بعد معارك طويلة من أجل الديمقراطية والعدالة والإصلاح
فارس الديمقراطية يغيب عن البرلمان
عبدالستار حتيتة
خالد محيي الدين قاد القوي الوطنية من أجل
ترسيخ مبادئ التعددية والحوار وتبادل السلطة
أول إجراء عملي قام به خالد محيي الدين عند دخوله مجلس
الشعب في بداية التسعينيات كان هو ذات الإجراء الذي حاول
أن ينفذه عندما كان عضوا في مجلس قيادة الثورة، وهو تحقيق
الديمقراطية.. ولذلك بادر بتقديم اقتراح بمشروع قانون
للبرلمان يقضي بفتح الطريق أمام الأحزاب لممارسة نشاطها
بين الجماهير، وعرض برامجها وإقامة مؤتمراتها في الأماكن
العامة، واحترام التعددية، وغيرها.
في كل المقترحات التي بادر خالد محيي الدين بتقديمها لمجلس
الشعب طوال الخمس عشرة سنة الماضية، كان يحرص علي المطالبة
بتغيير الكشوف الانتخابية، بحيث يكون تسجيل الناخبين في
تلك الكشوف بناء علي بطاقة الرقم القومي.
في عام 1954 كان أمام خالد محيي الدين خياران.. الخيار
الأول هو أن يتخلي عن مبادئه الإنسانية الراقية، وأن ينحاز
لزملائه الغاضبين من الكلام عن الديمقراطية.. والخيار
الثاني كان هو إعلان موقفه في مجلس قيادة الثورة، وهو تخلي
العسكر عن الحكم، والعودة لثكناتهم، وترك أمور إدارة
الدولة للسلطة المدنية.. أي لأركان الدولة الثلاثة:
البرلمان، والقضاء، والحكومة.. البرلمان يشرِّع ويراقب،
والقضاء يحكم بالعدل بين السلطات وبين المواطنين،
والحكومة، أي السلطة التنفيذية، تدير الدولة، بعد أن يتم
اختيارها من الأحزاب عبر انتخابات نظيفة.. وكانت مثل هذه
التطلعات هي التي تشغل بال خالد محيي الدين، وهي التي
تسببت في نفيه خارج مصر من زملائه الضباط الطامعين في
السلطة الأحادية والرافضين للديمقراطية والتعددية.
عراقيل ومشاكل وظلت قضية الديمقراطية هي الشغل الشاغل لخالد محيي
الدين في السبعينيات والثمانينيات والستعينيات.. وكانت هذه
القضية هي السبب في العديد من العراقيل والمشاكل التي
واجهت خالد محيي الدين وهيئته البرلمانية، وحزبه.. حزب
التجمع، وأول مبدأ في الديمقراطية كان يخيف المسئولين
المتسلطين الملتصقين في كراسي الحكم، هو الحوار.. وهو
مقارعة الحجة بالحجة، وهو الاحتكام إلي القانون والدستور
واللوائح المنظمة للعمل وللعلاقة بين سلطات الدولة.. ولم
يتحمل الرئيس الراحل أنور السادات الحوار، وأغلق جريدة
الأهالي، وأعتقل العديد من قيادات وكوادر حزب التجمع.. في
أواخر السبعينيات، ولم يكن هناك أحد في الحكم في ذلك الوقت
يرغب في المناقشة الموضوعية لسياسة الانفتاح، ولا لسياسة
التطبيع مع العدو الصهيوني، ولا لغيرها من السياسات التي
تؤثر بشكل مباشر في الأمن القومي المصري.
ضد التطرف وتجدد الأمل في تحقيق الديمقراطية مرة أخري أمام خالد
محيي الدين، وذلك في أول انتخابات برلمانية في ظل حكم
الرئيس حسني مبارك، عام 1984، وهي الانتخابات التي كان
يمكنها أن تغير وجه مصر إلي الأفضل منذ ذلك الوقت إلي
الآن، لو كان قد تم إجراؤها بالحيدة والنزاهة الواجبة..
