في الأربعينيات، وفي كلية طب قصر العيني، عرف الطلبة
المصريون فريد حداد مدافعا عن استقلال مصر، مكافحا ضد جيش
الاحتلال الإنجليزي، متصديا لمشاريع الاستعمار: صدقي -
بيفن، وخشبة - كامبل، وعرفه الطلبة مناضلا من أجل تحقيق
المطالب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للطلاب.
ويواصل فريد نضاله في صفوف الحركة اليسارية، فعرفته جماهير
الطبقة العاملة والطبقات الشعبية الكادحة، المدافع الأمين
عن مصالحها ومطالبها.
وفي غيبة الحريات الديمقراطية، وفي ظل الأحكام العرفية
التي فرضها إبراهيم باشا عبد الهادي تفتح المعتقلات،
ويعتقل فريد حداد، وبعد إلغاء الأحكام العرفية، يخرج فريد
من المعتقل أكثر صلابة وإيمانا بقضايا الشعب المصري،
ويواصل نضاله ضد الحكم الملكي وضد الاستغلال والمستغلين.
وينهي فريد دراسته ليصبح طبيبا .. فلم تكن مهنة الطب
بالنسبة له تجارة .. ولكنه كان إنسانا يؤمن بأن العلاج حق
للجميع .. فعرفه أهالي شبرا مصر وعمال شبرا الخيمة وأهالي
القاهرة طبيبا مخلصا في عمله، أمينا في مهنته، فكانت
عيادته في شبرا شبه مجانية لمن يحتاج العلاج ولمن لا يجد
ثمن الدواء .. يسهر علي مرضاه حتي الشفاء .. كما عرفته
نقابة الأطباء مدافعا عن حقوق الأطباء..
وفي إحدي ليالي نوفمبر الباردة، وفي الطريق إلي بيته
ليلتقي بزوجته أيدا وابنيه وديع وسامي وابنته مني تنزعه
الأيدي المجرمة إلي معتقل القلعة، لتعتقله السلطات في
الحملة الطائشة المجنونة ضد كل القوي الوطنية والديمقراطية
المعادية للاستعمار، وفي ظل حملة مسعورة.
وفي معتقل القلعة وفي الأيام المعدودة التي قضاها فريد
هناك يواصل الرجل مهامه لا كطبيب يقدم لزملائه المعتقلين
العلاج فحسب، بل يقيم حياة عامة للمعتقلين.
كانت التهمة الموجهة إليه أنه يعالج عمالا ونقابيين وعناصر
هدّامة وكثيرا من عمال وفقراء شبرا وكثيرا من اللاجئين
الفلسطينيين، وعائلات المعتقلين مجانا، والمطلوب منه أن
يقدم كشفا بأسماء مرضاه وعناوينهم!.
واحتراما للقسم الذي قطعه علي نفسه كطبيب بالحفاظ علي
أسرار المهنة، وحرصه علي سلامة مرضاه، يرفض الطبيب فريد
حداد طلب المباحث العامة.
وفي 28 نوفمبر 1959 يتم ترحيل فريد حداد إلي معسكر تعذيب
أوردي ليمان أبو زعبل، كان يرافقه: نسيم يوسف، سعد الطويل،
أحمد الجبالي، أحمد عبد العال، والمرحومان عبد الله
الزغبي، وأنور نعمان.
وعند وصولهم إلي المعتقل ونزولهم من سيارة الترحيلات إذ
بهم يفاجأون بعساكر منبطحين أرضا وأمامهم مدافع سريعة
الطلقات وفي وضع الاستعداد لإطلاق الرصاص.
كان في استقبالهم:
رائد صاغ حسن منير، نقيب يوزباشي يونس مرعي، نقيب يوزباشي
مرجان إسحق، صول محمد مطاوع، وعدد كبير من العسكر وفي يد
كل واحد منهم شومة.
طلب مرجان إسحق من الجميع تسليم أماناتهم وكل شيء معهم،
وكانت دبلة زواج فريد محشورة في إصبعه، حاول خلعها، فلم
يتمكن، فصاح حسن منير اقطعوا صباع ابن ... وأخيرا نجح
العسكر في انتزاع الدبلة، ثم صدرت الأوامر بخلع الملابس
كما ولدتهم أمهاتهم والجلوس قرفصاء، كل هذا والشوم ينهال
علي رءوسهم وأجسامهم .. والدماء تسيل من أجسامهم ..
والأوامر وصيحات الحرب وأقذر الشتائم، وحلق شعورهم .. كان
حسن منير قائد المذبحة.
بدأ يونس مرعي يسأل فريد: اسمك يا ابن .. فريد حداد،
بتشتغل إيه يا ابن ... طبيب، طبيب روسي يا ابن ...... ،
يرد فريد: أنا طبيب مصري، فيتصاعد جنون مرعي وينهال عليه
بالشومة علي كل مكان في جسمه، وأصابته شومة علي مؤخرة
رأسه، فيسقط علي الأرض والدماء تسيل من رأسه فينهال عليه
بالضرب حتي يفيق، ويتقدم إليه التومرجي ويمرر علي الجرح
بقطعة من الخشب في آخرها قطنة بميكروكروم في طرفها.
وبعد أكثر من ساعتين من الضرب تتسلم المجموعة ملابس السجن
ويأمرونهم بالجري وسط صفين من الجنود والضرب مستمر وهم
حفاة إلي ما سمي بحجرة المغسلة ليلبسوا ملابسهم ، واستمروا
في ضربهم ووجوههم إلي الحائط.
وطلبوا منهم أن يقولوا: أنا مرة ولم يستجب أحد وسقط فريد
للمرة الثانية .. ثم أمروا المجموعة بالجري إلي زنازين
التأديب.
دخل فريد زنزانة التأديب ورافقه في الزنزانة: نسيم يوسف،
سعد الطويل، أحمد الجبالي، وبعد غلق الزنزانة، بدأ الكل
يئن من آثار التعذيب الوحشي .. وتوقف صوت فريد فحاول سعد
نسيم عمل تنفس صناعي له وتدليك القلب .. ولكن قلب فريد قد
توقف إلي الأبد .. وسقط فريد حداد شهيدا، فتحوا الزنزانة
.. وقال الشاويش عبد الحليم: الواد ده ما بيتحركش ليه،
فقاموا بجره من قدميه إلي خارج الزنزانة وانهالوا عليه
ضربا حتي يفيق علي حد قولهم .. وتوقف الضرب واكتشفوا أنه
فارق الحياة.
قام طبيب السجن وأحد المسئولين عن حوادث القتل والتعذيب
الدكتور أحمد كحال بتزوير شهادة وفاة بأن فريد حداد مات
بالسكتة القلبية وأحمد كحال هذا لم يكن مزوراً وحسب، بل
خان القسم الذي أقسمه يوم باشر مهنة الطب، بل خان الأمانة
المهنية لزميل له في المهنة ويبدو أنه لم يحن الوقت لأن
تقوم نقابة الأطباء بإدانة هذا العمل المزري وتكشف خيانة
هذا الشخص للقسم وللنزاهة!.
وضعت الجثة المشوهة من جراء التعذيب في نعش مسمّر ومختوم
بالشمع الأحمر وسلم النعش إلي زوجته الساعة 3 صباح 29
نوفمبر مع الأمر بدفنه فوراً وبدون فتح الصندوق.
طلب أهل الشهيد إجراء عملية تشريح للجثة ولكن المباحث
العامة رفضت.
وفي صباح 30 نوفمبر 1959 خرجت جريدة الأهرام بالنعي
التالي: ايدا وأولادها وعائلات حداد مكاوي وحنا بمصر
والأردن ولبنان ينعون بمزيد الحزن والأسي المأسوف علي
شبابه الدكتور فريد وديع حداد زوجها ووالدهم وشقيقهم وقريب
ونسيب الباقين المنتقل إلي الأمجاد السماوية صباح 28
نوفمبر 1959.
وفي نوفمبر 1960 أصدر أبو سيف يوسف سكرتير الحزب الشيوعي
المصري بيانا إلي جميع الوطنيين الشرفاء، إلي الكتاب
والصحفيين وإلي المحامين ورجال القانون وإلي رجال الفكر
وأساتذة الجامعات وإلي الأحرار في كل مكان يطالبون بوقف
هذه المجزرة الرهيبة.
وفي نوفمبر 1961 أصدر كل من: نسيم يوسف وأحمد الجبالي وسعد
الطويل وعبد الله الزغبي وأنور نعمان وأحمد عبد العال -
كشهود عيان علي قتل الشهيد فريد حداد - بيانا يطالبون فيه
بالتحقيق.
كما سجل اغتيال فريد حداد في عدد كبير من القضايا وأمام
النيابات المختلفة، وأمام القضاة، ولم يتم التحقيق حتي
الآن في اغتيال الشهيد فريد حداد، ولم يحاسب أحد.
تم هذا في ظل قانون الطوارئ التي كانت معلنة ومازال قانون
الطوارئ ساريا .. تم هذا في ظل فتح المعتقلات والسجون
ومعسكرات التعذيب، ومازالت المعتقلات مفتوحة حتي الآن ...
تم هذا في ظل إهدار لحقوق المواطن الإنسانية وحرمانه من
المعاملة الإنسانية اللائقة .. ومازال المواطن محروما من
حقوقه. قضايا الضرب والتعذيب والقتل لا تسقط بالتقادم.