المرحلة الجديدة التي تمر بها المعارضة غير الممثلة في
البرلمان .. تقتضي المزيد من العمل .. والمزيد من الأمل!
بعد إعلان نتائج جولة الإعادة بالمرحلة الثانية .. يبدو من
المنطقي أن نطرح سلسلة من علامات الاستفهام.
هل يستطيع التشكيل الجديد .. أن يقود حركة الإصلاح المنشود
في مصر؟!0
هل يحقق التشكيل الجديد 00التوازن العادل لتمثيل مصالح كل
فئات المجتمع؟.. وتحقيق العدالة الاجتماعية؟
وهل من الممكن أن تعبر التشريعات في ظل عدم التوازن عن
مصالح كل شرائح المجتمع .. وليس مصالح رجال الأعمال فحسب؟!
إنني أطرح هذه الأسئلة من منطلق سياسي بحت .. بعيدا عن
مشاعر شخصية .. تسيطر علي قلمي في هذه اللحظات نتيجة
اختفاء شخصيات تاريخية لم تمثل في البرلمان الجديد... وفي
مقدمتها بالطبع الأستاذ خالد محيي الدين..
إنني أطرحها .. كتعبير عن مخاوف مشروعة بألا يمثل البرلمان
الجديد كل ألوان الطيف السياسي في الشارع المصري ... ولا
سيما تلك التي تدافع، بطبيعة مبادئها، عن مصالح الكادحين
.. وتهب لنجدتهم بالوسائل السياسية المشروعة..
وهي مخاوف تعكسها مجموعة من الحقائق .. أولها .. أن نسبة
المشاركة في الانتخابات كانت متدنية .. وأعلنت الحكومة
أنها وصلت في بعض الدوائر إلي أقل من 23% .. بما يعني أن
الغالبية الساحقة من أبناء هذه الأمة لم تشترك في اختيار
من سيقودون معركة الإصلاح في مصر .. ولا الذين سيصدرون
التشريعات المؤثرة في المسار السياسي والاقتصادي لسنوات
طويلة قادمة.
وثانيهما: إن الرشاوي الانتخابية التي كانت تتراوح ما بين
20 جنيها وخمسمائة جنيه .. استهدفت بسطاء هذه الأمة.
الأثرياء .. قدموا الرشاوي للبسطاء .. وبلغ مجمل ما أنفقه
هؤلاء .. وفقا لما ذكرته صحف الحكومة، عدة مليارات من
الجنيهات . بما يعني أن الأقلية أخذت أصوات الأغلبية.
وثالثهما: إن الشرائح الدنيا في المجتمع .. لم تعد لها من
الادوات .. ما يجعلها قادرة علي إيصال أصواتها للشرائح
العليا التي باتت تنفرد بجميع الأنشطة الاقتصادية .. بعيدا
عن الأخذ في الاعتبار ما كان يطلق عليهم محدودو الدخل.
ورابعها: أساليب البلطجة والاستعانة بالبلطجية . فضلا عن
أساليب التزوير .. وغيرها من السلبيات التي تمارسها
التيارات السياسية القادرة علي الوصول لمقاعدها في
البرلمان .. وهي وسائل لم تمارسها الأحزاب التي تتحدث عن
المصالح العليا للوطن .. وفي مقدمتها .. بالطبع .. حزب
التجمع.
إذن نحن أمام حالة فريدة سيطرت فيها الفئات القادرة .. بما
فيها فئات الحزب السرمدي .. في تشكيل البرلمان الجديد ..
بما يسمح لها بفرض إرادتها علي الفئات غير القادرة..
والخطير في الموضوع أن يأتي هذا الخلل في ظل أوضاع داخلية
وخارجية بالغة الحساسية .. وتحتاج إلي تعدد الآراء وإثراء
النقاش للخروج من المأزق المروع الذي قادتنا إليه سياسات
تتسم بضعف الإدراك مارسها النظام الحاكم طوال ربع القرن
الماضي..
الخروج من المأزق الحالي قضية عاجلة تفرض نفسها علي جدول
أعمال البرلمان الجديد .. ولا أتصور أن الغالبية التي حصل
عليها الحزب السرمدي في الانتخابات الأخيرة تستطيع وحدها
انتشالنا من هذا المستنقع .. كما لن تستطيع التيارات التي
يطلق عليها «ذات التوجهات الإسلامية» خوض هذا الغمار ..
لأسباب دولية ليست خافية علي أحد..
الخروج من المأزق الذي وصلنا إليه بعد ممارسات استمرت 25
سنة .. يحتاج إلي تكاتف جميع القوي السياسية .. بكل
ألوانها وتوجهاتها..
الخروج من المأزق يحتاج إلي خروجنا إلي العالم بلغة جديدة
.. وسياسات جديدة .. وإلي إشاعة ثقافة الحوار وتبادل الرأي
واحترام الرأي الآخر .. بعيدا عن تجريمه أو اتهامه
بالكفر..
الخروج من المأزق .. يحتاج إلي السير علي الأرض بقدمين ..
وليس بالقفز بقدم واحدة..
تأتي بعد ذلك قضية الإصلاح السياسي .. في ظل أجواء ضاغطة
من الخارج .. سواء عن طريق القنوات الرسمية أو عن طريق
الشركات العملاقة .. والمتعددة الجنسيات التي تبحث عن
أسواق وأرباح .. ولا تبحث بالطبع عن تأكيد العدالة
الاجتماعية..
وبالتالي فإن تعدد الآراء الحزبية في البرلمان الجديد ..
كان سيؤدي تلقائيا لتخفيف هذه الضغوط علينا .. بما يمكن
حكومة الحزب السرمدي من استثمار المعارضة في دعم مواقفها
التفاوضية..
ومع ذلك..
فإن أمام أحزاب المعارضة ذات التوجهات اليسارية .. فرصا
لتكوين ما يطلق عليه الألمان : «المعارضة خارج البرلمان».
والمعارضة خارج البرلمان تعني أن يكثف الحزب نشاطه في
الشارع السياسي .. ويطرح قضاياه، بالطرق الشرعية طبعا بين
جماهيره العريضة .. في إطار وجوده الحزبي..
وأذكر حديثا .. جري بيني وبين المستشار الألماني الأسبق
فيلي برانت .. وكنا نستقل القطار من فرانكفورت إلي بون بعد
أن ألقي خطابا لدعم مرشح الحزب «فوكهار هاوف».
قلت له إن موقف الحزب «الاشتراكي الديمقراطي» في فرانكفورت
لا يبشر بأي أمل في الفوز . فإذا به يقول لي: أحسن!!
ثم استطرد قائلا .. إنها فرصة للحزب في فرانكفورت لإعادة
تنظيم صفوفه وكوادره.
المهم..
إن المرحلة الجديدة التي تمر بها المعارضة غير الممثلة في
البرلمان الجديد .. تقتضي المزيد من العمل .. والمزيد من
الأمل .. وإلي المزيد من التواجد بين الناس ..
وعلينا أن نجرب من جديد .. المعارضة من خارج البرلمان
الأعرج.!
في مثل هذه الأيام من سنة 1951 أجرت مجلة «آخر ساعة»
استطلاعا للرأي لاختيار من أسمتهم أقوي عشرة رجال في مصر.
في 2 يناير 1952 نشرت المجلة نتيجة الاستطلاع . وكانت
كالآتي:
اشترك في الاستطلاع 11 ألف قارئ . في الوقت الذي كان عدد
سكان مصر أيامها 16 مليون نسمة!.
11 ألف قارئ لمجلة واحدة تصدر في مصر سنة 1951 .. بينما لا
يزيد توزيع جميع المجلات التي تصدر في مصر الآن ونحن علي
مشارف سنة 2006 عن هذا الرقم .. وليس سراً أن عددنا وفقا
لأرقام الجهاز المركزي للإحصاء وصل إلي 72 مليون نسمة.
ومفهوم طبعا أن «نسبة» الذين شاركوا في الاستطلاع تزيد علي
«نسبة» الذين شاركوا في الانتخابات النزيهة الشفافة .
والتي لم تزد «نسبة» المشاركة فيها وفقا للأرقام الرسمية
عن 23%.
في هذا الاستطلاع .. حصل الدكتور محمد صلاح الدين باشا
وزير الخارجية .. علي 9475 صوتا أي ما يزيد علي عدد
الأصوات التي حصل عليها الدكتور فتحي سرور في دائرة السيدة
زينب .. إذ حصل سيادته علي 9346 صوتا.
وحصل عبد الرازق السنهوري باشا رئيس مجلس الدولة علي 7142
صوتا.
وحصل الأستاذ حسن الهضيبي .. المرشد العام للإخوان
المسلمين علي 6075 صوتا.
وحصل مصطفي النحاس باشا رئيس مجلس الوزراء علي 5673 صوتا.
وحصل الدكتور عزيز فهمي عضو مجلس النواب علي 5374 صوتا
وحصل الأستاذ أحمد حسين رئيس الحزب الاشتراكي علي 5055
صوتا.
وحصل فؤاد سراج الدين باشا وزير المالية علي 4971 صوتا.
وحصل الدكتور حافظ عفيفي باشا رئيس الديوان الملكي علي
4539 صوتا
وحصل أحمد نجيب الهلالي باشا .. السياسي الكبير علي 3735
صوتا.
أما الشخصية العاشرة فكانت .. صاحبة العصمة زينب هانم
الوكيل حرم مصطفي النحاس باشا رئيس الوزراء .. ونالت 3682
صوتا.
وبعد هذه الأسماء التي حصلت علي أعلي الأصوات جاءت مجموعة
أخري من الشخصيات من بينها وزير المعارف طه حسين الذي حصل
علي 3281 صوتا.
والسيدة درية شفيق رئيسة حزب بنت النيل التي حصلت علي 2145
صوتا «!!».
ثم أحمد عبود باشا الذي حصل علي 1961 صوتا!.
ثم علي ماهر باشا الذي حصل علي 1825 صوتا!
ثم كامل البنداري باشا رئيس جماعة السلام الذي حصل علي
1382 صوتا.
وعند قراءة هذا الكلام الذي نشرته المجلة في يناير 1952 ..
نلاحظ .. أن وزير الخارجية .. وكان من القيادات الحزبية في
ذلك الوقت .. كان يتمتع بشعبية كبيرة بين قراء المجلة..
وأن نسبة الذين يعرفون اسم وزير الخارجية بالمقارنة لعدد
السكان «16 مليون نسمة» تعد عالية .. إذا قورنت بنسبة
المواطنين الذين يعرفون اسم وزير الخارجية المصري ..
الآن..
كان وزير الخارجية .. زمان .. يتحدث بلسان مصر . وليس
بلسان الحكام .. يتحدث بلسان الشعب كله .. وليس بلسان شخص
واحد!.
ويلاحظ أيضا أن رئيس مجلس الدولة .. الدكتور عبد الرازق
السنهوري حصل علي عدد من الأصوات يفوق تلك التي حصل عليها
رئيس مجلس الوزراء .. مصطفي النحاس .. بما يعكس المكانة
التي يتمتع بها القانون .. أيامها ..!.
وإن حيدر باشا وزير الحربية لم يكن من بين أقوي عشرة رجال
في مصر .. إذ حصل علي 2171 صوتا .. ومع ذلك لم تصادر
المجلة.. ولم يحصل رئيس التحرير علي علقة ساخنة .. تسفر عن
«دشدشة» نظارته الطبية!..
ويخطر بالبال سؤال:
هل تستطيع إحدي المجلات .. التي يصدرها مجلس الشوري ..
إجراء استطلاع للرأي لاختيار أقوي عشر رجال في مصر الآن
؟!.
والإجابة .. هي .. لا .. لسبب بسيط .. هو أن المسألة ليست
في حاجة لاستطلاعات .
الرأي العام في مصر مشغول بالمسابقات والجوائز التي يعلن
عنها التليفزيون .. للفوز بسيارة .. وأداء عمرة .. وزيارة
بيت الله الحرام ..
الناس مشغولة بمتابعة الفتاة التي تغمز بحواجبها . وتقول
لكل شاب يبحلق لها:
اتصل الآن من أي محمول علي زيرو تسعمائة .. ثلاث ستات!!.
ثم
لو افترضنا أن إحدي المجلات الحكومية أجرت استطلاعا للرأي
لاختيار أقوي عشرة رجال في مصر .. هل ستخلو هذه القائمة من
أسماء رئيس مجلس الشوري ورئيس المجلس الأعلي للصحافة ووزير
الإعلام .. ورئيس مجلس إدارة المجلة صاحبة الاستطلاع ..
ورئيس تحريرها .. والسيد إبراهيم العقباوي ؟!
هذا هو السؤال وإذا عرفت الإجابة .. اتصل الآن زيرو
تسعمائة .. ثلاث ستات..
بينما كان التليفزيون الألماني ينقل علي الهواء وقائع جلسة
«البوندستاج» .. لانتخاب إنجيلا ميركل .. مستشارة لألمانيا
.. وحصولها علي 397 صوتا..
وبينما .. وقف أعضاء البرلمان يصفقون لها .. وهي جالسة ..
ترتدي فستانها الأسود الأنيق .. وعلي «حجرها» باقات الورد
الأصفر.
وبينما كانت ترتسم علي وجهها ملامح الطفلة البريئة التي
تقدم إعلان محو الأمية .. ورفض ختان البنات ..
بينما كان ذلك يحدث كان التليفزيون المصري ينقل أنباء فشل
الغالبية الساحقة من السيدات الفاضلات المرشحات لمجلس
الشعب .. علي مقاعد..
المقاعد كلها .. كانت من نصيب الرجال..
الرجال انتخبوا الرجال .. والنساء انتخبن الرجال!..
وذهبت أصوات النساء للرجال .. في تفويض كامل للرجال بإدارة
شئون ربات الحجال..
فقدت فايدة كامل مقعدها..
وفقدت ثريا لبنة .. مقعدها
ولم تنجح مكارم الديري في مدينة نصر ..
والأكثر من ذلك كله هو .. عدم فوز الزميلة أمينة شفيق في
دائرة بولاق أبو العلا..!
وأمينة شفيق .. مناضلة ومقاتلة .. ولديها قدرة كبيرة علي
الإقناع .. ومخاطبة جموع الناس وإقناعهم .. والسيطرة علي
عقولهم.
كانت تدخل انتخابات نقابة الصحفيين .. بينما كانت بنات
جيلها .. يدخلن السينما..
خلقها الله لتناضل .. وتدافع عن حقوق البسطاء من أمثالنا
..
في دائرة بولاق أبو العلا .. لم يحالفها الحظ .. للمرة
الثانية .. لنفس السبب .. وهو أنها كانت تخاطب جماهير
بولاق .. عن لجنة ميليس .. والتدخلات الأجنبية في شئون
العرب .. وعن المفاعل النووي في إيران .. والأوضاع في
العراق وفلسطين .. وممر رفح إلخ....
وعندما كانت تنتهي من إجلاء الحقائق .. والتحذير من
المخاطر الدولية .. وتعبر أزقة الدائرة وحواريها .. في
الطريق إلي منزلها .. كانت تستمع لمكبرات الصوت تنقل
المونولوجات التي يدافع بها المطرب الكبير شعبان عبد
الرحيم عن خصومها في المعركة الانتخابية النزيهة ..
جماهير بولاق أبو العلا .. كانت تستمع إلي صوت شعبان عبد
الرحيم .. وتعجب .. بكلمات هيه .. هيه ...
وتتصور أن شعبان عبد الرحيم هو خير من يمثلها في مجلس
الشعب .. ويكفي أن يقف في الجلسات الساخنة وهو .. يردد ...
هيه ... هيه .. فتنطق المنصة .. بكلمة «موافقة»!.
وفي مقالها بجريدة الأهرام .. قالت الزميلة أمينة .. إنه
عندما كانت تري عربات نصف النقل وعليها الميكروفونات التي
تطلق صوت «شعبولا» تأييداً لخصمها .. كانت تضرب كفا بكف..
صوت شعبان عبد الرحيم في الميكروفون كان يساوي صوتا من
أبناء الدائرة في صناديق الاقتراع..
وما أزال أذكر كلمات المطرب الكبير التي قال فيها:
الناس تشوف رغيف العيش تقول فيه مسامير .. مع أن أكثر حاجة
إحنا محتاجينها هي الحديد .. فكر بس لما تلاقيه في العيش!
منطق .. أليس كذلك..
ويتبادر إلي الذهن سؤال..
هل اختلفت صورة المرأة العاملة من وجدان الرجال؟
هل أصبحت نانسي عجرم .. هي الصورة المثالية للمرأة
العصرية؟
هل أفسدت نانسي .. أذواق الرجال .. وهبطت بمقاييسهم للجمال
المثقف؟!
هل إعلانات التليفزيون هي السبب ... وخصوصا ذلك الإعلان
الذي تهز فيه الفتاة المصرية .. حاجبها الأيسر .. علي
طريقة الراقصة الشهيرة «عزيزة هزو»؟ .. وهي تلوك في فمها
«لبانة»؟! وتعلن عن حبها للجوائز؟!..
وبالمناسبة يقال ل «اللبانة» باللهجة اللبنانية ..
«العلكة» .. بيد أن الفارق بين اللبانة المصرية والعلكة
اللبنانية .. لو تعلمون خطير..
إنها حقا .. علكة!
المهم .. إن عدم حصول المرأة علي مقاعد في برلمان 2005 ..
قضية تحتاج لدراسة .. ليس فقط داخل أروقة المجالس التي
تهتم بقضايا المرأة .. ولكن يتعين إشراك الرجال في الأمر
باعتبارهم نصف المجتمع .. وعلينا أن ندرس..
لماذا بات الرجل يفضل المرأة التي تشبه أمه .. ويرفض
المرأة التي تشبه المرحوم والده ؟!..
أسئلة في حاجة إلي أجوبة .. ونعود إلي موضوعنا .. لنقول إن
انتخاب إنجيلا ميركل كمستشار لألمانيا .. ينبغي أن يدق
أجراس التنبيه في جميع العواصم العربية .. بلا استثناء..
العواصم التي ترفض السماح للمرأة بقيادة السيارة ..
والعواصم التي تسفر فيها الانتخابات النزيهة عن انتصار صوت
شعبان عبد الرحيم علي صوت أمينة شفيق!.
يجب أن نستعد من الآن ليوم تأتي فيه إنجيلا ميركل لزيارتنا
.. فتري بلدا لا يعلو فيه صوت علي صوت «شعبولا» .. هيه ..
هيه ..!.