لكن المشكلة هي أن أول انتخابات في عهد الرئيس مبارك أدخلت
مصر في نفق مظلم كل ما فيه هو تزوير إرادة المواطنين،
والتلاعب في نتائج الفرز، واحتكار الرموز الانتخابية
لمرشحي حزب بعينه دون الآخر، أو باختصار.. وجد خالد محيي
الدين نفسه وكأنه يتوجب عليه أن يبدأ من جديد رحلة
المطالبة بالديمقراطية.. وأن يواصل معاركه من أجل احترام
الآخر، ومن أجل إشاعة روح الحوار وروح الاختلاف، وتغليب
المصلحة العامة علي المصالح الخاصة، وخاض حزب التجمع،
بقيادة خالد محيي الدين، جولات عديدة طوال الثمانينيات من
أجل قانون انتخابات جديد لإنقاذ مستقبل مصر من احتكار
السلطة، ومن أحادية الفكر وأحادية الرأي.. أي من التطرف،
ولذلك جمع خالد محيي الدين توقيعات كثيرة من زملائه النواب
في مجلس الشعب حين أصبح نائبا فيه في بداية التسعينيات لكي
يحقق حلمه وحلم حزب التجمع، وحلم الشعب المصري في قانون
جديد لمباشرة الحقوق السياسية يقضي علي التزوير ويحول دون
سيطرة رأس المال علي الانتخابات، ويعطي الحرية للنشاط
الحزبي.
الإصلاح وظل القائمون علي شئون الحكم في مصر يرتعدون من
الديمقراطية ومن الحوار ومن التعددية.. كانوا يخافون من
خالد محيي الدين، لأنه أثبت بطريقة عملية، وعبر سنوات
ومواقف وتضحيات، أنه لا يبتغي من وراء وجوده علي الساحة
السياسية غير مصلحة الشعب المصري، وإنقاذ مستقبل هذا الشعب
من الفتن ومن الانشقاقات ومن المعارك الفارغة.
لكن المفكرين داخل ما يسمي ب الحزب الوطني الديمقراطي
المزعوم واصلوا العمل علي رفض كل محاولات الإصلاح، وترك
مطالب ومقترحات ومشروعات القوانين التي تقدم بها خالد محيي
الدين في أدراج مجلس الشعب.. ولم تتم إحالتها إلي اللجان
المختصة، ولا مناقشتها تحت القبة.. وكانت محاولات الإصلاح
التي بدأها زعيم التجمع منذ سنوات بعيدة، هي السبب في ظهور
الكثير من الأصوات الوطنية المخلصة التي رأت أن قوة الدولة
لن تتحقق إلا إذا تحققت مبادئ الشفافية والتعددية والحوار
والاختلاف وتبادل السُلطة.. وحين بدأت المبادرات الأجنبية
في الظهور خلال العامين الماضيين، كانت تعتمد بشكل أساسي
علي معظم المطالب الإصلاحية التي وضعتها القوي الوطنية علي
أجندتها بدءا من مطالب التجمع وبقية الأحزاب، حتي منظمات
المجتمع المدني والنقابات وغيرها.. والغريب والمحزن، أن
سلطة الحكم أبدت استعدادا للتحاور مع الأجنبي علي الإصلاح
ولم تتحاور مع المصريين المخلصين، والغريب والمحزن أيضا أن
سلطة الحكم فضّلت تقديم تنازلات للمستعمر والأجنبي، لكي
تستمر في الانفراد بالسلطة، والتهرب من الديمقراطية.
مطالب معلقة وإذا راجعت حياة خالد محيي الدين السياسية، سوف يدهشك
أنه يتبني ذات المطالب التي شارك زملاءه الضباط في عام
1952 لتحقيقها.. وهي الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية،
والتخلص من سيطرة رأس المال علي الحكم، وغيرها.. وسوف
يدهشك أكثر أن هذه المطالب ظلت معلقة منذ قيام ثورة يوليو
حتي الآن، بغض النظر عن المكاسب الاقتصادية التي حققتها
الثورة لجموع العمال والفلاحين والموظفين وغيرهم.. وفي
الوقت الذي كان فيه خالد محيي الدين يتبني وجهة النظر
الاقتصادية ذاتها إلي حد ما، إلا أنه كان يريد لها أن
تترسخ أكثر، وأن يوضع لها أسباب الاستمرار، والتطوير
والمنافسة.. لكن كل هذا المشروع الاقتصادي الكبير تم ضربه
في مقتل مرتين.. الأولي حين اعتمد السادات علي سياسة
الانفتاح، والثانية حين اعتمد مبارك علي سياسة الخصخصة
وبينما كان خالد محيي الدين، وحزب التجمع، يطالبان بتطوير
القطاع العام، وزيادة الاعتماد علي الإنتاج الوطني، ورفع
كفاءة الدولة في إدارة الآلاف من المصانع والشركات، وفوجئ
الجميع بأن الدولة قررت التخلص من كل وسائل الإنتاج التي
تملكها، وحدث ذلك بالفعل، وظل التجمع وزعيمه، يحذران من
هذه السياسة ولا تخلو مضابط مجلس الشعب من الاستجوابات
وطلبات الإحاطة وبيانات الرد علي سياسات الحكومة، التي
قدمها خالد محيي الدين وحزب التجمع.
