يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1257 (7 - 14) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

فيتنام.. ألف تحية وسلام

 
 

د. فخري لبيب

 

  كنت أثبت نظري علي زجاج النافدة المجاورة، أحاول أن أسجل كل ما أري، أنا الآن أسير علي أرض الأبطال والشهداء، أسير علي أرض مقدسة روتها دماء الفداء والتضحية والبسالة، يا تري ماذا أينعت؟
غادرت القاهرة علي خط الطيران السنغافوري الساعة 05.14 بتاريخ 29/8 لأصل إلي هانوي الساعة 35،12 بتاريخ 30/8 بعد أن هبطنا في دبي ترانزيت مدة ساعة، وسنغافورة ترانزيت مدة ثلاث ساعات تقريبا.
كانوا في استقبالنا في هانوي في المطار بالورد .. واتسم الجو بالحرارة الشديدة والرطوبة العالية.
توجهنا مباشرة إلي الفندق الذي سوف نستضاف فيه، كان معي في ذات السيارة وفود أخري ربما من الهند، ربما من ماليزيا، وكان واضحا أن البعض منهم قد جاء هنا من قبل، كان يتحدث عن مناطق خلاء أصبحت اليوم كما يري عامرة بالفيلات والمنازل الفاخرة.
عقب أحد المرافقين:
فيتنام التي تراها اليوم غير تلك التي رأيتها بالأمس.
كنت أثبت نظري علي زجاج النافدة المجاورة، أحاول أن أسجل كل ما أري، أنا الآن أسير علي أرض الأبطال والشهداء، أسير علي أرض مقدسة روتها دماء الفداء والتضحية والبسالة، يا تري ماذا أينعت؟ أري شوارع نظيفة وخضرة زاهية ومعمارا يعلو هنا وهناك، والمعمار دليل عمار.
يقول البعض إن التجربة الفيتنامية انحرفت عن الاشتراكية، واتجهت إلي الرأسمالية، وأنا أحاول أن أدقق، أن أري وأسمع، أحاول أن أتعرف وأحكم بعقلي أنا لا بعقل الآخرين.
أنا قادم إلي مهرجان فعالياته علي مدي ثلاثة أيام.
اليوم الأولي 31/8 ندوة دولية حول تخفيف الفقر، ندوة أعد لها بالاتفاق بين منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية واللجنة الفيتنامية للتضامن الإفريقي الآسيوي الأمريكي اللاتيني، التقيت أول ما التقيت بالسيد فام فان تشونج رئيس اللجنة، حيث راجعنا معا جدول الأعمال ومنهج إدارة الجلسات، كان وفد منظمة التضامن يضمني عن السكرتارية الدائمة، والبروفيسور هروب عثمان من تنزانيا، والدكتور حسين علي من ماليزيا.
ألقت كلمة الافتتاح السيدة نجوين ثي بن النائبة السابقة لرئيس جمهورية فيتنام الاشتراكية، ونائبة رئيس منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية، ورئيسة مؤسسة فيتنام للسلم والتنمية، وقد جاء في كلمتها أن الجهود التي بذلتها حكومات فيتنام ومنظمات الشعب، والشعب في قضية تخفيف الفقر، قد أدت إلي نتائج تدعو إلي التفاؤل ففي خلال السنوات العشر الماضية 1993 - 2004 هبط معدل الفقر بأكثر من النصف، غير أنه ما زال عاليا، إذ يتضمن 25% من إجمالي السكان، كما أن سرعة انخفاض الفقر آخذة في الإبطاء ويأتي الخوف من أن معدله في الريف، وخاصة في مناطق الأقليات الإثنية والمناطق الجبلية يظل أعلي بمقدار مرتين أو ثلاث مرات عما هو في المدن، إن فجوة الفقر في المجتمع بعيدة عن أن تضيق إنها تتسع.
الصراحة والوضوح هي الصفة التي تتسم بها القيادات الشجاعة المسئولة الساعية إلي مجابهة المشكلة والعمل علي حلها، مما يعني أن الإخفاء الذي نهجته بعض البلدان الإشتراكية السابقة، لم يعد له مكان.
وجاءت كلمتي بعد السيدة بن لأعرض ورقة بحثية حول الفقر والإرادة السياسية توضح أن الفقر والجوع هما أكبر تحد يواجهه العالم اليوم، وعلاقتهما بالدخل، والتفاوت الطبقي والاجتماعي، والأمية، ووفيات الأطفال الرضع، والبطالة، وأن أخطر ما في ظاهرة الفقر هي أنها ليست قضية في طريقها للانحسار إنها ظاهرة تنتشر وتتسع كما ثبت أن غالبية الفقراء هم من النساء والأطفال، الذين يشكلون أكثر الفئات تضررا، وخاصة في أقل البلدان نموا، الفقر انتهاك فاضح لحقوق الإنسان، الفقر جزء أصيل من المجتمع الرأسمالي ومواجهته تقتضي في الأساس إرادة سياسية منحازة للشعوب والفقراء، وهي ليست بأي حال من الأحوال إرادة الرأسمالية الهمجية الوحشية التي تسود العالم اليوم.
وطرحت أوراق أخري من ماليزيا وأنجولا وزير الخارجية السابق كوبا الأوسبال: منظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية والأمريكية اللاتنيية وماليزيا استاذ جامعي وبلجيكا مدير التريكونتننت: منظمة القارات الثلاث ثم توالت المداخلات والتعقيبات.
في اليوم التالي 1 سبتمبر اتجهت كل الوفود صباحا حوالي الساعة العاشرة سيرا علي الأقدام إلي ضريح هوشي منه قائد الثورة الفيتنامية الاشتراكية لزيارته، كانت صور هوشي منه تملأ الشوارع والميادين، كان العم هوشي، قمة التواضع في ذلك العالم، ابتسامة يشرق الزمان معها، صورة هوشي منه في أعماقي، صورة خاصة، رسمتها أيام نضال لا مثيل لها، أيام كنا نخرج في مظاهرات عاصفة تدوي بالدعم والتأييد، وتحلم بالنصر الأكيد للشعب الأبي البطل، وأسماء تبرق في سماء التاريخ: جياب، ديان بيان فو، الفيتكونج، وشعب فيتنام العظيم، فيتنام التي واجهت الدمار والخراب والإبادة للأرض والزرع والناس، وهزمت تكنولوجيا الشر بذكاء البشر، فيتنام الأسطورة.
عندما جاء دوري في ذلك الطابور المهيب رأيت هوشي منه راقدا نائما في استرخاء شديد، هذا رجل أجهده النضال والكفاح والشقاء فتمدد يرتاح، ورغم سعادتي التي بلا حدود، إذ عشت حتي رأيت الأسطورة، غير أنني حزنت للغاية أيضا، أحسست أنني أتطفل علي رجل في مخدعه، أقلق خلوته، وأمسكت بي ثقافتي إكرام الميت دفنه نفس هذا الإحساس غمرني عندما رأيت فلاديمير إيلينش لينين في ضريحه في الميدان الأحمر في موسكو.
سعدت وحزنت، لكن حزني كان أكبر، وازداد حزني عندما رأيت الشباب والأطفال فتيانا وفتيات يبكون بحرقة شديدة، وكأن العم هوشي قد مات منذ دقائق معدودة، هذا بكاء يضفي علي المكان كآبة لا وقارا أو جلالا.
عدت من تلك الرحلة تغمرني مشاعر تدفع بالماضي إلي الحاضر، بنضال شعب فيتنام الذي هزم إمبراطوريتين هزائم نكراء، الإمبراطورية الفرنسية والإمبراطورية الأمريكية، وذاقت الأخيرة علقما مازال عالقا بحلقومها حتي اليوم، إمبراطورية تدعي زورا حماية حقوق الإنسان والبيئة وهي التي أبادت علي أرض فيتنام حقوق الإنسان والبيئة، إمبراطورية لا تملك غير الخراب تقدمه للآخرين، في آسيا، في هيروشيما وناجازاكي، ومن قبل في إفريقيا، في تحويل أبنائها إلي عبيد يباعون ويشترون، ومن قبل أيضا في القارة الأمريكية في إبادة الهنود الحمر، واليوم في العراق، في إبادة الشعب العراقي باسم الديمقراطية وتهديد البلدان العربية، أي شر تحمله تلك الإمبراطورية للعالم كله، غير أن شعب فيتنام سيظل هو الأسطورة التي وضعت أنف تلك الإمبراطورية في الرغام، لقد دفع هذا الشعب بقيادة هوشي منه العظيم الثمن الغالي فداء للبشرية كلها.
ثم تبدأ نشاطات اليوم الثاني يوم التضامن مع الشعب الفيتنامي، والذي شاركت فيه الهند، أنجولا، النمسا، بولندا، روسيا البيضاء، بلجيكا، كامبوديا، كوبا، الدانمارك، ألمانيا، جمهورية كوبا، المجر، اليونان، إيطاليا، العراق، لاوس، المكسيك، منغوليا، نيبال، روسيا الاتحادية، اليابان، استراليا، فرنسا، الفلبين، جمهورية التشيك، سريلانكا، تنزانيا، البرازيل، أسبانيا، تايلاند، الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، أوزبكستان، وأنا من مصر ممثلا لمنظمة التضامن، هذا إلي جوار العديد من الاتحادات العالمية والجمعيات والأحزاب.
افتتح المؤتمر فوصن هونج رئيس اتحاد فيتنام لمنظمات الصداقة، والسكرتير العام لمؤسسة فيتنام للسلم والتنمية، وتتوالي الكلمات تشيد بفيتنام، مثلا يحتذي، وإلهاما للشعوب شد من عزيمتها وثقتها بذاتها:
لا شيء في وسعه هزيمة شعب يناضل من أجل حريته.
لقد حاربت فيتنام من أجل العالم، وعلي العالم اليوم أن يحارب من أجل فيتنام.
تشكل فيتنام رمزا لكل نضالاتنا، لقد جاء هوشي منه إلي كلكتا داعما نضالنا ضد الإمبريالية.
لقد دعمنا الشعب الفيتنامي أثناء الحرب، ونحن ندعمه الآن أثناء السلام.
لقد حققت فيتنام نتائج مذهلة في المجال الاقتصادي.
لا نستدعي الماضي فقط، لكننا نتحدث عن فيتنام الآن، والتي نتمني لها النصر في بناء الاشتراكية.
إننا ننحني تقديرا وإعجابا لكل الإنجازات العظيمة التي حققها الشعب الفيتنامي، رغم التضحيات الجسيمة التي عاناها.
تحية للتعاون بين فيتنام ومنغوليا.
إن فيتنام الاشتراكية تشكل رمزا للشجاعة.
وانتهي الاجتماع برسالة موجهة من المجتمعين إلي شعب فيتنام جاء فيها: لقد جئنا من بلدان العالم لنشارك في اجتماع التضامن والصداقة والتعاون مع فيتنام.. إن إنجازات الشعب الفيتنامي قد أثبتت أهمية الأفكار الاشتراكية وقابليتها للحياة والتطبيق.. إننا نعيد تأكيد التزامنا بتقديم المزيد من دعم الصداقة والتعاون معكم في مساعيكم الجارية للاستقلال الوطني والاشتراكية.
إننا نتمني للشعب الفيتنامي كل النجاح في بناء فيتنام مستقلة - اشتراكية، بلد قوي يتمتع شعبه بالرفاهية في مجتمع عادل، ديمقراطي ومتقدم.
(هانوي 1 سبتمبر 2005).
ويجيء المساء لنلتقي بسكرتير الحزب الشيوعي الفيتنامي الحاكم، كان الرجل في استقبالنا علي مدخل قاعة اللقاء ليصافحنا ويتعرف علينا واحدا بعد الآخر.
كان اللقاء حميما جري فيه تبادل الكلمات بالمناسبة الكبري للاحتفال بثورة أغسطس والعيد الستين لتأسيس جمهورية فيتنام الاشتراكية (2 سبتمبر) ونغادر ليقف مودعا لنا فردا فردا، ثم نأخذ معه ومعا صورة تذكارية.
اليوم الثالث 2/9/2005
استيقظ المندوبون منذ الفجر، كان الإفطار من الخامسة حتي السادسة صباحا، ثم التوجه إلي ميدان بادينه حيث يوجد ضريح هوشي منه، الذي توجد في واجهته منصة القادة، كما في الميدان الأحمر بموسكو، حيث ضريح لينين، ثم افتتح الحفل بكلمة من رئيس الجمهورية، صاحب الفخامة السيد تران دوك لونج: إن ثورة أغسطس، واليوم الوطني 2 سبتمبر، كانا الحدثين الحاسمين اللذين فتحا عصرا جديدا في تاريخ الأمة الفيتنامية.
لقد وقف الشعب الفيتنامي كله تحت القيادة البعيدة النظر للحزب الشيوعي الفيتنامي والرئيس هوشي منه في أغسطس 1945 في الهبة العامة للإمساك بالسلطة عبر البلاد، وفي 2 سبتمبر أعلن الرئيس هوشي منه، في ميدان بادينه، أثناء إعلان الاستقلال، ميلاد جمهورية فيتنام الديمقراطية، التي هي الآن جمهورية فيتنام الاشتراكية ثم اختتم كلمته بالهتاف: عاشت روح ثورة أغسطس واليوم الوطني - عاشت جمهورية فيتنام الاشتراكية، عاش شعب فيتنام البطل - الرئيس هوشي منه يعيش في قضيتنا إلي الأبد.
