يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1257 (7 - 14) ديسمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

قضية للمناقشة

 
 

رجل القلعة

 
 

فريدة النقاش

 

 
يسعي المسرحيون المصريون إلي تجاوز محرقة «بني سويف» لا بنسيان أحداثها الفاجعة وإنما بإنتاج مسرح يلتف حوله جمهور متزايد لأنه يخرج علي مواصفات السوق والتجارة ويطرح القضايا الكبري في وطننا وعصرنا، وإنني لأعتبر كل هذه التجارب الجادة في المسرح وفاء لأرواح شهداء بني سويف الذين عشقوا المسرح كفن ورسالة، واختاروا أن ينهضوا برسالتهم حتي في أسوأ الظروف ومشوا بثبات عكس الريح وكان ما كان.
ويسير إصرار المسرحيين علي تجديد العهد لشهداء بني سويف في اتجاهين الأول يدور حول إبقاء ملف الواقعة مفتوحا لتحصل الأسر علي حقوقها كأسر شهداء مع الوصول إلي الحقيقة كاملة دون نقصان حول ما حدث، خاصة أنه مازال يمكن أن يحدث في أي موقع ثقافي يأكله الإهمال واليأس.
أما الاتجاه الثاني فهو مواصلة إنتاج مسرح يحمل رسالة ويزاوج بين الفكر والفرجة كما دعا ناقدنا الراحل علي الراعي، مسرح راهن تؤرقه هموم الكادحين ويستلهم أشواقهم ورؤاهم، ويجاهد لكي يصل إليهم رغم كل القيود والصعوبات ويصور الجماهير كما يليق بدورها الواقعي في التاريخ.
وفي هذا السياق يقدم المخرج الموهوب «ناصر عبدالمنعم» مجددا نص «رجل في القلعة» لمحمد أبوالعلا السلاموني مضيفا بعدا جديدا لإخراجه بعد أن كان قد قدم هذا العرض نفسه علي مسرح الطليعة قبل سنوات.
ويلعب الفنان الفذ «توفيق عبدالحميد» دور محمد علي باشا ممسكا بهذا البعد الجديد الذي أسميه سيكو - سياسي معبرا ببلاغة فريدة عن الصراع الداخلي في أعماق حاكم فاجأه ممثلو شعب مصر باختياره واليا عليهم بدلا من الوالي العثماني خورشيد باشا الظالم المستبد.. وتستحق مشاهد المواجهات بين «عمر مكرم» «أشرف طلبة» ومحمد علي «توفيق عبدالحميد» أن يقوم معهد الفنون المسرحية بتدريسها كنماذج كاملة الأوصاف من حيث الأداء وتقسيم خشبة مسرح الغد الصغيرة والإضاءة والملابس والموسيقي إذ كنا نشهد صراعا عنيفا ومكتوما في آن واحد بين أمواج بحر هائج، صراع بين رجلين قائدين مخاوف «عمر مكرم» من إغراء الحكم الفردي ونزعات الاستبداد والتسلط وتهميش الشعب من جهة وميل محمد علي للانفراد من جهة أخري وصراع محمد علي أيضا مع دواخله وهواجس نفسه ورغبته في الالتزام بالوثيقة التي وقعها مع ممثل ثورة المصريين وزعيمهم «عمر مكرم» الذي انتهي الأمر بنفيه إلي دمياط حيث مات وحيدا بعد أن اشتري محمد علي ولاء الشيوخ في مجلس شرع المحكمة الكبري.
ولعل مشهد تلقي «محمد علي» لخبر موته أن يكون أيضا نموذجا لبراعة الأداء والتجليات ما أسميته بالبعد السيكولوجي الذي يثري النص والعرض المسرحيين.
ينهض البناء المسرحي علي كسر الزمن حين يبدأ من نهايات عهد «محمد علي» والمرض الذي أصابه، وقد تلقت جيوش ابنه «إبراهيم» في الشام هزائم ماحقة أمام التحالف الغربي، وإذ فوجيء «إبراهيم» بأن الشعب لا يقف معهم بل «والثورة ضد الاستبداد ستبقي أقوي من أحلامي وأحلام أبي».
كان أبوه قد رفض القوة في المجموع واختار أن يحكم منفردا «وحدي» كما صاح الباشا أكثر من مرة وهكذا يغوص المؤلف في المناطق المجهولة بحثا عن أسباب ذاتية للهزيمة أمام الأعداء الخارجيين ويقودنا بذكاء لنعيد النظر في مفهوم الشرعية، فليس تفوق جيوش الأعداء هو وحده السبب في الهزيمة ونحن نعيش في عصر استطاع شعب صغير من الفلاحين في فيتنام أن يهزم القوة الباطشة الكبري في عصرنا لتخرج أمريكا من بلادهم مجللة بعار الهزيمة لقد تحولت شرعية «محمد علي» رغم تفويض زعماء الشعب له إلي شرعية شكلية زائفة تو أن انفرد بالحكم وخرق بنود الوثيقة التي كان قد وقعها مع زعماء الشعب.
ثمة بعد مأساوي في هذا العرض الذي يطرح الأسئلة الكبري لعصر الديمقراطية وحقوق الإنسان ويدعونا إلي التأمل في الوعي الجديد الممكن.. بل وفي الفعل الجديد الممكن في مواجهة الانفراد والاستبداد حين ينخران في بناء ضخم كهذا الذي أسسه محمد علي ليقوضا أركانه في النهاية وينفتح الباب أمام الغزو الأجنبي.
لم يقدم «ناصر عبدالمنعم» جموعا خانعة ومتقبلة للبطش في سكون بل كانت دائما حية تملأ المسرح صخبا وأسئلة وشجاعة، واستطاع هذا الفريق المحب لما يقوم به من الفنانين «محمود زكي» و«معتز السويفي» و«زينب إسماعيل» و«ناصر شاهين» و«فاطمة محمد علي» و«محمود إمام» و«بسمة سلامة» و«ألفريد كمال» و«يحيي محمود» و«سامر صبري» و«أشرف شكري» و«شادي الدالي» و«هنادي موره لي» و«سارة عادل» و«سامية عاطف» دون أن أنسي الكورال ومؤلف الموسيقي جمال عطية وموزعها جمال رشاد وأشعار إبراهيم عبدالفتاح وديكور محيي فهمي وأزياء نعيمة عجمي استطاع هؤلاء جميعا وفي القلب منهم الفنانة «ماجدة منير» أن يعملوا كفريق كان مستعينا قبل كل شيء بوصول رسالته إلي جمهوره عبر الجمال والتناغم، وياليت بعض مدارس الجمهورية تضع هذا العرض علي جدول الزيارات الثقافية لطلابها.. ليروا بعدا جديدا لعصر محمد علي ويفكروا به.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة