طريق الإصلاح والتغيير .. يبدأ بمناقشة الظواهر السلبية
د. صلاح عبد اللطيف
أسمح لنفسي أن أستخدم بعضا من تلك العبارات التي دخلت
قاموسنا السياسي في الشهور الأخيرة مثل «غيرمسبوق» و«لأول
مرة في التاريخ» وكأننا صرنا بلا ذاكرة وبلا تاريخ وبلا
تجارب، وتبدأ حياتنا من اللحظة، أستخدم بعضا من تلك
العبارات لأقول إن ما جري في الانتخابات في الشوط الأول من
المرحلة الثانية أمر غيرمسبوق، لم تشهده مصر من قبل، لا
قبل عام 1952 ولا بعدها .. وهو أمر يعكس ما وصل إليه
المجتمع من تدهور أخلاقي وتركيز علي المصالح الشخصية وغياب
الفكرة العامة وتبريرات لكل ما يحدث من مثالب وأخطاء بشكل
غيرمسبوق..
وأي مراقب يرصد عملية الانتخابات يستطيع أن يري رأي العين
هذه الأخطاء الجسيمة التي لا يمكن تبريرها وهو ما يظهر في
الصور التي تنقلها الصحف، وما تنقله الفضائيات العربية
الأخري ويغطي عليه التليفزيون المصري والصحف القومية.
ظاهرة البلطجة وأول هذه الأخطاء التي تصدم كل من يتابع هذه
الانتخابات ظاهرة البلطجة، وهي ظاهرة غيرمسبوقة في تاريخ
الانتخابات المصرية، أن تري شبابا تعودوا علي الإجرام
وترويع الآمنين ويسمون أمنيا «مسجلين خطر» يرفعون السيوف
والعصي والجنازير لترهيب الناخبين أمام سمع وبصر رجال
الأمن دون أن يتحرك أحد من الأمن لمنعهم أو إلقاء القبض
عليهم إلا عددا قليلا وسرعان ما يفرج عنهم والسؤال هو من
الذي أدخل هؤلاء «البلطجية» إلي ساحة الانتخابات .. وهل
هؤلاء «البلطجية» لديهم وعي سياسي بعملية الانتخابات .. من
الواضح تماما أنهم مأجورون وقبضوا الثمن من مرشحين للقيام
بهذا الدور السييء وكل يلقي مسئولية هذا العمل الرديء «غير
المسبوق» علي الآخر.
هذه الأموال
السلبية الأخري التي أفرزتها هذه الانتخابات بشكل «غير
مسبوق» هي تلك الأموال التي ألقيت علي الناخبين في عدد
قليل من الدوائر خاصة في القاهرة، والسؤال هو: من الذي قام
بتوزيع هذه الأموال التي هي بمثابة رشاوي والتي تقدر
بالملايين، لا شك أنهم مرشحون يسعون إلي الفوز بمقعد في
مجلس الشعب وهم يدركون أنهم بمجرد فوزهم وحصولهم علي
«الحصانة» قادرون علي أن يعوضوا هذه الأموال التي وزعوها
لشراء الذمم ويحصلون علي أكثر منها، وهو في واقع الأمر عمل
«غير مسبوق» أخلاقيا فهو تعبير عن الفساد وتشجيع للأجيال
الجديدة باستخدام أساليب غير مشروعة للحصول علي ما يريدون
.. والسؤال هو من هم هؤلاء الذين استخدموا هذا الأسلوب
الفاسد، ومن أين حصلوا علي هذه الأموال ومرة أخري كل طرف
يتهم الآخر ويحرص علي أن يبدو بريئا وشفافا .. لتضيع
الحقيقة.
إن الانتخابات التي تجري حاليا كشفت أيضا عن ظواهر هامة
يجب الوقوف عندها، من هذه الظواهر أن الشارع المصري يعاني
من فراغ سياسي وغياب القدوة فكانت النتيجة أن سلم نفسه
للدين وراح يبحث عن قدوة يعتقد أنها هي الصحيحة التي عليه
أن يتبعها، وسواء كان ذلك صحيحا أو خطأ فإنه يعكس في
النهاية فراغا سياسيا بحكم المعاناة التي يعيشها المواطن
المصري العادي من بطالة غير مسبوقة يعاني منها أكثر من
عشرة ملايين شاب وغلو في الأسعار وندرة في دخل الأسرة،
ووعود لا تنفذ فالدولة غائبة تماما عن مسئوليتها تجاه
المواطنين وتركز فقط علي قلة منهم هم ما يسمون برجال
الأعمال والأثرياء ممن يمتلكون الملايين، وأصيب المجتمع
بخلل رهيب، كثرة لا تملك إلا القليل أو الفتات وقلة معدودة
تملك الملايين وأحيانا البلايين وتصريحات من كبار
المسئولين تتحدث عما هو غير موجود، وتعطي وعودا لا تتحقق
وتبدو خطاباتهم وتصريحاتهم كموضوع إنشاء.
