرجع التقدم التكنولوجى للصين إلى
أسباب أخرى ، ففى كتابه ( صراع الحضارات) يقول صامويل
هنتكين : أن العصبية الصينية هى السبب، فمعظم الاستثمارات
فى الصين من صينيين فى كوريا وسنغافورة والعاملين فى الغرب
والخليج العربى .
والآن بعد أن ثبت أن دولا من العالم الثالث استطاعت أن
تتخطى عثراتها الاقتصادية ، بالانضمام إلى منظومة
التكنولوجيا العالمية، يحق لنا أن نتساءل عن الأسباب التى
تمنع باقى الدول من الاقتداء بالنماذج السابقة ؟ يذهب بعض
المحللين إلى الزعم بأن تاريخ التكنولوجيا والصناعات
الكبرى انطلق من المراكز العسكرية ، فالانترنت مثلا انطلق
من وزارة الدفاع الأمريكية ثم انتشر فى العالم كله .
وكما ذكرنا فإن بعض الدول دخلت دورة تكنولوجية واقتصادية
متكاملة بشكل تصاعدى .. لكن هناك الكثير من الدول دخلتها
بدورة عكسية مثل معظم الدول العربية والأفريقية ، التى لا
تشهد تخلفا تكنولوجيا فقط ، بل انعكس هذا على كل مناحى
الحياة فيها ، لأسباب مختلفة بعضها أشار إليه الدكتور
جيفرى ماكسون الخبير الاقتصادى المتميز بجامعة كولومبيا
الأمريكية ، حيث أكد أن مرضا مثل الملاريا ، يعد محددا
أساسيا للثراء والفقر فى العالم ، فهذا المرض الذى يجتاح
القارة الأفريقية بعنف ، جعل الانتاج الزراعى متدن فى جميع
دول الصحراء الأفريقية ، فهناك ملايين البشر الذين يعانون
منه ولا أمل لهم فى أى تقدم تكنولوجى إذ أن مجرد بقائهم
أحياء يستنزفهم .
داء ودواء
لقد وضعت العولمة حدا لكثير من المفاهيم التى ظلت سائدة
لسنوات ، وأقفلت الأبواب أمام الشعوب المتخلفة عن الركب
لامتلاك التكنولوجيا ، لكنها فتحت فرصا جديدة أمام فئات
قليلة من تلك الشعوب نفسها ، فقد بات من المشكوك فيه أن
العالم منقسم إلى ثلاث فئات : عالم أول وثان وثالث ففى
كتابهم الصادر عن جامعة هارفارد بعنوان (الامبراطورية) يرى
مايكل هارت وانطونيو نيجرى أن هذا التقسيم انتهىلأننا
أصبحنا نجده فى البلد الواحد ، ففى أمريكا نجد 36% من
الشعب فقراء حسب تقارير الأمم المتحدة ، وهى نسبة مذهلة فى
البلد الأول من الناحية العلمية والتكنولوجية والأنشطة
الاقتصادية ، فهناك تجد من يعيشون فى الشوارع ، وتجد وادى
السليكون . وفى الصين نجد التنولوجيا العالية فى الجنوب
المزدهر، بجوار ريف متخلف يعيش على الزراعة البدائية .
من هنا يمكن أن نزعم أن العولمة نشرت التقدم التكنولوجى فى
العالم كله ، لكن على شكل بقع متناثرة لم تغط سوى جزء صغير
من سكان كل بلد . فقد فتحت الحدود أمام السلع ورؤوس
الأموال ، لكنها أغلقتها أمام البشر .. وتركت كل بلد يحاول
أن يستفيد من البقع التكنولوجية الموجودة به ، والويل
للمجتمعات التى سيظل أفرادها فى غفلة فيظلون مجرد مستخدمين
لتكنولوجيا مستوردة غير قادرين حتى على تطويرها ..هؤلاء
مستقبلهم مجهول وسيظل كذلك .