ما الفارق بين فكر بن لادن والظواهري والزرقاوي
وطالبان وغيرهم.. وبين الممارسة الفعلية للدول الإسلامية..
إنهم يسعون إلي تمايز الإسلام ديار الإيمان ورفض الآخر
ديار الكفر.. والدول الإسلامية الرسمية تعلن ذلك وتمارسه
بالفعل من خلال إعلان نفسها مجموعة الدول الإسلامية دول
دينية متميزة في مواجهة جميع دول العالم، أوروبا لا تعلن
أنها مجموعة دول مسيحية بل رفضت النص علي ديانة تميز
المجموعة مع أن ديانة المسيحية تجمعهم جميعا ولم تعلن
أمريكا أنها اتحاد ولايات مسيحية مع أن الديانة المسيحية
بكل مذاهبها تتغلغل في كيان حالة الاتحاد.
لكن الدول الإسلامية تصر علي كيان ديني مع أنها بالإمكان
أن تعلن وجودها ككيان إقليمي لكن الإصرار علي التمايز
الديني ليس في الحياة الخاصة فقط بل يتغلغل إلي السياسة
والاقتصاد والسلوك قبل الغير.. ولعل هذا التمايز الذي
تعلنه الدول الإسلامية وراء كل الأفكار والنظريات التي
تتحدث عن صراع الحضارات وحتمية الصدام بين الحضارتين، تلك
الأفكار التي أقنعت العالم بأن إسرائيل دولة محاصرة دينيا
علي الحد الذي جعل الرئيس الأمريكي جورج بوش يتشدد عند
الحديث عن إسرائيل بذات الصفة الدينية الدولة اليهودية.
التعبير الجديد المستجد الذي أطلقه الرئيس الأمريكي جورج
بوش عن إسرائيل واصفا إياها ب الدولة اليهودية.. لم يكن
هذا التعبير مجرد لغو أو إضافة سياسية لاسم إسرائيل بل
نقول إنه جاء بمثابة إعلان عن وجود دولة دينية يهودية بين
دول دينية إسلامية ولا يجب علينا أن نغفل أو نتغافل عن هذا
المقصود خاصة إذا كان صادرا عن جورج بوش، الأمر الذي يفرض
علينا أن نتحاور معا ونحاور الآخرين أيضا في كل المستجدات
علي الساحة الدولية.
مصيبتنا في المنطقة أننا ركزنا منذ فترة في إعلان وجودنا
علي الخريطة الدولية السياسية والاقتصادية علي التمايز
الديني في تعاملاتنا، رغم أن هذا التمايز الديني لم يسفر
عن تعاملات حيوية جادة فيما بين أعضاء هذا التكتل، حيث إن
التعاملات الأكبر والأميز تتم مع غير أعضاء التكتل، فنحن
نري أن حجم التعامل التجاري بين أعضاء هذا التكتل لا تزيد
نسبته علي 12% من حجم تعامل هؤلاء الأعضاء مع دول ربما
تعارضت مصالحها الحيوية من توجهات سياسية أو فكرية مع
مصالح الدول أعضاء التكتل.
برز هذا التمايز الديني بشكل قوي في أعقاب نكسة يونية 1967
وبدأت الورقة الدينية تطل علينا لتشكل فحواها كل نواحي
الحياة السياسية والاقتصادية وطالت أيضا الحياة
الاجتماعية.. حتي أفرزت أنماطا سلوكية فيما بين أعضاء
الأسرة الواحدة، ولما كانت الموروثات تتعارض إلي حد ما مع
مضمون الورقة، فقد شاهدنا تناقضات ونفور داخل الأسرة
الواحدة.
أخطر ما أفرزته هذه الورقة هو الفرز بين أبناء المجتمع
الواحد بسبب العقيدة أو الجنس أو الرأي السياسي، الأمر
الذي دفع بالمجتمع إلي الخلف مئات السنين وليس ذلك فحسب
فإن عملية الفرز لم تقتصر علي المجتمع الذي نعيش فيه بل
امتد إلي مجتمعات أخري اتسعت لتضم بعض من أصحاب الورقة
الدينية فرأينا صراعات وقضايا ومظاهرات، وآخر الأمر قنابل
ومتفجرات تعلن عن الوجود المتميز لانتماءات تيارات في دول
التكتل.. مع أن هذه المجتمعات اتسعت لنا من أجل لقمة عيش
توافرت لهم، فإذا بهؤلاء يتحولون إلي منغصات للمجتمعات
التي اتسعت لهم ووفرت لهم لقمة العيش.
كنا نتحدث عن دول المنطقة بمسمي الدول العربية أو دول
الشرق الأوسط وفي أعقاب نكسة 1967 بدأت تطل بقوة إضافة
الدول الإسلامية حيث سيطرت في جميع الأحاديث والتعبيرات
ونسينا تماما كلمة الدول العربية.. وأصبح الحديث كله تحت
مسمي الدول الإسلامية شاملا حتي لبنان بكل ما يمكن أن يزيد
في مشاكله الداخلية خاصة بعد أن اكتوي بحرب أهلية برزت
خلالها تيارات التمايز في محاولة لإحداث خلل في التوازن
الداخلي للدولة الشقيقة، وكلنا لايزال يذكر تفاصيل كثيرة
عن تمويل من دول جوار سعت إلي توسيع الفجوة بين أبناء
الوطن علي أساس من العقيدة.
ورغم أن هذا التمايز العقائدي برز أمام العالم ككتلة
واحدة، إلا أن الصراع بين الدول الأعضاء لم يكن خافيا،
فالدول التي تعتبر نفسها أكثر تعبيرا عن الكتلة المتميزة،
والدولة التي تري أنها تملك الموروث المعبر عن هذا
التمايز.. وإن كانت كل هذه القوي المتصارعة داخليا توجه
سهامها نحو مصر التي بحكم الجغرافيا والتاريخ هي المؤهلة
للقيادة وإن اختلفت تماما عن الرؤي الفكرية للكثير من دول
التكتل الفاعلة، وكان نصيب مصر عملية الاغتيالات والإرهاب
الممولة والموجهة من بعض هذه الدول التي توهمت أنها مؤهلة
لمكانة مصر.
لا أريد أن أستغرق في رد الفعل دون تناول الفعل نفسه، فقد
ظهرنا للعالم وأظهرنا وجودنا الدولي تحت مسمي متميز علي
أساس العقيدة الدينية، فبينما العالم يتحدث عن تكتلات
إقليمية جغرافية كمثل المجموعة الأوروبية.. وكمثل الافتا
والنافتا والآسيان وكتلة جنوب شرق آسيا وكتلة أمريكا
اللاتينية والكوميسا وسائر المجموعات الأفريقية برزنا نحن
بلا حرج كتلة الدول الإسلامية من شتات قارات آسيا
وأفريقيا، في الدول الإسلامية التي تفسح المجال لعملها،
ولعله ليس خافيا أن بنوكا إسلامية تشكلت وتسجلت في الخارج
وظيفتها تمويل الإرهاب علي نحو ما هو ثابت وموثق، ناهيك عن
بنوك أسستها وكالة المخابرات الأمريكية كمثل بنك الاعتماد
والتجارة لتمويل الأفغان العرب بقيادة بن لادن وعمر
عبدالرحمن ولا بأس من غسيل أموال تجارة المخدرات كما في
تقرير للكونجرس الأمريكي عن هذا البنك واستخدام أموال
المخدرات في تمويل الجهاد الأفغاني.
وبينما نسمع عن اجتماعات وزراء الخارجية الأفارقة أو وزراء
خارجية دول أمريكا اللاتينية أو وزراء خارجية الدول
الأوروبية نجد أننا ندعو إلي اجتماعات وزراء خارجية الدول
الإسلامية، العالم يتحدث جغرافيا ونحن نتمايز دينيا..
وهكذا تصاعدا من.. وزراء الخارجية إلي وزراء الاقتصاد
ورؤساء الوزارات حتي القمة.. وضاعت أو ضعفت بهذا التمايز
جامعة الدول العربية حيث هي في مجموعها دول إسلامية
باستثناء جمهورية لبنان من إشكالية هذا التمايز الديني.
العالم كله شهد قيام بنوك تنمية علي أساس إقليمي وجغرافي،
علي غرار بنك التنمية الأفريقي، بنك التنمية الآسيوي، بنك
التنمية لدول أمريكا اللاتينية، البنك الأوروبي للتنمية
وبدل التعامل مع هذه البنوك والتواجد فيها بحيوية أنشأنا
البنك الإسلامي للتنمية ولا يعرف ماهو الفرق بين طبيعة عمل
هذا البنك الإسلامي وبين طبيعة عمل بنوك التنمية الأخري،
الفارق الوحيد هو إعلان التمايز الديني وإن كان الأمر
يتعلق بالمال والتمويل والتنمية الاقتصادية00 ليتنا نفكر
في إنشاء البنك العربي للتنمية أو بنك الشرق الأوسط
للتنمية0
برزت عقب نكسة 1967 حكاية البنوك الإسلامية التي ترفض
التعامل بسعر فائدة ثابت باعتبار ذلك ربا في حين التعامل
بسعر فائدة متغير يتفق مع الشريعة00 ورغم أن صاحب فكرة
البنوك الإسلامية المرحوم الدكتور أحمد النجار في كتابه
الأخير اعتبر هذه البنوك الإسلامية أكثر ربوية من البنوك
التقليدية0 والغريب أن تعامل هذه البنوك الإسلامية مع
البنوك التقليدية يتم علي أساس أسلوب عمل البنوك الدولية
التقليدية وليس علي أساس مفهوم البنوك الإسلامية0 ومن
الغريب أن هذه البنوك الإسلامية يتم تسجيلها في بلاد صغيرة
في أوروبا وأمريكا اللاتينية تهربا من دفع الضرائب لصالح
شعوب دول إسلامية!!
إذن عندما يطرح جورج بوش الدولة اليهودية فهو يطرح مواجهة
بين العقائد00 ولا يجب أن نسمح بهذه المواجهة، ولا يجب أن
نظهر للعالم بصورة تعصبية ينفر منها العالم وهو يتحدث عن
حقوق الشعوب وحقوق الإنسان0
مجموعة أوراق بحثية من داخل دول التمايز أشارت بقوة إلي أن
هذا التمايز وراء مقولة ديار الإسلام وبلاد الكفر وأن هذه
المقولة هي نقطة الارتكاز لكل حوارات التنظيمات المتطرفة
التي لم يقتصر فعلها الإرهابي علي دول الغير بل طالت دول
التمايز ذاتها علي نحو ما نطالع الأحداث عن التفجيرات
والاغتيالات التي تستهدف ابناء بلاد الكفر بل طالت ابناء
دول التميز ذاتها إذا ما ظهر خلاف في الرأي أو حتي الأسلوب
ناهيك عما حدث في مصر ويحدث في الجزائر والسعودية والمغرب0
ولعل ذلك المفهوم يعيد إلي الذاكرة محاولات دول كبري خلال
الحرب الباردة استخدام ورقة الدين لتشكيل تحالفات عسكرية
تحت رعاية وارتباط وثيق مع حلف الأطلنطي في مواجهة المعسكر
الاشتراكي الملحد علي نحو ما كنا نعارض هذه التشكيلات تحت
مسمي حلف بغداد في البداية ثم الحلف الإسلامي في آخر الأمر
ودفن الحلف مع انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي
كله0
وبصراحة 00 ما الذي يربط بين الدول الإسلامية من مصالح؟ ما
الذي يربط بين تركيا المتطلعة إلي أوربا وبين العراق
وإيران وبينهم قضية الأكراد؟ ما الذي يربط بين سوريا
وتركيا والصراع المرتقب حول المياه؟ ما الذي يربط بين
إيران وبين مصر وهي التي مولت الإرهاب ضدها واطلقت اسم
قاتل الرئيس السادات علي أكبر شارع من شوارعها؟ ما الذي
يربط بين العراق وبين مصر وصدام الذي قاد حملة المقاطعة
لمصر وتبعته كل الدول الإسلامية في المنطقة؟ بل ما الذي
يربط بين المغرب العربي ومشرقه حيث لا مصالح علي وجه
الإطلاق ودول المغرب العربي كلها متطلعة عبر البحر المتوسط
وليس إلي دول المشرق الإسلامية حيث التعاملات محدودة
والاقتصاد متنافر0
وهنا يجيء سؤال ملح ويحتاج إلي اجابة واضحة وصريحة: هل
التمايز العقائدي فكرة من خارج الديار ووجدت صدي في
اجوائنا الفكرية وأثمرت في التربة الخصبة ما أثمرت من
تنظيمات نصفها اليوم بأنها تنظيمات إرهابية؟ أي أننا حققنا
هدفا لآخرين هدفا شكل اتهاما لنا أمام الرأي العام العالمي
وبات ذريعة لفرض أمور علينا؟
أخيراً00 وليس آخراً00 لنا بيت اسمه جامعة الدول العربية00
وإذا أريد توسعته يمكن أن يقول مجلس دول الشرق الأوسط00
إننا بذلك ندافع عن أنفسنا وندفع عن دين الأغلبية تهمة
التمايز والتعصب00 إننا بذلك نسهم في ضرب تيارات الصراعات
العقائدية والعرقية علي النحو البارز في بعض دول آسيا ودول
إفريقيا خاصة أن ورقة الدين بارزة في هذه الصراعات
الإفريقية وبعض الدول الآسيوية دون تسمية لدولة من هذه
الدول0
لنستبدل راية التمايز الديني براية قبول الآخر في توحد
إنساني والاندماج في المجتمع الدولي فاعلين في تنظيماته
وهيئاته من أجل سلام وسلامة البشرية كلها00 إن فعلنا ذلك
نكون قد مسحنا عن أنفسنا ما يمكن أن يتهمنا به غيرنا00 رغم
أن الاتهام قائم وحيثيات الاتهام من صنعنا0