الفقراء والأغنياء كانت المشكلة التي فصّلها التجمع وزعيمه في مجلس
الشعب، تتلخص في أن بيع ممتلكات الدولة سوف تحرم ملايين
المواطنين من العديد من المزايا الأساسية، وعلي رأسها
التوظيف، وخلق فرص عمل جديدة. بالإضافة إلي أن بيع أصول
الدولة من شركات ومصانع سوف يضيف إلي سوق البطالة آلاف
مؤلفة من الأيدي العاملة الماهرة، المطرودة من محال عملها
في القطاع العام.
وعلي ذلك أخذت الأجور تتدهور.. والفقراء يزدادون فقرا،
والأغنياء يزدادون غني.. وكل هذه الوقائع كان يتوقعها خالد
محيي الدين، وكان يحذر منها منذ بدأت سياسة الانفتاح، ثم
سياسة الخصخصة، وسياسة الاعتماد علي روشتات صندوق النقد
والبنك الدوليين، وروشتات الوكالة الأمريكية للتنمية
الدولية المعروفة باسم المعونة.
اليأس والأمل كان يمكن لرجل غير خالد محيي الدين أن يصيبه اليأس،
بعد كل تلك الإحباطات والانتكاسات التي تتسبب فيها السلطة
التنفيذية، وقيادات الحكم، سواء كانت تقصد، أو لا تقصد..
كانت الأمور في مصر تسير من سييء إلي أسوأ، في جميع
المجالات.. وكان خالد محيي الدين يزداد قوة وإصراراً علي
قول الحق، وعلي التحذير من خطورة تلك السياسات علي مستقبل
البلاد والعباد.. رافضا ربط مصير مصر بمصير القوي السياسية
والاقتصادية المتربصة بالمنطقة العربية، وفي القلب منها
مصر.. ولذلك كان هو الوحيد تقريبا في مجلس الشعب الذي عارض
علي مدي سنوات ربط الجنيه المصري بالدولار وربط مصير
الاقتصاد المصري بما يريده المستشارون الأجانب وتوجهاتهم
المشبوهة.. محذرا في الوقت نفسه من سياسة الاقتراض من
الخارج، ومن زيادة الفوارق بين الطبقات، ومن ارتفاع معدلات
الفقر والبطالة وتدني المرتبات وتهرب الأغنياء من سداد
الضرائب المستحقة للدولة، وقيام الدولة بفرض العديد من
الضرائب غير المباشرة علي الفقراء، مثل الرسوم والتمغات
وغيرها.
لا حياة بدون دعم كانت من مطالب خالد محيي الدين المحددة، إنشاء مجلس
أعلي للأجور للموازنة بين الأسعار وبين ما يتقاضاه
المواطنون من مرتبات ومكافآت وحوافز، بحيث تتحقق الحدود
الدنيا علي الأقل من الحياة الكريمة لكل المصريين.. وكان
من مطالب خالد محيي الدين أيضا إعادة النظر بالكامل في
الأجور، لأنها لم تعد تتناسب مع ارتفاع أسعار السلع
والخدمات.. وكان المطلب الدائم الذي تبناه خالد محيي الدين
وحزب التجمع هو الدعم.. وفي آخر جلسة تحدث فيها زعيم
التجمع في البرلمان، حذر بشكل صريح من الاقتراب من الدعم
بالتخفيض أو التقليص، قائلا إن الشعب المصري لا يمكنه أن
يتحمل الحياة بدون وجود دعم مباشر من الدولة للسلع
والخدمات في الصحة والتعليم والنقل والمياه وغيرها.
