أغرب جريمة نشرتها الصحف منذ أيام.. كانت عن طالبة في كلية
الإعلام سمعت عن شخص يملك القدرة علي تسخير الجان لتوليد
النقود .. فأسرعت إليه تستوضح الأمر..قام أمامها بتجربة
عملية باستدعاء الجان لتحويل ورقة من فئة الجنيه إلي ورقة
بمائة جنيه.. وورقة الدولار الواحد تتحول علي يد هذا
«العفريت» إلي ورقة بمائة دولار.. والعفريت لا يرفض طلبا،
جاهز تماما لتوليد النقود في لمح البصر!!.
وفوجئت طالبة كلية الإعلام بهذه الأعجوبة.. ونقلت تفاصيلها
إلي مجموعة من أصدقائها وأقاربها تبشرهم بالكنز الموعود..
وجمعت منهم 8300 يورو و2500 دولار لتوليدها عند هذا الشخص
وعفريته المطيع!.
واستلم هذا الشخص النقود وسط طقوس وطلاسم يحاور بها
عفريته.. ثم أخبرها أن تأتي إليه بعد عدة أيام نظرا
لانشغال عفريته في مهام أخري.. واستجابت له طالبة كلية
الإعلام!.
وعندما عادت إليه في الموعد المحدد.. فوجئت باختفاء هذا
الشخص.. وبالتالي اختفاء الفلوس! وشعرت الطالبة الجامعية
بأن في الأمر خدعة لم تكتشفها ولجأت إلي إدارة مباحث
الجيزة لتحكي عن لقائها في أحد مقاهي العجوزة بشخص يدعي
الشيخ حسن طارت شهرته مع عفريته في توليد النقود.
وتحركت أجهزة الأمن لجمع التحريات عن هذا الشخص، حتي تمكنت
من القبض عليه في كمين بكافتيريا بالدقي.. واتضح أنه يعمل
بائعا للملابس ويحترف الدجل وأنه اخترع قصة هذا العفريت
وقدرته علي توليد النقود.. وجمع بأسلوب النصب ثروة اشتري
منها سيارة ملاكي بسلسلة مفاتيح ذهبية.
وهكذا انتهت هذه القصة.. الغريب فيها أن تكون ضحيتها - أو
إحدي ضحاياها - طالبة جامعية في كلية الإعلام أي أنها تدرس
نظم تنوير وتوجيه الرأي العام من خلال كشف الحقائق وتصحيح
المسارات الخاطئة.. وإذ بها هي شخصيا قد ألغت عقلها
وتفكيرها.. واستسلمت لخرافة مجنونة لا تخضع لأي عقل أو لأي
منطق.. إلا الوهم بقدرة العفاريت علي توليد النقود!! وهي
وظيفة جديدة لعفاريت هذا الزمان التعس!.
وإذا أمعنا التأمل في قصة طالبة كلية الإعلام التي ضربت
بدراستها عرض الحائط وأهانت «الإعلام».. وأهانت معه الحاضر
والمستقبل، بعد أن أهانت نفسها وذكاءها وخسرت كل شيء، نجد
أن هذه القصة تتكرر بشكل أو بآخر في واقعنا الحالي، وفي
أدق الظروف التي يمر بها الوطن.. من خلال أصحاب الملايين
الذين يسخرون أموالهم لعفاريت توليد الأصوات الانتخابية.
فكل واحد من هؤلاء المليونيرات.. تشكلت قناعاتهم بأن
الوصول إلي مقعد في مجلس الشعب، لابد أن يمر من بوابة
الوعود الانتخابية.. ثم بوابة شراء الأصوات.. ولأن الوعود
الانتخابية أصبحت أكثر من الهم علي القلب.. لا أحد يقتنع
بها أو بصدقها.. فإن البوابة الثانية، بوابة شراء الأصوات،
أكثر فاعلية، وأكثر سرعة لتحقيق المراد.
وتنوعت عفاريت توليد الأصوات.
وتصاعدت حمي مزادات شراء الأصوات.. من عشرين جنيها إلي
مائة جنيه إلي خمسمائة جنيه في يوم الإعادة!.
وتنوعت طرق التأكد من شراء الأصوات.. سواء بشراء بطاقات
الناخبين وتسليمها لهم قبل التصويت مباشرة أمام اللجان
لضمان الحصول علي أصواتهم.. وسواء بتسليم الناخبين
تليفونات محمولة مزودة بالكاميرا لتصوير بطاقات إبداء
الرأي للتأكد من الحصول علي أصواتهم ثم يعاد تسليم هذه
التليفونات بعد تصوير البطاقة عند خروجهم وتسلم باقي
المبلغ المتفق عليه لشراء الصوت!.
وقد وصل إنفاق أحد المرشحين من رجال الأعمال إلي ما يقرب
من عشرين مليون جنيه في عملية توليد الأصوات.. ومع ذلك لم
يسائله أحد في مخالفة ضوابط اللجنة العليا للانتخابات
والتي حددت سقف الإنفاق الأقصي بسبعين ألف جنيه! فالغالبية
من المرشحين من جميع الاتجاهات لم تلتزم بالقانون، واللجنة
العليا للانتخابات لم تطبق القانون.
وهكذا نشطت عفاريت توليد الأصوات.
وإذا كانت طالبة كلية الإعلام قد خسرت نقودها ونقود
أقاربها وأصدقائها مع عفاريت توليد النقود.. فإن في
الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب.. تم إفساد متعمد للحياة
السياسية وخسارة يدفع ثمنها الوطن كله مع عفاريت توليد
الأصوات بشراء أصوات الجماهير المغلوبة علي أمرها، والذين
يعانون الفقر والإهمال وقسوة الحياة.. فاضطروا للتنازل عن
إرادتهم الحرة مقابل أبخس ثمن!.
وبنفس المنطق.. لعب أنصار التيار الديني المتطرف بإطلاق
عفاريت الآخرة علي كل من لا يلتزم بتعاليمهم ومخططاتهم!.
وتحولت الدعوة للعودة إلي الجذور المصرية الحقيقية
والأصيلة.. إلي دعوة للعودة إلي كهوف الظلام وشريعة العنف
والإرهاب.
ومع قوة تغلغل هذه الجماعات المتطرفة في نسيج الطبقات
الشعبية باسم الدين.. أصبحت لهم قواعد وتجمعات منظمة يسهل
حشدها عند اللزوم.. وكانت الفرصة مهيأة للحشد والتجييش في
الجولات الانتخابية الأخيرة لمجلس الشعب.. وجلجلت الحناجر
والسيوف والجنازير للإعلان عن وجودهم، وإرهاب الجميع.
ومرة أخري.. يغيب العقل.
وتنجح عفاريت الآخرة.. فيما فشلت فيه عفاريت توليد
النقود.. وعفاريت توليد الأصوات.
وأصبح الخوف والقلق يسيطران علي الموقف.
ولا خروج من هذا المأزق.. إلا إذا اعترفنا بضرورة إعادة
حرث الأرض المصرية وتطهيرها من الثعالب والديدان والآفات
القاتلة للروح والهمة.
إعادة حرث الأرض.. بتعليم ينمي العلم والوعي والابتكار..
وثقافة تفتح طاقات من النور والاستكشاف، ثقافة لا تعتمد
علي الغيبوبة والتسطيح.. وعمل جاد ومنضبط لا يخضع للأهواء
والمحسوبيات ومنطق «شيلني واشيلك».. وسياسة تقوم علي
الشفافية والمكاشفة بدون كذب أو خداع أو التواء.. وقيادة
تحقق العدل الاجتماعي والطمأنينة لكل مواطن بقوة القانون.
ولو لم يتحقق هذا.. سنظل مجرد ضحايا تلعب بنا كل عفاريت
الدنيا والآخرة!.