إهدار حجية أحكام مجلس الدولة لا يكون إلا في دولة بوليسية
المستشار/ سمير يوسف البهي*
يعد الإشكال في تنفيذ الأحكام من الحقوق التي كفلها
القانون بغية كفالة حسن تنفيذها، بيد أنه من المقرر أن
لاتصال الخصومة القضائية التي محلها الأشكال في تنفيذ
أحكام محاكم مجلس الدولة طريقا - بذاته - يعد ولوجه من
الأشكال الجوهرية التي ينبغي اتباعها حتي ينتظم التداعي في
مثل تلك المسألة - فلا يتسني لأحد التحلل منها أو الالتفاف
حولها.
وهذا الطريق يتمثل في إقامة مثل ذلك الإشكال أمام ذات
المحكمة التي أصدرت الحكم وذلك بحسبان أن منازعات التنفيذ
المتعلقة بتلك الأحكام تعد متفرعة من أصل المنازعة
الإدارية التي فصلت فيها المحكمة - فضلاً عن كون قاضي
الأصل هو قاضي الفرع.
وباعتبار أن ذلك هو الطريق الأوحد - حسبما أكدت المحكمة
الدستورية العليا في القضية رقم 11 لسنة 20 قضائية «تنازع»
في حكمها الصادر في أول أغسطس سنة 1999 - والذي يعد بعد
نشره جزءا من نسيج الكيان القانوني للدولة - فقد بات
معلوما خاصة لدي الجهات الإدارية التي تتولي السهر علي
تنفيذ القانون واحترامه - أنه لا محل ولا أثر لثمة إشكال
يقام في غير ذلك الإطار، إذ يصير - عندئذ - هو والعدم سواء
ويتمخض لغواً وانحرافاً في استعمال السلطة واقتحاماً لحدود
سيادة القانون واغتصابا لحرمته وانتهاكا لسيادته وتعديا
سافرا علي حرمة الأحكام وحجيتها التي هي في الصدارة في
مقومات النظام العام في شتي الدول - ما لم تكن بوليسية.
وعلي الرغم من ذلك - وللأسف الشديد - فإن الملاحظ للجميع
تعمد الجهات الإدارية - صراحة أو ضمنا - الافتئات علي تلك
المبادئ المستقرة والنيل من قدسية الأحكام وذلك بإقامة
إشكالات في تنفيذ أحكام مجلس الدولة أمام محكمة غير مختصة
- متذرعة - زورا وبهتانا ومخالفة - بأنها تستخدم حقا كفله
القانون - وهو إجراء يمثل نوزاع شريرة مدبرة الخداع قوامها
والتحايل سبيلها وانتهاك بحجية الأحكام غايتها.
وقد بدأ هذا الاتجاه - المقيت - متزايدا متصاعدا منذ
الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2000 ومستمراً حتي
الانتخابات الحالية - رغم أن أحكام مجلس الدولة قد ردت علي
الجهة الإدارية مقدماً - وانتهت إلي اختصاص مجلس الدولة
بالطعن علي العملية الانتخابية إذا ما خاض المرشح العملية
الانتخابية بالمخالفة لحكم قضائي نهائي حائز لحجية الأمر
المقضي وواجب النفاذ - سواء من حيث الصفة التي تم انتخابه
علي أساسها أو تخلف الشروط الواجب توافرها فيه لعضوية مجلس
الشعب.
وذلك بحسبان أن إرادة الناخبين في هذه الحالة تكون قد وردت
علي محل معدوم.
وفي النهاية - فإنه مما يؤسف أن من يعمل مثل ذلك الإجراء
الحابط الأثر الذي ولد ميتاً - ممن ينتمون - إسماً - إلي
القضائي - «أعضاء اللجنة المشرفة علي الانتخابات».
ولا نملك إلا أن نقول لهم - إذا كان التاريخ يسجل بأحرف من
نور لتشرشل أنه قال - خير لإنجلترا أن يسجل عنها التاريخ
أنها انهزمت في الحرب من أن يسجل أنها لم تنصع لأمر
القاضي». فإن ذات التاريخ سوف يسجل عليكم تطاولكم علي
الأحكام القضائية - واعلموا أنكم يقيناً إلي زوال وفناء
وأن مجلس الدولة باق شامخ برجاله وأحكامه. (*)
نائب رئيس مجلس الدولة ووكيل نادي قضاة مجلس الدولة