أدهشتني التصريحات الصحفية التي أدلت بها الدكتورة مكارم
الديري، استاذ الأدب العربي بجامعة الأزهر، ومرشحة الإخوان
المسلمين الوحيدة في الانتخابات البرلمانية عن دائرة مدينة
نصر، والتي لم تتمكن من الفوز بمقعدها0 قالت الدكتورة
مكارم في غمرة معركتها الانتخابية، أن المكان الأمثل
للنساء هو المنزل، لأن دورهن الرئيسي في رأيها أن يكن
أمهات صالحات لأطفالهن0 قالت الدكتورة مكارم ذلك وهي تعمل
أستاذة جامعية، وكانت زوجة، وأما لسبعة أبناء ومع ذلك درست
وتعلمت، ولم تجلس في المنزل لرعاية أسرتها، بل دخلت الحياة
العامة لتلعب دورا سياسيا، وتترشح في الانتخابات، وتخوض
واحدة من أشرس المعارك الانتخابية ضد منافسها رجل الأعمال
مصطفي السلاب، كما كانت تقود المظاهرات النسائية في
القاهرة والإسكندرية لتأييد مرشحي الإخوان وهي ترفع
المصاحف وشعار الإسلام هو الحل0
المشكلة في دعوة الدكتورة مكارم للبقاء في المنزل، ليست
فقط في أنها دعوة تتناقض مع وضعها هي نفسها كامرأة عاملة
وناشطة سياسية، بل لمخالفتها كذلك للبرنامج الانتخابي
للإخوان المسلمين، الذي كان من المفترض أنها تخوض علي
أساسه الانتخابات البرلمانية، فالبرنامج يقر بحق المرأة في
المشاركة في الانتخابات، وفي عضوية المجالس النيابية،
وبحقها في العمل وتولي الوظائف العامة، فيما عدا ما أسماه
البرنامج الأمامة الكبري وما في حكمها، وهي رئاسة الدولة
ورئاسة مجلس الوزراء0 وبصرف النظر عن أن موضوع الأمامة
الكبري مختلف بشأنه، لأن دولا إسلامية كأندونيسيا وباكستان
وبنجلاديش، تتولي فيها النساء رئاسة الدولة ورئاسة مجلس
الوزراء بالانتخاب، بما يؤكد أن هذا اجتهاد إخواني وليس
اجتهادا إسلاميا، فإن البرنامج لا يشير علي الإطلاق إلي
بقاء المرأة في المنزل0 هذا فضلا عن أن دعوة الدكتورة
مكارم للنساء بالبقاء في البيت، تتناقض مع الفهم الصحيح
للإسلام، حيث كانت السيدة خديجة رضي الله عنها سيدة أعمال
تحترف التجارة، ويعمل لديها رجال كان من بينهم الرسول عليه
الصلاة والسلام قبل نزول الوحي0
من نصدق كلام الدكتورة مكارم أم برنامج الإخوان الانتخابي؟
أوليس هذا نموذجا لأزدواجية خطاب الإخوان المسلمين فيما
يخص الموقف من المرأة وعملها؟ ألا تعابث دعوة الدكتورة
مكام التيارات المحافظة في المجتمع المصري لتشجيع النساء
علي العمل نصف الوقت بنصف الأجر، أومطالبة الدولة بدفع
الأجر كاملا للمرأة العاملة التي تعود إلي المنزل؟ ومن غير
حركة طالبان في أفغانستان التي فرضت علي المرأة حجابا لم
يعرف في غيرها من البلاد الإسلامية ومنعتها من العمل
والتعلم ومن الخروج من المنزل إلا مع محرم، ومنحتها من
الدولة أجرا علي البقاء في المنزل؟ وكيف ينهض المجتمع بأي
خطط للتنمية، ونصف سكانه ونصف قواه العاملة قابع خلف جدران
المنزل؟
وما هو «الحل» الذي تقدمه الدكتورة مكارم لثلث الأسر
المصرية التي تعولها نساء، معظمهن أرامل ومطلقات وحتي
زوجات لرجال عاطلين، ولولا مواصلتهن العمل ما تربي
أبناؤهن؟ ومن قال غير حركات الإسلام السياسي، أن العمل
الذي يصقل شخصية المرأة ويكسبها مهارات وخبرات شتي هو قرين
للتهتك والانحراف الخلقي؟
في عام 1954 حين نشب الخلاف الشهير بين الثورة والإخوان
المسلمين، كان أبرز أسبابه هو قضية عمل المرأة، فقد طالب
المرشد العام أنذاك حسن الهضيبي الرئيس عبد الناصر بمنع
المرأة من العمل وعودتها إلي المنزل، وأثيرت القضية مجددا
في المؤتمر القومي العام الذي كان يناقش ميثاق الثورة عام
1962، وكان رد عبد الناصر هو أن خروج المرأة إلي العمل هو
الذي يكفل لها الحماية الأخلاقية، إذ يوفر لها دخلاً
يمنعها من المتاجرة بجسدها، كما أن الحفاظ علي الأخلاق لا
يتم بالقانون بل هو قضية تربية وقدوة0 وفيما بعد أذاع عبد
الناصر أنه لفت نظر الهضيبي إلي أن بناته- أي الهضيبي-
كلهن متعلمات وعاملات!
فزع مئات الآلاف من النساء العاملات والمعيلات وابنائهن من
أن يسود هذا التفسير الضيق للشريعة الإسلامية إذا ما حاز
الإخوان المسلمون علي أغلبية في البرلمان، فزع مشروع، وهم
يحتمون منه برحابة الإسلام وسماحته، ويستعوذون بالله من
هؤلاء الذين يفسرونه بما يضر مصالح البلاد والعباد0