مرة أخري عن الفتنة الطائفية: ما قيمة القانون إذا لم يطبق؟ (1)
د.رفعت السعيد
دوما هناك مسافة ما في دولة العالم الثالث التي تفتقد
الديمقراطية الحقة، مساحة بين القانون وبين التطبيق
الواقعي، القانون أنيق ومنسق ومنمق ويتخذ موقفا صحيحا في
كثير من الأحيان لكن الواقع شيء آخر.
ويدور الصراع الديمقراطي دوما حول مسألة تطبيق القانون
وتفسيره تفسيراً صحيحاً، لكن قضية الوحدة الوطنية في مصر
لا تعاني فقط من مسافة بين القانون والتطبيق، وإنما تعاني
مما هو أسوأ، فالقوانين المتعلقة بحماية الوحدة الوطنية
جري تجاهلها تماما .. أقول تماما، حتي نسيها الناس تماما،
وحتي رجال القانون نسوها هم أيضا، أو لعل بعضهم تناساها
بعد أن اكتشف أنه لا أمل في تطبيقها أو حتي في تطبيق البعض
منها.
وفي محاولة للإيضاح جرت محاولة لحصر بعض من النصوص
القانونية التي لو طبقت لحلت الكثير مما تعاني منه قضية
الوحدة الوطنية هذا الجرح الدامي في الجسد المصري.
ولنطالع معا نصوصاً من قانوننا المصري .. وهي نصوص نسيها
الجميع رغم أنها نصوص مثبتة في قانون العقوبات
م 201 - كل شخص ولو كان من رجال الدين أثناء تأدية وظيفته
ألقي في أحد أماكن العبادة، أو في محفل ديني مقالة تضمنت
مدحا أو ذما في الحكومة، أو في قانون، أو في مرسوم، أو
قرار جمهوري، أو في عمل من أعمال جهات الإدارة العمومية،
أو أذاع أو نشر بصفة نصائح أو تعليمات دينية مشتملة علي
شيء من ذلك، يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا
تزيد علي خمسمائة جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين، فإذا
استعملت القوة أو التهديد تكون العقوبة السجن.
ونتأمل الواقع الواقعي .. فهذا النص لم يتذكره أحد، ولم
يطبقه أحد، أو لعل الجميع تجاهلوه وعلي رأسهم الحكومة،
لأنها تجد أنه من الملائم أن تستمتع بتأييد رجال الدين
لها، ناسية أنها إذا سمحت ب«المدح» الذي يمتدحه رجال الدين
لها في المحافل الدينية، وإذا استمتعت ب «النصائح»
والتعليمات الدينية المشتملة علي مدح للحكم أو للحكام ..
أو علي تأييدهم فإنها تنسي أن من يتجاهل تحريم القانون
للمديح الآتي من رجال الدين إنما يفتح الباب أمام رجال دين
آخرين، أو مدعين يرتدون ثياب الدين كي ينهالوا بالذم علي
الحكومة، فتصبح دور العبادة، وفتاوي رجال الدين والمتاجرين
به مسرحا لعملية سياسية تستمتع الحكومة والحكام بقليل من
ثمارها، بينما يجني أكثر هذه الثمار «المتطرفون» ورجال
السياسة المتسترون بالدين، البعض يستمتع بالقليل والبعض
الآخر يستمتع بالكثير بينما يخسر الوطن، وتخسر المواطنة،
ولا يستطيع أحد أن يكبح جماح استخدام المنابر الدينية أو
الفتاوي الدينية في ساحة السياسة بكل ما فيها من مشاحنات
وتناقضات ومصالح، وأكاد أقول أن «الدين» ذاته هذا الذي
جعله الرب هداية للبشر يصبح هو أيضا فريسة لهذا التوظيف
السياسي له.
ومن ثم فإن أي قول حول عدم السماح للبعض باستخدام دور
العبادة للدعاية السياسية أو الانتخابية يمضي بلا أثر، حتي
وإن كان صراخاً حكومياً لأنه وكما يقول الشاعر القديم:
إذ كان رب البيت بالدف ضارباً
فشيامة أهل البيت كلهم الرقص.
ونأتي إلي نص قانوني آخر .. لعله مات من فرط تجاهل الجميع
له
م 68 (و): يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز
خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تتجاوز
ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول
أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخري لأفكار متطرفة بقصد إثارة
الفتنة، أو ازدراء أحد الأديان السماوية، أو الطوائف
الدينية المنتمية إليها، أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو
السلام الاجتماعي.
والآن يا سادتي جميعا، حكاماً ومحكومين، مسلمين ومسيحيين،
رجال دين ورجال أمن، يا كل من يهمكم أمر هذا الوطن ويهمكم
مستقبله، أرجو أن تقرأوا هذا النص القانوني مرة أخري وأكاد
أن أقول ليكتب كل منكم ورقة يضعها أمانة في جيبه وفي عقله
وفي فكره، ورقة تقول «قانون العقوبات: م 68(و)» فقط
تذكروها في كل لحظة وفي كل وقت، واسألوا أنفسكم جميعا كم
ألف ألف مرة ينتهك فيها هذا النص كل يوم، كم ألف ألف مرة
ينحني القانون بل ويلغي أمام دعاة الفتنة، واسألوا أنفسكم
لمصلحة من؟ واسألوا أنفسكم ماذا لو طبق هذا النص ولو مرة
واحدة!.
وأكاد أجيب ساعتها سيسكت صوت البوم الناعق بتدمير وحدتنا
الوطنية فلماذا تسكتون؟!
هذا هو السؤال
وإلي الأسبوع القادم