الفارس أول من اتصل بمقر حزب التجمع صباح اليوم التالي لإعلان
نتيجة الانتخابات في كفر شكر، كان هو خالد محيي الدين0 وفي
الوقت الذي كانت فيه سكرتارية الحزب تجلس في الصباح الباكر
وحدها تبكي، وهي لا تصدق خسارة البرلمان لواحد مثل زعيم
التجمع، فوجئت برنين الهاتف، وكان علي الطرف الآخر خالد
محيي الدين 00 كان يطمئن علي أن الشكاوي والمطالب
والمكاتبات الخاصة بأبناء دائرته وغيرهم من المواطنين تسير
في طريقها الصحيح، منبهاً علي ضرورة إجراء الاتصال الفلاني
لحل مشكلة المواطن العلاني لدي الوزارة المعنية، أو
المديرية المختصة0
هو خالد محيي الدين ذاته، لم يتغير إلا إلي الأمام00 منذ
خرج علي رأس سلاح الفرسان (المدرعات) عام 1952 للإطاحة
برموز الفساد وبحلفاء الاستعمار، وحتي وقوفه بين كوادر حزب
التجمع بالمقر المركزي، صبيحة نتيجة انتخابات الإعادة،
كالفارس الصلب، الذي لا تكسره أنواء الزمن، ولا تؤثر فيه
النتائج المرحلية، والظروف الوقتية00 هو ذاته خالد محيي
الدين الذي أصر علي تطبيق اللائحة الداخلية في حزب التجمع،
علي نفسه، وأن يتخلي بالديمقراطية عن مقعد رئاسة الحزب00
وأن يضرب المثل بنفسه للأجيال القادمة في تداول السلطة،
وفي التغيير وفي العمل من أجل مصلحة مصر من أي موقع كان0
العقل والضمير وسوف يتساءل مجلس الشعب، بجدرانه العالية، وقبته
المستديرة00 سوف يتساءل : لماذا لم يأت خالد محيي الدين
هذه المرة00 وسوف يفاجأ بأن الأمور قد تطورت في مصر إلي
الأسوأ00 سوف تتردد بين حوائطه الصرخات والمجادلات
الفارغة، وسوف يفتقد لصوت العقل والضمير الحي00 كان خالد
محيي الدين، وطوال أكثر من 15 سنة قضاها دون انقطاع نائبا
في البرلمان، يحرص علي حضور جلسات المجلس في مواعيدها0
والموعد الرسمي لبدء الجلسة دائما هو الحادية عشرة صباحا00
وتري خالد محيي الدين وهو يجتاز الباب الكبير للقاعة،
ويتخذ موقعه في ركن المعارضة، وينظر حوله، فلا يجد أحداً
من أعضاء المجلس قد حضر00 ويستغل الوقت في مراجعة جدول
الأعمال المقترح للمجلس، ومراجعة ما جاء من مشروعات قوانين
وقرارات00 هكذا حتي يبدأ النواب في الوصول، وحتي تبدأ
الجلسة متأخرة عن موعدها بساعة وأحيانا ساعتين00 كان معظم
النواب وقيادات المجلس والحكومة كأنهم يتعمدون تبديد وقت
مجلس الشعب، ماعدا خالد محيي الدين، الذي داوم علي مدي
سنوات علي الحضور في الموعد المحدد، وكأنه يريد بذلك أن
يبلغ رسالة لباقي النواب، وهي أن الوقت المخصص للجلسات هو
ملك للشعب، وأن ما يفعله من التزام هو الصحيح، وأن ما
يفعلونه من تأخير واستهتار في كثير من الأحيان، بأنه
الخطأ00
ضد التفويض
إن صورة خالد محيي الدين وهو يجلس وحده تحت القبة، بينما
جانب كبير من النواب يتمازحون ويسمسرون ويدخنون في بوفيه
البهو الفرعوني، ستبقي عالقة في أذهان الكثير من النواب
الذين كانوا يتعجبون من إصرار خالد محيي الدين علي
الالتزام، وعلي إحراج الآخرين، في السياسة والاقتصاد وفي
الإخلاص لهذا الوطن وشعبه المغلوب علي أمره00 لقد أحرج
خالد محيي الدين، وهيئته البرلمانية، الجميع حين عارض علي
مدي سنوات التمديد لرئيس الجمهورية في اتخاذ قرارات لها
قوة القانون في مجال الإنتاج الحربي، وهو إجراء يقوم فيه
مجلس الشعب بمنح ذلك التفويض كل ثلاث سنوات00 وفي آخر مرة
وقف خالد محيي الدين والهيئة البرلمانية للتجمع ليرفضوا
هذا التفويض الذي لا مبرر له، والغريب أن كل النواب
الآخرين وافقوا علي منح رئيس الدولة ذلك التفويض، بمن فيهم
نواب جماعة الإخوان المسلمين0 كان البعض يريد من خالد محيي
الدين أن يتنازل للسلطة00 أن يتنازل لأشخاص في السلطة، لكن
زعيم التجمع، الذي رفض أعلي المناصب في العهود السابقة،
كان رجل مبادئ يعرف ما يتفق مع القانون ومع الدستور، ومع
المصالح العليا للشعب، وما لا يتفق مع مستقبل الدولة
وأمنها واستقرارها0 رفض الطوارئ، رفض ارتماء السياسة
المصرية في أحضان العدو الأمريكي- الصهيوني00 ووقف دائما
ضد الفساد وضد المفسدين والمحتكرين والمتلاعبين بالشعارات
الكاذبة، وسوف يدرك الشعب المصري أنه خسر خسارة كبيرة حين
ينظر لقاعة مجلس الشعب ولا يجد فيها خالد محيي الدين0