في عام 1948، حين كانت مصر تعاني من الحكم الملكي
والإقطاع والاحتلال ومن القهر والفقر والتخلف والظلم، وحين
كان الشعب يتطلع إلي تغيير قادم لهذه الأوضاع، انضم الشاب
مصطفي فتحي الهجرسي إلي صفوف المناضلين الاشتراكيين بمدينة
المنصورة، ممن جعلوا من قضية الوطن والشعب قضيتهم التي
يرضون بإكليل الشوك علي الرأس من أجلها، وشارك فتحي في
النضال الحزبي والشعبي لتغيير هذه الأوضاع بحماس وإقدام،
مما دفعه إلي الانضمام إلي فرق الاشتراكيين التي شاركت في
العمل العسكري والدعم اللوجستي للمقاومة الشعبية التي نشبت
من جديد ضد الاستعمار الإنجليزي في القناة عام 1952، وأصيب
بشظية في ساقه أثناء تهريب الأسلحة للفدائيين في عربة نقل
بالإسماعيلية، وقد أظهر فتحي في كل ذلك استقامة في الفكر
وتشددا في الموقف وصرامة في الممارسة.
وفي حوالي مايو 1959، بعد أن قذفت يد البطش بالشيوعيين
والتقدميين والديمقراطيين من النقابيين والمهنيين والعمال
والطلبة والمثقفين والنساء في المعتقلات والسجون، استقبلنا
فتحي - الذي كان يعمل وقتها بوزارة الري والأشغال بالقاهرة
-: أنا طالب الجامعة ابن التاسعة عشرة والزملاء نبيل زكي
ونسيم يوسف ونبيل صبحي ورزق عبدالمسيح وآخرون في عنبر
الطلبة - كما كانوا يسمونه - في معتقل العزب بالفيوم،
والذي حَوّلوه من اسطبل لخيول الجيش الإنجليزي بسيط البناء
والتجهيز إلي معتقل لتجار المخدرات ثم إلي معتقل
للشيوعيين.
وخلف أسلاكه الشائكة بمرأي من مقابر قريبة تذكرنا بالنهاية
المنتظرة لنا وداخل عنابره التي تتساقط من سقوفها جيوش
البق مشاركة في الحرب علينا، وتحت أشعة شمسه الحارقة،
توثقت علاقتي بفتحي ونحن نتعرض ومعنا معتقلو عنابره
الثمانية للإهانة والشتم والترويع والضرب والإيذاء
والتجويع ونقاوم ذلك بالرفض والاحتجاج والامتناع المتكرر
عن الطعام، الذي شارك فيه الجميع مطالبين بالمعاملة
الإنسانية، وقد استطاعت عيونهم المبثوثة بيننا في المعتقل
أن تفرز من تماسكوا وصمدوا ممن تخاذلوا وضعفوا ومن توسموا
فيهم ذلك أيضا، لتبقي الفئة الثانية بمعتقل العزب تمهيدا
لغسل المخ وإطلاق سراحهم وتُنقل الفئة الأولي بعد حوالي
ستة أشهر إلي معتقلين أشدّ وأنكي هما سجن المحاريق
بالواحات الخارجة وسجن أوردي ليمان أبي زعبل الواقع
بالصحراء.
وبعد حفل الاستقبال الوحشي في أوردي أبي زعبل، قذفوا بنا
أنا وفتحي وآخرين في العنبر رقم 6 لنعاني مع المعتقلين
الذين صحبونا من الفيوم والمحبوسين الشيوعيين الذين سبقونا
في السجن من أقسي أنواع التعذيب وانتهاك الإنسانية من ضرب
يومي بالعصي ومن إهانة وسب ومن طوابير الرياضة وكسر
الإرادة والإذلال ومن العمل في استخراج البازلت وتكسير
أحجاره ومن إهمال العلاج والتجويع والحرمان من زيارة الأهل
وباقي حقوق المعتقلين وغيرها من محاولات التصفية البدنية
والمعنوية، حيث أنهكت نفوس وسقط شهداء والتقط البعض بذور
الضعف والمرض البدني أو المعنوي الذي سيصيبهم فيما بعد،
وحيث توالي أيضا احتجاجنا ومقاومتنا لما يجري وحيث حرصنا
علي رفع معنوياتنا.
وواصلنا الصمود، وبعد استشهاد شهدي عطية البطولي أثناء
تعذيبه في حفل الاستقبال الوحشي وافتضاح همجيتهم معنا،
نقلونا من هناك إلي سجن المحاريق وإلي سجون أخري.
وفي سجن المحاريق تعرض فتحي مع المعتقلين هناك لمحاولات
تصفيتنا بالقتل البطيء وبالحصار والحرمان وإهمال العلاج
والتجويع وغيرها، في مكان صحراوي معزول ومناخ قاري قاس،
وقاومنا ذلك بكل ما نملك وبرفع المعنويات وإرادة الصمود
وبالاحتجاج المتكرر وبالإضراب عن الطعام الذي امتد إلي 13
يوما وشارك فيه فتحي واتخذ موقف التشدد في إطالة أمد
الإضراب، الذي انتهي باستجابتهم إلي عدة مطالب لنا، وظللنا
في هذا المعتقل قابضين علي الجمر مستمدين أسباب الصمود
والأمل من المستقبل المضيء الذي نتطلع إليه للشعب
والإنسانية، وقد اتصلت في هذا المعتقل أيضا علاقة المودة
والتقدير بيني وبين فتحي وتبادلنا الرأي والنقاش، وظل علي
صموده وصلابته المعهودة حتي نهاية الاعتقال (1964).
وقد سرني لقاؤه بالمصادفة عام 1965 بعد إطلاق سراحنا في
عطلة له من عمله بالبحر الأحمر، ليتكرر اللقاء بعد ذلك
ويتقارب بعد استقراره بالقاهرة ثم زواجه حتي تحولت علاقتنا
إلي صداقة وثيقة، وقد ازداد تقديره وحماسه لي علي نحو
يقترب من التبني حين انهمكت في حركة طلبة الجامعة في
الستينيات ثم في السبعينيات الماضية وفي نضال اليسار ضد
سياسات السادات التراجعية والذي عرضني للحبس مرتين
ولمضايقات الأمن ومطاردته، وكان فتحي يتابع باهتمام وتعاطف
أنباء حركة الطلبة التي احتجت علي صانعي هزيمة 1967
واحتضنت قضية تحرير الوطن وتسليح الشعب وطالبت بالحريات
العامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، آملا أن توقظ
الهمم وتستنهض قوي اليسار وتصحح مسار الوطن، وكان القريبون
منه من مناضلي اليسار من الشباب الجدد مناط اعتزازه
ورجائه: أنا وفاتن فضة وكمال خليل زوجها والراحل جوزيف
نادر بولس وقريبتيه نجوي فكري والدكتورة شهيدة الباز
وآخرين، إلي جانب زوجته صفاء صفوان التي واصلت المسيرة مع
المناضلين الجدد، وكنت أخالفه وأمازحه في نزعته للتشدد
المصحوبة بالإعجاب بستالين وأساليبه التي لازمت ظروف العمل
السري السابق فيتقبل الأمر بسماحة، وفي بيته وجدت الملاذ
من أعين الأمن - في عطلة العيد - بعد مشاركتي في انتفاضة
طلبة جامعة القاهرة وفي اعتصامهم الكبير عقب قمعه في يناير
1972، مثلما وجدته الزميلة فاتن فضة التي احتضنها هو
وأسرته بعد احتجاجات طلبة الجامعة عام 1973 ثم بعد مظاهرات
عمال حلوان عام 1975، ومثلما كان يقدم مساعدته لشباب
المناضلين عند الطلب، كان يقدمها لمناضلين قدامي استأنفوا
النضال من جديد، فقد ظل يري في الاشتراكية أملا وخلاصا
للوطن والبشرية رغم ادلهام الأفق.
وقد عاني من مرض السكر ومن الوهن الذي منعه من مغادرة
المنزل في الأعوام الأخيرة ولقاء الأصدقاء.
وجاء رحيله - في 27 أكتوبر 2005 عن 76 عاما - بالغ الوقع
علي نفسي بقدر ما أكنه له وللسيدة صفاء من إعزاز وتقدير
لما أحاطونا من محبة وحنو وما قدموه لنا من عون فسلاما يا
صديق، وعزاء للسيدة صفاء رفيقة رحلته ولابنته ندي
وللأصدقاء.