أهداني أحد أبناء مصر الأوفياء عندما كنت في زيارة
للولايات المتحدة الأمريكية صيف هذا العام بياناً رائعاً
باللغتين العربية والإنجليزية مورخاً في 25 مايو 2005،
ومعبراً عن رؤيتهم لطموحات ومتطلبات التحول الديمقراطي في
وطنهم الأصلي، ويحدوني في السعي لنشر هذا البيان ما تتضمنه
أفكاره من تطابق يكاد يكون تاماً مع ما دعت وتدعو إليه
جماهير الشعب المصري والجبهة الوطنية للأحزاب في برامجها
نحو التغيير وتأسيس نظام حكم ديمقراطي وما يقضيه من
الضمانات السياسية لتجسيده.
كما يدفعني إلي نشر هذا البيان في هذه اللحظة ما يتبدي فيه
من المفارقة الشاسعة والمغايرة الصارخة لأحداث ما جري في
اجتماع واشنطن أخيراً «نوفمبر 2005» الذي نظمته جماعة ابن
خلدون بتمويل من السيد منير وإدارة جماعة السيد/ أبادير
الأمريكية التي تزعم تمثيلها للأقباط في مصر.
وقد كانت أجندة هذا الاجتماع ترتبط بموضوع حقوق الإنسان في
مصر، بيد أن مداولاته انصبت وتركزت علي ما ادعته من اضطهاد
الإخوة من المواطنين من أقباط مصر باعتبارهم «أقلية»
يتحدثون باسمها زوراً وبهتاناً، والواقع أن ما جري فيه
يمثل نموذجا صارخا من الإساءة للتراث الخلدوني من ناحية
وتنكراً لمقومات الوحدة الوطنية التي كان القمص سرجيوس أحد
رموزها الخالدة في ثورة 1919، وأحسب أنه لو كان معنا اليوم
لنادي بصرخته المدوية «إن كان تدخل الأمريكان في شئون
أقباط مصر لحماية حقوقهم الوطنية فليس لي من رد إلا أن
أقول فليمت الأقباط ولتحيا مصر» ومعه نردد اليوم فلنمت
جميعاً ولتحيا مصر.
أضف إلي دوافعي في الحرص علي نشر البيان ما يعكسه من
اعتزاز المصريين في المهجر بوطنهم الأم، «فشعب مصر قد قدم
للعالم العربي أول نموذج للحياة النيابية في أواخر القرن
التاسع عشر» كما يشير البيان، وتعكس كذلك رؤيتهم لطموحات
كل مصري إلي «التغيير والانتقال السلمي من الاستبداد إلي
التغيير» لكن مما يؤلمنا ويؤلمهم أن تتبدد الآمال وأن
تختزل مسيرة الإصلاح السياسي في تعديل للمادة 76 من
الدستور في صورة غريبة لم تشهد صياغتها مواد أي دستور من
دساتير العالم الديمقراطي، كما يؤكد فقيهنا الدستوري
الجليل يحيي الجمل، أو كما وصفها «ووكر» السفير الأمريكي
الأسبق في مصر في أحد تعليقاته بأنها ما هي إلا «نكتة!».
وفي هذا الصدد نشير أيضاً إلي تعليق «زجنيو بريجنسكي»
مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس كارتر في وصفه لدعاوي
الرئيس بوش من نشر الديمقراطية في ربوع الشرق الأوسط، وعلي
حد تعبيره يتحدث بوش «عن الديمقراطية كثيراً بأن تلوي
عدداً من الأذرع ثم نتوقع أن الديمقراطية ستنتشر بطريقة
سحرية، وهذه فكرة سخيفة absund» ويبدو أن ثمة محاولات لأن
تلوي أذرع في مساعي الداخل إلي جانب ضغوط الخارج، ينشد
الداخل استمرار الأوضاع مع بعض صور التجميل بنوع من
إجراءات مساحيق «الكوزمتكس» وها نحن اليوم نمر في انتخابات
يقال إنها أقل تزويراً، وإن كانت بالقطع أكثر الانتخابات
عنفا وبلطجة وارتشاء في التاريخ المصري، ويقدم لنا الحزب
الحاكم فيها برامج ووعوداً خيالية مكيافيلية تتفادي جوهر
القضايا الحقيقية في الإصلاح السياسي الديمقراطي،
والديمقراطية كما تعني للخارج «كما تريده الولايات المتحدة
هو عالم ديمقراطي يعتمد علي اقتصاد السوق»، كما أوضح
أخيراً تقرير «ستيفن كراستر» رئيس إدارة التخطيط السياسي
في وزارة الخارجية الأمريكية، وتوحي مؤشرات نتائج
الانتخابات الحالية حيث - كما كان متوقعاً - تسود أعداد
مقاعد مجلس برلمان المستقبل فئة رجال المال والأعمال
وأنصار اليمين الرأسمالي المفرط، وبذلك يتم التقاء مقاصد
الداخل والخارج.
ونعود إلي بيان أبناء مصر في الولايات المتحدة ونقاطه
العشرة فيما تصوروه من مطالب الإصلاح السياسي في وطنهم
الأصلي.. يقول البيان:
«نتابع نحن أبناء مصر في الولايات المتحدة موجة المطالبة
الشعبية المصرية بالتغيير، وندرك أن شعب مصر الذي قدم
للعالم العربي أول نموذج للحياة النيابية في المنطقة في
أواخر القرن التاسع عشر، قادر علي أن يقيم الديمقراطية
الحقيقية من جديد علي أرض مصر، ومؤهل لتقديم نموذج مشرف
للممارسة الديمقراطية سواء علي مستوي النقابات أو منظمات
المجتمع المدني أو الانتخابات التشريعية أو الانتخابات
الرئاسية، بشرط أن يتوافر المناخ الخالي من الممارسات
القمعية وتدخل أجهزة الأمن وأجهزة الإعلام الموجهة في كل
مرة يتوجه فيها الناخب المصري لممارسة حقه في الاختيار.
ونتابع نحن أبناء مصر في الولايات المتحدة بثقة وأمل
التطورات السياسية الأخيرة في مصر وفي مقدمتها الصحوة
السياسية ونهوض القوي الشعبية الحية للمطالبة بإجراء
إصلاحات سياسية شاملة لتخطي العثرات التي حالت دون تقدم
الشعب المصري نحو الحرية والازدهار.
وبالرغم من تفاؤلنا وتأييدنا لهذه الصحوة فإننا ننظر بقلق
بالغ إلي المحاولات التي يقوم بها النظام الحاكم لوضع
العقبات وعرقلة مسيرة الشعب المصري، الذي يتطلع إلي إقامة
نظام ديمقراطي حقيقي في مصر، يسمح بالتداول السلمي للسلطة
وفق إرادة الشعب واختياراته، من خلال وضع شروط تعجيزية
أمام من يرغبون في ترشيح أنفسهم لرئاسة الجمهورية، وحظر
التظاهر وتقييد التجمعات السلمية، والإقصاء والعزل السياسي
لبعض التيارات السياسية المصرية، والتحكم في حرية تشكيل
الأحزاب، ومواصلة احتكار وسائل الإعلام المصرية لخدمة
النظام الحاكم.
علما بأن الوعد بتغيير المادة 76 من الدستور الذي علق عليه
المصريون بعض الأمل تحول في النهاية إلي مهزلة، فرغت الوعد
من مضمونه الإصلاحي، ورسخت سطوة النظام الحاكم، وإصراره
علي مصادرة حق الشعب في اختيار قيادته وفي ضوء ما تقدم
نطالب نحن أبناء مصر في الولايات المتحدة بالتالي:
أولا: إلغاء قانون الطوارئ وغيره من القوانين المقيدة
لحقوق التعبير والتنظيم والاجتماعات السلمية والإفراج
الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، وفتح
الطريق أمام كل القوي السياسية الوطنية للمشاركة في العمل
السياسي.
ثانيا: إطلاق حرية تشكيل الأحزاب دون وصاية من النظام
الحاكم، وحق كل مواطن في الترشح والترشيح، والتخلي عن فرض
شروط تعجيزية تحد من فرص المنافسة في انتخابات الرئاسة،
وإضافة كل التعديلات الدستورية المطلوبة وعلي رأسها تحديد
فترات الرئاسة في مصر بفترتين فقط، وتحجيم الصلاحيات
المطلقة التي يكفلها الدستور الحالي لرئيس الجمهورية دون
مسئوليته أمام ممثلي الشعب.
ثالثا: إعادة فتح باب تسجيل الناخبين للمشاركة في
الانتخابات الرئاسية، حيث أن تعديل المادة 76 جاء بعد
إغلاق باب التسجيل أمام الراغبين في الإدلاء بأصواتهم في
الاستفتاء علي ا لرئاسة، وليس الراغبين في الإدلاء
بأصواتهم في انتخابات بين أكثر من مرشح، وإتاحة الفرصة
لملايين المصريين - من أبناء مصر في الخارج - للمشاركة في
الانتخابات بعد تسجيل أسمائهم في السفارات المصرية.
رابعا: فتح أجهزة الإعلام العامة وخاصة الإذاعة
والتليفزيون أمام المترشحين، لضمان وصول آرائهم وبرامجهم
السياسية والاقتصادية للناخبين المصريين، لكي يكون انتخاب
الشعب للرئيس القادم مبنيا علي الاقتناع والاختيار الحر،
بدلا من الاحتكار الحالي للإعلام من قبل النظام الحاكم.
خامسا: الاستجابة الفورية لمئات من القضاة الشرفاء في مصر
بالإشراف الكامل علي الانتخابات الرئاسية بدءا من تنظيم
جداول المرشحين ومرورا بعد الأصوات والانتهاء بإعلان
النتائج ضمانا للمساواة والعدل بين جميع المتنافسين، مع
ضمان استقلال القضاء استقلالا تاما عن السلطة التنفيذية.
سادسا: السماح لمراقبين دوليين مستقلين بمراقبة عملية
الانتخابات لضمان نزاهتها والحيدة الكاملة فيها، وعدم
تكرار انتهاكات الماضي، وتشكيل جهاز شرطة قضائية مستقل
يتبع وزارة العدل والمحاكم المصرية، ويتلقي منها أوامره
مباشرة، لا من وزارة الداخلية، ويعينها في مهماتها
القانونية، بما فيها الإشراف علي الانتخابات.
سابعا: البدء في التحضير لفترة انتقالية يتمكن الشعب
المصري خلالها عن طريق تنظيماته الحرة، من وضع نظام سياسي
تأسيسي جديد، وإتاحة الفرصة لهذه التنظيمات من خلال
الممارسة الديمقراطية السليمة أن تقرر قياداتها التي تعبر
بصدق وشفافية عن مصالح وآمال الشعب المصري.
ثامنا: دعوة الشخصيات الوطنية المستقلة، التي هي محل إجماع
المصريين، نظرا لسمعتها الوطنية العالية في وجدان الشعب،
أن تخوض غمار الحراك السياسي الحالي، وتتقدم لتقود شعبنا
في الفترة الانتقالية، حتي تتم التعديلات الدستورية
المطلوبة، وتقوم المؤسسات السياسية والقانونية المعبرة عن
إرادة الشعب، ويصبح التنافس بين الأحزاب والقوي السياسية
ممكنا في جو آمن مضبوط بضوابط الدستور والقانون والمنافسة
النزيهة.
تاسعا: دعوة قوي الشرطة المصرية إلي عدم الإنجراف نحو قمع
المواطن المصري، أو التحيز إلي النظام الحاكم الذي يدفع
الجميع ضريبته، بما فيه قوات الشرطة، ودعوة قوي الجيش
والشرطة إلي الوقوف علي الحياد في المعارك السياسية، وترك
السياسة للسياسيين.
عاشرا: دعوة القوي الدولية المهتمة بمصر، وبمكانتها
الإقليمية المهمة، وثقلها السياسي والدبلوماسي في محيطها
العربي والإسلامي، أن تتفهم حاجة الشعب المصري، إلي
التغيير والانتقال السلمي من الاستبداد إلي الديمقراطية،
وأن تدرك أن مصالحها البعيدة المدي في مصر وفي المنطقة،
مرهونة بحدوث التغيير والإصلاح الذي يطمح إليه اليوم جميع
المصريين. عن أبناء مصر
في الولايات المتحدة
أما بعد: لقد عايشنا بكل المرارة والإحباط ما جري حتي الآن
وأرجو ألا نكون «متشائمين» فيما يحمله المستقبل.
وفي جميع الأحوال: إن غداً لناظره قريب، ومع ذلك فإن
الحاجة ملحة وضاغطة من أجل اتخاذ عمل حاسم إزاء مزاعم
مؤتمر واشنطن وجنيف من قبله، وأحسب أن الضرورة تستدعي
اليقظة إزاء ما شهدته أحداث الإسكندرية، وأعتقد أن مؤتمرا
للوحدة الوطنية يدعي إليه الأقباط والمسلمون والمعنيون
بتماسك الوحدة الوطنية في السراء والضراء، وتصفيتها مما
يثار حولها من تشوهات عالقة أو مغرضة، كما يمكن أن يدعي
إليه ممثلون من الإخوة الأقباط والمسلمين في بلاد المهجر.
والله من وراء القصد