ثم بدأ الاستعراض الرئيس احتفالا بعيد الثورة الستين، بدأ السابعة صباحا، بحامل الشعلة، ووراءه فتاتان، ثم طابور من الشباب يحملون صور هوشي منه، ويسيرون في خطوات مليئة بالثقة، علي دقات موسيقي عسكرية.
ضابط يتسلم الشعلة من الشاب، ليشعل شعلة هائلة ثانية في قلب الميدان أمام الضريح، وتنطلق طلقات المدفعية، القادة يحتلون منصة النصب، والجماهير تهتف.
الحر شديد والرطوبة أشد، والكل يحمل أوراقا يدفع بها الهواء الساكن، الهتافات تدوي، والأعلام الحمراء التي تزينها نجمة الفجر الجديد والمطرقة والمنجل ترفرف كالمظلة والمواكب تتوالي، من فتيان وفتيات، يحملون الورد وحمامات السلام، وموكب سيارات الجيب ثم فرقة الموسيقي، ثم جنود الجيش بفروعه والشرطة.
ثم مواكب عمال، وفتيات بالأزياء القومية المختلفة، ثم موكب صبية يسيرون علي هواهم، وطائرات الهليكوبتر تحلق في الجو تحمل علم فيتنام متدليا من السماء0 ومواكب العاملين في المجال الطبي، ثم المجال التكنولوجي والرياضيين0
الميدان حديقة جميلة يانعة تموج بالأحمر والأزرق والأبيض واللبني، وزهور عباد الشمس، وصبايا أجمل من الجمال، بشعورهن السوداء الناعمة الطويلة، وأجسادهن الرقيقة الدقيقة0
أقيم في المساء حفل استقبال بهذه المناسبة، استضافتنا فيه الحكومة وعلي رأسها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وكذا قيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي وعلي رأسها السكرتير العام للحزب0
وكان الحفل سياسيا دبلوماسيا رائعا بمناسبة الذكري الستين لقيام الجمهورية الاشتراكية الفيتنامية0 ووقف جميع القادة صفا واحدا لنمر عليهم، نقرع معهم كأس الاحتفال بهذه المناسبة0 أما ما شدني حقا، فهو ذلك التواضع الشديد، بل والاستماع عند تقديم القيادات، إلي أسماء البعض منهم مصحوبا بكلمة السابق أو الأسبق مثل السكرتير العام أو نواب الرئيس0 وكان هذا يعني أن القادة لا يظلون في مواقعهم حتي نهاية العمر، لكن هنالك تبادلا للمواقع القيادية، أي ممارسة الديمقراطية الحزبية0
اليوم 3 سبتمبر : ذهبنا في رحلة لزيارة إحدي المؤسسات الإنسانية0 الرحلة تخترق هانوي لتنطلق وسط حقول الريف خارجها، لنصل إلي هدفنا0 كانت تلك فرصة رائعة أتأمل الشوارع النظيفة، والمتاجر العامرة بالسلع المتنوعة ولفتت نظري بشدة الفروع الموجودة للشركات الأجنبية العملاقة سامسونج، نوكيا، فيوجي، دايو، موتورولا، شوروكي، سانيو، توشيبا، سيمنس ، هوندا، أريسكون، فيات، تويوتا0 ولحسن حظي كان يجلس إلي جواري باحث تشيكي دارس للتجربة الفيتنامية المهندس جيري سوبوتكا من براغ عضو جمعية السلام التشيكية0 قلت له ألا تشكل كل تلك الشركات، وغيرها، خطرا حقيقيا علي البناء الإشتراكي في فيتنام؟ وما هو موقع هؤلاء العمالقة بالنسبة للاقتصاد الفيتنامي؟ وابتسم الرجل مفكرا0 قال إن الاشتراكية يجب فهمها في غير الحدود التي اعتدنا عليها، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية0 الاشتراكية هي كرامة الإنسان، والمجتمع الذي يحمي كرامة الإنسان هو المجتمع الاشتراكي0 وتتجسد الكرامة في احترام إرادة الإنسان وقدرته علي الاختيار ومستوي معيشته، وظروفه الحياتية0 كرامة الإنسان والحفاظ عليها وتنميتها هي التي يجب أن تحكم كل إجراء تقدم عليه السلطة0 أين كرامة الإنسان إن كان في وسعه أن يعمل ويعالج ويعلم أبناءه ويخاف أو يعجز عن إبداء رأيه؟ وأين كرامة الإنسان إن كان في وسعه أن يتحدث كيف يشاء، وهو عاطل وعاجز عن توفير قوت أسرته وتعليمها وعلاجها؟ كرامة الإنسان تقتضي توفير كل الجوانب، ولذا أحب أن الخص كلمة الاشتراكية في كرامة الإنسان0
ولقد جئت إلي فيتنام من قبل0 هل تري الناس الآن؟ الجميع يرتدون ملابس جيدة ويمتطون الدراجات العادية أو البخارية0 و تلك الأخيرة تقتضي شراء وإنفاقا، والقادر وحده هو من يستطيع علي ذلك0 في مرات سابقة كانت الغالبية فقيرة الملابس، محدودة القدرات، تستخدم أقدامها وسيلة مواصلات0 الصورة الآن تعني أن تقدما كبيرا قد حدث0 عندما تتحسن الأوضاع فهذا شيء عظيم، إذ إنها تسوء في أجزاء أخري، كثيرة من العالم، وقد سمعنا، خلال الندوات واللقاءات، نقدا من قادة منهم لأنفسهم وبرامجهم، وهذا نضج مهم، أو قل نقلة مهمة0 فكم فعل آخرون، وانقلبوا علي ما فعلوا دون نقد أو تحمل للمسئولية0
كما أننا لا يمكن أن نتحدث عن بناء الاشتراكية في القرن الواحد والعشرين، بذات معايير القرن العشرين0 العالم تغير كثيرا0 ولا يمكن أن تكون التجارب التي فشلت نبراسا لتجارب تحت التنفيذ والاختبار0 اليوم لا يمكن بناء اقتصاد أو إجراء تنمية اقتصادية في معزل عن الاقتصاد العالمي0 القضية هي كيف توظف تلك الظروف لحسابك، لا أن تعمل أنت لحسابها0 ذلك هو الفرق الأساسي بين من يسعي لبناء اقتصادي غير تابع، والذي يقوم ببناء اقتصادي تابع0ليس كل العمل مع رأس المال الأجنبي تبعية0 لكن القضية في أساسها أن يعمل رأس المال الأجنبي في إطار أولوياتك، لا أن تعمل أنت خضوعا لأولياته0 وذلك يقتضي إرادة سياسية، نابعة من رؤية سياسية0 إرادة ورؤية سياسية تفرض طريقها، وتعرف كيف تتعامل مع كل المتغيرات والظروف المحيطة دون أن تحيد عن الهدف0 قلت له، وما الذي يجبر الآخر علي أن يلتزم برؤيتي؟ قال في بساطة، المصلحة، السوق0 لقد تشعبت أسواق تلك الشركات ببضائعها0 إنها تسعي إلي أسواق جديدة، وأنت تفتح لها أسواقك ولكن بقواعد، قواعد قد تحد من أرباحها، لكنها لن تلغيها أو تنفيها0 أنت ستحصل منه علي السلعة، والتشغيل، والتدريب، وربما بعض التكنولوجيا، وهو سيحصل علي السوق والزبون0 هنا تلتقي المصالح0 وأنت إن تحقق لك هذا المنتج استغنيت عن الأجنبي الذي يجئ لك به0 هذا لا ينفي أن يحلم القادم من الخارج بالاستيلاء عليك، وتحويلك إلي ربح خالص له، لكن تلك معركة ، والإرادة السياسية هي الفيصل فيها0 وسألته ما رأيه فيما يقال عن أن ما تفعله فيتنام هو انحراف رأسمالي0 ضحك وقال، لن أقول لك أن لينين استعان بشركات أجنبية0 لكن القضية أن من ينظر من بعيد ويحدد الاشتراكية طبقا لمعاييره هو، لا يصلح للحكم علي تجارب الآخرين0
إن هؤلاء يضعون تلك التجربة الاشتراكية العظيمة، التي حولت فيتنام من بلد مدمر، سممت أرضه ومياهه، إلي بلد يتصدر العالم في تصدير الأرز والبن وبعض أنواع الكائنات البحرية0 إنهم يضعون هذا النصر الاشتراكي العظيم الذي أخرج فيتنام من الدمار علي صدر الرأسمالية، الرأسمالية التي خربت فيتنام0
الرحلة اقتربت من نهايتها وفي خارج السيارة تنطلق الحقول خضراء زاهية0 وأحس أن الحياة التي قتلها الأمريكيون يوما، لم تمت أبدا، غاصت في بطن الأرض تحتمي بها لتعود من جديد تغطي فيتنام بثوب قشيب، ولتعلن أنه هنا في فيتنام يزدهر ربيع العالم0 وختاما يا فيتنام، ألف ألف تحية وسلام0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة