يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1256 (30 نوفمبر - 7 ديسمبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

كنت قد اشتقت إلي محسنة..

 
 

مايسة زكي

 

  حقا من تلك التي تقول لها أم كلثوم إنها سعدت جدا بسماع صوتها (؟!) كما كتب الحوار محفوظ عبدالرحمن في مسلسله الاستثنائي «أم كلثوم»، فترد بلماحية الواثق: «دي شهادة كبيرة من أجمل صوت في مصر»،
من تلك التي تختارها إنعام محمد علي لتؤدي مشهدا واحدا، في مسلسل بهذا الحجم، باعتبارها أم المصريين صفية زغلول حيث تستقبل أم كلثوم في بيت الأمة، فتدخل المشهد متأخرة معتذرة لأنها كانت في زيارة «سعد»! تعلق الجملة تعليقا طفيفا يتأرجح بين الواقع والخيال، تأخذها - ربما - كلمة زيارة التي تجوز في العامية المصرية علي الميت والحي، فتلتقط بذلك جوهر المشهد الذي يقدم صفية باعتبارها تعيش - ماتزال - مع سعد زغلول ومقولاته وتنتظر تحقق أحلامه، هذا الانتظار الذي يبقيها حية دافقة بمخزون تفضي منه علي غيرتوقع، وعلي نحو يأخذ بأم كلثوم كما أدتها صابرين، وكأن أم المصريين - هذا الرمز النائي المبجل - لم تتبادل الحوار مع أحد من المصريين (!) بهذه الثقة والحيوية منذ عهد بعيد، فأدخلت أم كلثوم، مؤتنسة بها ومستبشرة، إلي عالمها الخاص وخصتها بحديث ذي عمق وشجون، تستوحي - ماتزال - دخولها المتأخر، وكأنها هي التي جاءت محملة بالرغبة في الإفضاء ويرتعش صوتها بمحبة دافئة، توحي - علي وحدتها الحيية - بامرأة قوية حانية قادرة علي أن تمنح أم كلثوم في معركتها ضد سيدات العائلة المالكة ساعة حصولها علي لقب «صاحبة العصمة» دفعة تشمخ بها للأمام.
هذا بعض من الحساسية الأدائية التي تمتلكها محسنة توفيق، التي تستطيع أن تشع في لحظة ما يخبئه جب مشاعر وإدراك، مدعمة - في ذاك المشهد ربما - بسر الطاقة النضالية عند البسطاء والرهان علي الوعي المستوطن في قلوب الناس، والذي انطلق بعفوية ليلة تنحي جمال عبدالناصر مع «عصفور» شاهين، تخرج «لأة» بهية الكبيرة عملاقة علي شاشة سينما سفنكس الصيفية في ليلة من ليالي عام 1974 وتملأ محسنة/بهية عيني وجودا مضطرما يموج بالإصرار في عدوها العفي، كأنها في حماستها الثائرة تكاد تخترق الشاشة نحوي.. وينطلق العصفور!.
وربما من وحي المدي الذي تستطيع أن تأخذنا إليه في المشهد الواحد كان فيلمها الأخير «ذيل السمكة»، حيث تحوّل في مشهدها ذيل الفيلم إلي الجزء الأكثر قيمة وإشباعا للشهية الفنية، وتصنع هذه المفارقة الممتعة حيث تحلق بكشاف النور - عمرو واكد - إلي الآفاق الأدائية الأصدق والأرهف في الفيلم، بينما تمهد بمهارة إلي البيت الذي يلتقي فيه حبيبته السابقة التي يقتفي أثرها - ذيلها - منذ أن هجرت جواره في الحي الشعبي الذي يقطنه.
في فيلم «ذيل السمكة» يقدم وحيد حامد بطلا جديدا يعمل كشاف نور يكشف ما وراء الأبواب المغلقة بحثا عن عداده، لكنه في حقيقة الأمر يبحث عن أمرين، يبحث عن فرصة تكشف قدرته الشعرية المخبوءة، وعن حبيبته التي هجرته بين يوم وليلة بعائلة جلها من البنات الفقراء، وهي المسئولة عنهن.
بهذا الوجه الوضاء الذي ظهر علي الشاشة تستقبل كشاف النور بدفء مصري وثقة حدسية بواحد من ذيل المجتمع المصري، تأتمنه في وحدتها، وهي السيدة الموسرة رهينة المقعد الحديدي، أن يصنع لهما كوبين من الشاي، تلك العلامة المصرية علي المحبة والتباسط وعربون صداقة ومودة، متدثرة بالشال الأنيق ونصاعة مظهرها، ومظهر البيت، وصور الأبناء والبنات، تحيط وحدتها بإطار من العزة الكريمة وتطلي معاناتها بطلاء من التسامح مع تجاهل الأبناء الخمسة المحدودين بعمرهم وتجربتهم، والذين يعتقدون أن السماوات المفتوحة المطلة من الشاشة الصغيرة كفيلة بدحر الوحدة والبرودة، في تكرارها لكلمة «شوف»، وهي تقلب القنوات، مقاومة أم مصرية لإدانتهم، وكشف في ذات الوقت عن شوق دفين لرفقة ابن محب، وفي دعوته للشاي اصطفاء له.
في خروجهما معا، متطوعا، لتبتاع ما تشاء برفقته، فرحة غامرة، في متتالية من اللقطات الصامتة يتألق صفاء مصري قديم نفتقده، ينتشي وجهاهما من محبة خالصة، يظن الغافل أنه هو الذي أبهجها بينما هي التي أرشدته بطاقة وجودها، وموقعها في السيناريو في ذيل الفيلم إلي المياه الدفيئة، إلي الفرصة والحبيبة، إلي التصالح مع بلد متيبس قاسٍ.
وأراها في فيلم أحمد ماهر القصير «علامات إبريل» الذي هو من أبلغ علامات هذا المجال السينمائي تستخدم إيقاعا فكاهيا وطاقة مزاجية فريدة لتغطية حقيقة الغيرة والصراع علي الاستحواذ علي انتباه طالب تعطيه أختها الصغري درسا في واحد من أجمل أدوار سلوي خطاب في ذاك الفيلم مثال نادر لإشباع شوق ممثلة كبيرة لطريق جديد يحققه مخرج شاب يخلق بها ومعها مجالا إيقاعيا ينعكس في المونتاج وأحجام اللقطات علي نحو غاية في الدقة والحساسية.
هذه الإطلالات الخاطفة لمحسنة توفيق كانت - إن لم تخني الذاكرة الخائنة بطبعها - في غضون السنوات الخمس الماضية، هكذا تمارس هذه السيدة دربا من الإغواء الفني توحي: ينال الخبيئة مع السنين تلونا وتبدلا يزيد القيمة والجاذبية.
ولم تكن هذه الإطلالات هي الوسيلة الوحيدة لإثارة شوقنا إليها وافتقادها، ففي عام 2002 أعاد المخرج المسرحي مراد منير تقديم مسرحية «منين أجيب ناس» لنجيب سرور محتفظا بعلي الحجار في دور «حسن»، وبذات التشكيلات الحركية والبنية الموسيقية للعمل تماما مع تغيير بدا طفيفا هو «نعيمة» ورغم أن وفاء صادق هي من أرق وأبهي ممثلاتنا الشابات، إلا أن انصهار محسنة في النسيج الموسيقي للعمل في منتصف الثمانينيات كان فذا، ليس ذلك من وحي الافتتان اللحظي وإنما تأكد لي عندما شاهدت المسرحية مسجلة، ففي إعادة العرض حديثا بدت التشكيلات البصرية من أجساد الممثلين، والتي كانت مبهرة من قبل كأنها خاوية تكاد تنهار، كانت مستندة في التصور الإخراجي الثابت إلي لحن أساسي، غير لحن حسن، هو لحن نعيمة، والذي برز في غيابها كشف عميق في جدار البناء الموسيقي والتشكيلي للعمل.
جسدت محسنة في هذه المسرحية ما يصفه مايكل دنيس في كتابه «تدريب الممثل المسرحي»: «إن تدريبنا لصوت الممثل يعتمد علي الغناء حتي يتميز صوته بالقوة والوضوح والإيقاعية والموسيقية، نحن لا نتحدث هنا عن الجمال أو الموسيقية لذاتهما، إنما هدفنا أن نوقظ في الممثل حساسية موسيقية وشعرية قادرة علي الانتقال إلي المسرح عبر خاصية الإيقاعية في الصوت والتنويعات النغمية المشروطة بالنص، كل هذا يجب أن يبدأ من أعماق الممثل ليجد مداه التعبيري الأكمل من خلال الصوت»، وفي موقع آخر من الكتاب: «.. حتي لتكاد تكون الخاصية الموسيقية للصوت غريزية..».
هل تصادف وسمعتها أماً لمريم العذراء كما كتبها عبدالسلام أمين للبرنامج الثاني، باستيحاء للآيات القرآنية في خطاب الله للبتول وبأداء صوتي يستوحي لحظتها الفريدة تحت تلك النخلة.
وفي هذا العام، 2005، قدم مسرح الهناجر مسرحية «الأم شجاعة» لبريخت وإخراج المخرج الشاب عمرو قابيل، فتذكرت كيف هامت محسنة بتلك الشخصية راغبة في الخوض في عالم بريخت المسرحي، وتواتر إلي ذهني لقطات من فيلم «بيت القاصرات» إنتاج عام 1984 الذي تمردت به علي محسنة/بهية.
في رئاستها للإصلاحية كنموذج سلطوي قاسٍ استطاعت أن تخلي وجهها الذي يفيض عادة بشحنة انفعالية جارفة وكذلك صوتها، لتصدر وجها وصوتا باردا متعاليا علي آلام البنات متشبثا بلا شيء غير مقعد الرئاسة! أتخيلها وهي متشبثة بعربتها المتجولة تتاجر متنقلة أثناء ما عرف ب «حرب الثلاثين عاما» في أوروبا المسيحية في القرن السابع عشر، تخرج من الحرب بالعربة دون الأبناء الثلاثة، تستطيع أن تري بعين الخيال صراع غرائز الأمومة وحب البقاء والنجاة واكتناز المال والشره الذي تنتجه الحروب المدمرة في هذه الشخصية الدرامية الأسطورية «الأم شجاعة» تستطيع هي - في خيالي - أن تحول القسوة والتوحش اللذين يتركان آثارهما علي الوجه حتي يحجرانه - ربما - إلي كناية شعرية عن ضغوط الحرب وضروراتها التي تنحر إنسانيتنا طبقة طبقة.
الذكر بالحضور والفكر بالخيال، والشوق بالحضور الخاطف والشوق بالغياب، وأراها تحرص علي حضور فيلم في مهرجان أو مسرحية أثارت جدلا، أتوقف، يمنعني عنها مسافة اشتياق.
في مسلسل «المرسي والبحار» أطلت إطلالة طويلة خاطفة! تغيب وتظهر أيضا في ظهورها تجلي المشهد وتعلي من طاقته، فنترقبها مشوقين كما كانت تترقب ابنها «فارس» في غياباته، ويستطيع المخرج أن يعتمد عليها في تصوير لهفة قلب الأم في الغياب الصغير أو التأخير البسيط كما يتضح في رنة الصوت الذي يلف جلجلته بغلالة من حياء، وبرقة العين المتعاجبة الغافلة، وبسطة الجسد التياه بالولد، ويستطيع بلقطة واحدة صامتة من حسرتها الملتفة بالسواد، والتي تزند الجسد كله كأنه انكمش، أن يقفز بزمن العمل سنوات مطمئنا إلي هذه القدرة التعبيرية التي تكثف أزمنة العذاب، ويا ليت العمل استفاد من هذا الإيجاز البليغ!.
تؤطر محسنة هذه اللحظات في عمر الشخصية، لكن قدرتها الشعرية في الأداء كانت تترقب هي الأخري لحظة عودة الابن بعد طول فراق وبعد رحيل الزوج الرفيق «العربي» الكبير، ودون تحقق آماله في ابنه أو حتي رؤيته.
تهدل اليدين اللتين لا تملكان شيئا والخطو الوئيد الذي لا يجرجره مثقلا العمر وحده، وإنما ميراث الخيبة والأمل الذي يكاد يخبو وينطفيء في أن تراه هي الأخري، هل انطفأ نور العين أيضا أم ذهل عن القريب وانجذب للبعيد واهتدي بنور البصيرة حتي كلت أو كادت، وثبتت النظرة، عندما دخل صمتة طويلة.. هل حقا؟ هل تري؟ هل تصدق؟ هل تلمس؟ هل تضم.. حقا؟! وتضم حضن العمر كله، والعين ماتزال هناك، مسكونة بتاريخ طويل من الشوق والاكتواء بالفراق، يحاول أن يبردها دمع رقيق كاد يجف في الغور السحيق، حتي أن المسلسل يخرج عن نسقه النثري الجاف كما يعكس في حركة الكاميرا التي تبث فيها إيقاعا فنيا ملحوظا ومغايرا والأغنية الوحيدة التي تتجاوب مع شعر الصورة الذي أنشأته محسنة محرومة من واحد من أهم أدواتها الفنية وهو صوتها الفريد، حيث الصمت والعجز عن الإفصاح ضرورة فنية في هذا المشهد.
وعندما يعاود الغياب والرحيل تجسد في مشهد قصير كان من الممكن ألا يلتفت إليه أحد، بالصوت وحركة الجسد في الريح في مواجهة البحر رفرفة قلب الأم للحبيب الذي تكاد تشم رائحته في الهواء عائدا، وذلك من رقة شعور وشفافية روح السن المتقدمة والقلب الدليل، يكاد الشوق واليقين يطيرانها ويتجاذبانها، وكأن المشهد رؤيا من رؤي الصوفية لكن حين يميل قلب الابن لبيع البيت العريق، هذا الابن الذي تخبر ضعفه ورغبته الدائمة في الهروب والتنصل من تاريخه وأرضه تقف وقفة بعيدة الأثر، تجلب تاريخ الشخصية العاطفي - ما لم نره - وتاريخ ملاصقتها للأب «العربي» المناضل بل التاريخ الشعوري الوطني - بصفته - في كبرياء تغلبه دموع سخية.. هذه المرة، وترتج عليها الكلمات في لحظة من شدة الانفعال والتدفق والرغبة في الثبات، «يصعب تماما أن تدرك إن كان هذا وليدا لتخطيطها للمشهد أم عفو الحرفة اللحظية» بتجمد تعبير التاريخ «الحي» بصبا مشاعرها التي لا تشيخ أبدا، حقا إن مشاعرها لصبية.
مع محسنة يصبح للأسماء وإطار الحكاية الواهي معني وقوة مجازية، بل إنها قد ترأب الصدع الفكري بتناولها للمشهد وهذا تضليل فني وغواية أخري نحذركم منها!.
تستخلص ذؤابات درامية وتعنونها شعرا أدائيا مقطرا، ولكي لا تصبح تلك اللحظات معلقة في فراغ تحاول أن تبني سياقا نفسيا زمنيا لشخصية واقعية امتدت علي الشاشة حوالي نصف القرن حتي أني استغربتها أول المسلسل، تنتقل فيه من دلال الزوجة إلي فكاهة العجوز التي خبرت الحياة في مشاهد متباعدة ناتئة. لكن ثمة أثر فريد ليس من الممكن تجاهله في «المرسي والبحار»، إنها تحدث فيه هذا التوتر الجمالي الناشيء من ممثلة تتجاوز بحضورها مألوف الأداء التليفزيوني، تقبض علي جمر الموهبة طويلا لتحلق بخيالها التمثيلي بعيدا جدا، بينما تهافت الفكر وخلطه في منظومة المسلسل يسعي إلي جذبها إلي مجاله.
وما ربحت إلا أن «هاج بي الشوق»!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة