يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1257 (7 - 14) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

أخطاء قاتلة .. من يحاسب هؤلاء؟

 
 

رءوف توفيق

 

 
عندما يهجر المتعلمون صناديق الانتخابات ،، وعندما ينشغل المثقفون بترديد كلمات ضخمة عن الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي وأحلام المستقبل .. نجد أن المواطن المقهور في حياته، المثقل بالهموم والمتاعب .. ينجذب تلقائيا لمن يقدم له العون الفوري من غذاء وملابس ونقود .. ولمن يقدم له الوعد بحل مشاكله في السكن والصحة والتعليم!.هذا المواطن المقهور يفترسه الواقع اليومي .. ولا يملك ترف التفكير في المستقبل .. فلسان حاله أحيني اليوم وأمتني غدا .. إنه يريد أن يملأ بطنه، ويستر جسده، وتشخلل بعض النقود في جيبه .. وخليها علي الله!.
ولأن الأغلبية عندنا من نوعية هذا المواطن المقهور .. لذلك كان الهدف محددا ومباشرا من نواب الرشاوي ونواب الخدمات ونواب التستر بالدين .. لاحتوائه والسيطرة عليه بكل الأساليب الممكنة وغير الممكنة .. ونجحت خططهم .. وفازوا بمقاعد في مجلس الشعب القادم.
وسقط الذين يفكرون في الغد .. والمهمومون بقضايا الوطن ككل..
ولم تكن هذه المفاجأة القاسية .. سوي تعبير صريح وواضح عن واقع بائس .. واقع ضحية حكومات متعاقبة فشلت في تحقيق الحد الأدني من الحياة الكريمة للمواطن العادي .. ولهذا أسرع نواب الخدمات في تقديم الأطباق الجاهزة للطعام .. والنقود الجاهزة لطمأنينة أيام .. ولا يهم بعد ذلك .. فالمبدأ ساري المفعول: أحيني اليوم .. وأمتني غدا!!.
وهو مبدأ لا يصلح لمستقبل أمة..
فسقوط أصحاب الأفكار وخطط الإصلاح .. وسقوط الكفاءات الثقافية والعلمية .. هو مؤشر صادم لكل الآمال في التغير للأفضل .. وهو في نفس الوقت مؤشر واضح بوجود خلل سياسي وخلل اجتماعي.
لقد سادت لفترة طويلة نظرية تغييب العقل بإخفاء المعلومات الصحيحة .. والتعتيم وإطلاق موجات من التسطيح والهيافة لشغل الناس عن التفكير في القضايا الأساسية لحياتهم ومستقبلهم وإلهائهم في حواديت وصراعات جانبية حتي لا يفيقوا إلي واقعهم ويشاركوا في جهد جماعي لإصلاح ما يمكن إصلاحه..
فأصحاب نظرية تغييب العقل يعتبرون أنفسهم بحكم مواقعهم القيادية وبحكم سلطانهم في إصدار القرارات والتعليمات . أنهم هم وحدهم القادرون علي التفكير السليم .. والقرار السليم .. هم وحدهم الأوصياء علي الجميع .. أما الآخرون - يعني كلنا - عليهم السمع والطاع .. والتنفيذ بدون مناقشة وبدون اقتناع.
ولأننا سمعناهم كثيرا .. وأطعناهم كثيرا .. ولم يتغير الحال .. بل صار من سييء إلي أسوأ .. فقد آثر البعض أن يلتحف بالسلبية وينعزل ليداوي مصالحه الشخصية كل بطريقته .. حتي ولو كانت الطرق غير مشروعة .. من رشاوي وسرقات وفساد وبلطجة .. وسادت الفردية والأنانية .. وساد معها الجشع وغياب الضمير وتردي الأخلاق والمعايير.
وأصاب المرض فئة المتعلمين أيضا .. لأنهم وجدوا أنفسهم علي هامش ما يجري حولهم .. وتحولت الجامعات إلي معامل تفريخ لحملة شهادات لا ثمن لها في سوق العمل .. لا الوطن يحتاجهم .. ولا أهاليهم يرحبون بهم بعد أن طالت سنوات البطالة والعجز عن الحصول علي دخل يعيشون منه .. فكانت النتيجة التلقائية انضمامهم إلي كتلة السلبية وعدم الانتماء، أو السقوط في دوامة الغيبوبة والتسطيح .. وأسرعت إليهم تنظيمات التطرف الديني لاحتوائهم وتقدم لهم المقابل المادي والمعنوي لخدمة أهداف معروفة ومدانة.
ومع كل هذا الخلل الاجتماعي المتراكم عبر سنوات طويلة .. كان العقلاء والمفكرون يتساءلون: ما الذي جري للمصريين؟ ولماذا تراجعنا إلي هذا الحد المتدني؟..