ضعف الصحافة الظاهرة الأخري التي كشفت عنها الانتخابات هي
ضعف مستوي الصحافة والإعلام وغياب الكفاءة الصحفية والدليل
علي ذلك تلك الصور المنشورة في الصحف القومية والمعارضة
والمستقلة وهي صور منقولة عن وكالة الأنباء الفرنسية A.F.P
وأنا كصحفي لم أصدق وعدت إلي كثير من الصحف التي صدرت في
اليوم التالي من انتخابات الجولة الأولي في المرحلة
الثانية لأتأكد أنها منقولة من وكالة الأنباء الفرنسية،
وهي صور مثيرة وواضحة تكشف مدي الفوضي والإجرام الذي مورس
من قبل «البلطجية» وهم يشهرون السيوف والعصي ويسدون الطرق،
إنها صورة بشعة تتناقض مع طبيعة الشعب المصري الذي كثيرا
ما يتحدث عن الحضارة التي عمرها سبعة آلاف سنة، ولا أستطيع
أن أبرر غياب القدرة الصحفية بأن الصحفيين وخاصة المصورين
خشوا ألا تنشر هذه الصور بسبب الرقابة وهذا غير صحيح بدليل
أن جميع الصحف نشرت هذه الصور، ولكنه ضعف صحفي أصبنا به
أخيرا، وهو ضعف ناتج من مناخ عام وليس له تبرير.
تبريرات مرفوضة
من الظواهر السلبية الأخري التي كشفت عنها عملية
الانتخابات هي التبريرات المرفوضة وغير المقنعة التي
يطلقها متحدثون رسميون وغير رسميين، وهي تبريرات غير
مسئولة وتكاد تعطي شرعية لكل ما هو غير شرعي، فالفساد مثلا
موجود ليس عندنا فقط فهو موجود في كل دول العالم .. «وإيه
يعني لما يكون عندنا فساد هذه ظاهرة عالمية».. و«إيه يعني
تواجد هؤلاء البلطجية .. هذا شيء عادي في الانتخابات، وكل
الانتخابات في العالم تشهد هذه الظاهرة» وهكذا نبرر هذه
الأخطاء الجسيمة بكلمة واحدة «إيه يعني» ونتظاهر - كذبا -
بأننا أفضل من غيرنا وما نشهده عندنا أمور بسيطة وعادية ..
وأبرز دليل علي هذا التبسيط والتضليل ما صرح به مسئول، وهو
يلقي بيانا رسميا في اليوم التالي لانتخابات الجولة الأولي
من المرحلة الثانية بعد مقتل أحد الناخبين في الإسكندرية،
وجرح آخرين . في أول البيان قال: إن العملية الانتخابية
تمت بهدوء ولم يقتل أحد علي الإطلاق باستثناء حالة واحدة
في الإسكندرية بسبب مشاجرة بين أنصار المرشحين» هكذا
ببساطة وعلي الإطلاق بينما كانت المشاهد في المحطات
الفضائية العربية والأخري مثيرة ومفزعة ولا تعكس أي نوع من
الهدوء.
إن ما حدث في انتخابات 2005 التي نشهدها الآن تحتاج إلي
وقفة من الجميع وفريق من الباحثين السياسيين والاجتماعيين
وعلماء النفس ليحللوا هذه الظواهر التي أفرزتها عملية
الانتخابات ونبحث عن أسبابها إذا كنا فعلا نريد الإصلاح
ونريد التغيير إلي ما هو أفضل.. أما أن نظل نمدح أنفسنا
ونرفض ما يوجه لنا من نقد، ونظل نردد أن كل ما نفعله« غير
مسبوق» وغير عادي ولأول مرة في التاريخ فنحن بذلك نضلل
أنفسنا، ونضع عصابة علي أعيننا حتي لا نري الحقيقة ثم
نفاجأ بما لا نتمناه .. ولا نريده.