ولو قدر لباحث أن يرصد كم المؤتمرات والندوات .. وكم المقالات والتحقيقات الصحفية التي ناقشت هذا الموضوع .. وحاولت أن تفتش في جذوره وأسبابه .. سوف نجد أمامنا جبالا من أوراق وأبحاثا وتوصيات .. وتسجيلات بالصوت والصورة لمفكرين وعلماء بحثوا وحللوا .. وتكلموا بكل وضوح وصراحة .. ونبهوا وحذروا من خطورة الصمت والتعتيم .. وخطورة العجز عن حل المشاكل من جذورها، بدلا من عمليات الترقيع ومواصلة الكذب والخداع بالتصريحات الوردية.
ولكن .. كل هذا ذهب أدراج الرياح .. ولم يتحرك أحد ..
وتمضي سنوات وراء سنوات .. والأخطاء تنمو وتتشعب حتي أطبقت علي الصدور.
وعندما تولي الدكتور أحمد نظيف رئاسة الحكومة - حكومة الحزب الوطني - أطلق وعوده بتسهيل الحياة علي المواطنين .. ولكن يبدو أنه صدم بأجهزة تنفيذية عرجاء ومشلولة .. وبعضها مصاب بأمراض مستعصية من التسيب والإهمال والرشاوي .. كأجهزة المحليات والتي هي الأكثر احتكاكا بالجماهير .. وكان الاختبار الحقيقي في موسم الانتخابات الأخيرة .. عندما استغل نواب الخدمات الفرصة للانقضاض علي أصوات الناخبين بإعلان قدرتهم علي تسهيل الحياة للمواطنين .. وهي نفس دعوة الحكومة ولكن بإمكانية أكبر للتنفيذ من خلال احتكاكهم المباشر بأجهزة الحكم المحلي .. سواء برصف وإنارة الطرق وتسهيل خدمة النقل العام والإسراع بتوصيل المياه الصالحة للشرب للقري والنجوع والإسراع بحل بعض مشاكل الإسكان والمرافق العامة..
وهي - كما نري - من المهام الرئيسية للحكومة، وبأموال الحكومة، وموظفي الحكومة .. ولكنها لم تتحرك إلا من خلال إلحاح ومتابعة نائب الخدمات والذي يسجل إنجازاته لأهالي دائرته كجواز مرور إلي مجلس الشعب .. ويكسب هذا النائب علي حساب الحكومة .. وحزب الحكومة!.
وإذا كان هذا هو حال الكثيرين من نواب الخدمات .. فإن المحصلة النهائية أن يتحول مجلس الشعب إلي مجلس محلي راجعوا تعقيبات العديد من نواب المجلس علي بيان الحكومة - أي حكومة سابقة أو حالية - لنجد أنها محصورة في نطاق ضيق لخدمة أهالي الدوائرة الانتخابية ، ونادرا ما تتسع الرؤية لخدمة الوطن ككل في قضاياه المصيرية.
والخسارة هنا نتحملها جميعا في ضياع الوقت والجهد والآمال الكبيرة.
والسبب في هذا الخلل .. يرجع إلي الإيقاع البطيء المترهل للأداء الحكومي .. وغياب الرقابة والمتابعة .. فكم من الأموال أنفقت في مشروعات لم تكتمل وتحولت إلي خرائب ومهملات .. وكم من أساليب الغش والسرقة التي تمت في وضح النهار ولم يخضع مرتكبوها للقصاص العادل، لأن عصابات اللصوص تشابكت مع بعضها كخيوط عنكبوت ضخم ومفترس!.
وكم من أبناء هذا الوطن يعيشون في طي النسيان .. والاسم والتعداد مصريون!.
وربما كان أصدق تعبير عن هؤلاء المواطنين . ما سجله المفكر والسياسي الدكتور مصطفي الفقي في مقاله بالأهرام عن تجربته الشخصية في الانتخابات .. عندما قال: لقد رأيت خلال جولاتي الانتخابية علي امتداد شهرين ما لم أره في حياتي كلها من أصحاب الحاجات ومن يعانون المشكلات ويتعرضون لظروف قاسية - تجعل الحديث في السياسة معهم ترفا لا يحتاجونه وسفسطة لا يتحملونها - بدءا من طوابير البطالة ونقص الخدمات العامة في المرافق المختلفة وتدني مستوي المعيشة .. ورأيت من الناس وفيهم ما لم أره في كل حياتي!.
ولا أعتقد أن الدكتور مصطفي الفقي فيما كتبه قد تجاوز الحقيقة .. بل إنني أعتقد أنه كان دبلوماسيا مهذبا في التعبير عن قسوة الحياة لملايين المصريين الذين يعيشون علي خط الفقر!
.. وهي بعض الحقيقة التي يجب أن يواجهها الحزب الوطني وحكومة الحزب بعد صدمة نتائج الانتخابات وأن يحاسبوا بكل شجاعة وصدق أباطرة المواقع القيادية الذين لا يرون إلا أنفسهم .. ولا يصدقون غير أصواتهم .. ولا يفكرون إلا في مكاسبهم الشخصية.
وبدون هذه المحاسبة .. وبدون إصلاح ما فسد .. سيزداد المنحدر صعوبة!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة