تشكل النتائج التي حصل عليها الإخوان المسلمون في
الانتخابات التشريعية الأخيرة نكسة كبري للديمقراطية التي
تحبو، ولقيم الحداثة والتحرر الفكري وحرية المرأة والوحدة
الوطنية وحقوق المواطنة ولكل ما أنجزته البلاد عبر قرنين
علي طريق الدخول إلي العصر الحديث الذي يوصف الآن بأنه عصر
حقوق الإنسان، وهي الحقوق التي يصادرها الإخوان المسلمون
باسم الخصوصية0
وقبل أن يتسابق البعض لتفسير هذا النجاح بأنه حصاد
الديمقراطية التي ينبغي أن نتقبل نتائجها كديمقراطيين سواء
كانت لنا أو علينا، فإن تحليلا شاملا للوضع القائم سوف
يدلنا علي العكس0 إن القيود علي الحريات الديمقراطية
والعامة، واتجاه الحكم القائم بحثا لنفسه عن شرعية لم
يمنحها له الشعب إلي المزايدة علي جماعة الإخوان المسلمين
دينيا بتقديم نفسه باعتباره هو الحكم الإسلامي وليس ما
يتطلع إليه الإخوان المسلمون عبر شعارهم الغامض «الإسلام
هو الحل»00 إن كل هذه العوامل هي ضمن عوامل أخري السبب
الحقيقي لهذا الصعود وليس الديمقراطية فهم أبعد ما يكونون
عن الديمقراطية0
ومراجعة سجل الحكم القائم علي مدي ثلاثين عاما يؤكد هذا
التورط المنظم في التمهيد لتسليم البلاد إلي الإسلاميين0
حدث هذا منذ أعلن السادات نفسه رئيسا مؤمنا دون أن يتهمه
أحد بالكفر، وحين قال إنه سوف يبني دولة العلم والإيمان،
وفي معركته مع الحركة الطلابية الديمقراطية داخل الجامعات
والتي تصاعد مطلبها بضرورة تحرير الأراضي المصرية المحتلة
بعد عام 1967 ومساندة الثورة الفلسطينية مستشعرة الخطر من
ارتماء «السادات» في أحضان أمريكا فأخذ هو يسلح الجماعات
الإسلامية المتطرفة ويدعمها بكل السبل عبر الإعلام
والثقافة ومطاردة قيادات الحركة الديمقراطية من شيوعيين
وناصريين باعتقالهم إثر موجات وصولا إلي إلغاء اللائحة
الطلابية لعام 1976 التي سمحت للطلاب نسبيا بالحركة وإنشاء
الأسر والتعبير عن أنفسهم0
وفي عام 1980 وفي حركة تملق للإسلاميين الذين شجعوا
سياساته الأمريكية وتوجهاته الاجتماعية الجديدة القائمة
علي ما سمي بالانفتاح الاقتصادي، وحتي يمرر تطلعه لإطلاق
مدد الرئاسة التي كان دستور 1971 قد حددها بمدتين فقط
ورغبة في إشباع نهمه للسلطة قام بتعديل الدستور ليطلق مدد
الرئاسة إلي ما شاء الله وفي المقابل يغير المادة الثانية
من الدستور التي كانت تقول في دستور 1971 إن مبادئ الشريعة
الإسلامية هي أحد مصادر التشريع لتصبح في تعديلات 1980
المصدر الرئيسي للتشريع0 وهو النص الذي تقوم كل جماعات
الإسلام السياسي مسلحة كانت أو سياسية بتكفير المخالفين
لها علي أساس منها، وهي التي علي أساسها قضت محكمة بتطليق
الدكتورة ابتهال يونس من زوجها الباحث في علوم القرآن
والأستاذ الجامعي د0 نصر حامد أبو زيد بدعوي أنه مرتد بسبب
كتاباته وأبحاثه ودعوته لتأويل النص حتي يلائم الأزمنة
الجديدة وقراءته تاريخيا وصولا إلي إسلام منفتح يتقبل
الديمقراطية والعلمانية وحرية الفكر والتعبير والاعتقاد
دون أن يكون مصدرا للشرعية والسياسة0
وتواصل بروز قوة الإخوان المسلمين الذين شكلوا العباءة
الواسعة لكل الجماعات التكفيرية والجهادية المسلحة بعد أن
عرف تاريخهم صورا مختلفة لممارسة العنف والاغتيال السياسي
والتحريض الصريح علي قتل الكتاب والمفكرين ومصادرة الكتب
وقصف الأقلام محتمين دائما بهذه المادة في الدستور0 فحرضوا
علي قتل فرج فودة بينما نجا نجيب محفوظ بالمصادفة0
كذلك استثمروا علي نطاق واسع جنبا إلي جنب الأموال الباهظة
التي تدفقت عليهم من الخليج بعد أن عاد أغنياؤهم بشكل خاص
من السعودية استثمروا الديمقراطية المقيدة لصالحهم فهم
جماعة وليسوا حزبا وهم «مسلمون» وليسوا سياسيين0 وقد
أثبتوا مهارة فائقة في استخدام آلية «التقية» إذ يظهرون
غير ما يبطنون اتقاء لشر الحاكم والزمان، وبذروا في الحياة
السياسية آفة التفتيت حيث ينقسم المجتمع طبقا لهم لا إلي
طبقات وإنما إلي مؤمنين وكفرة مسلمين وغير مسلمين، فأسهموا
بقسط كبير في تشويه الوعي0 فالمجتمع هو عبارة عن أفراد
لابد من إصلاح أخلاقهم وتأديبهم حتي يصلح المجتمع، والمرأة
يجب أن تختفي خلف النقاب والحجاب وأن تعود إلي بيتها الذي
هو مملكتها كلما أمكن لأنها تثير الفتنة وهي مصدر الشر في
العالم0
أما العقل الإنساني فلابد من مراقبته طبقا لشرع الله، وكل
مناحي العلم لابد أن تقف في الطابور تحت سقف الدين وليس
هناك شيء يسمي حرية الفرد التي هي جوهر أي نظام ديمقراطي0
خلاصة الأمر لعب النظام القائم دوره في تربية هذا التيار
خوفا من القوي التقدمية التي يمكن أن تزدهر وتنمو في ظل
الديمقراطية الحقة، واحتفظ في جعبته بسلاح الدين ليستخدمه
عند الضرورة وأغرق الإعلام بفتاوي الشيوخ جنبا إلي جنب
النزعة الاستهلاكية التي تستفز المشاعر وتقدم وجها آخر
للتدين الشكلي، والسطحي الذي أغرقوا به البلاد0
لكن هذه النكسة التي نعود بمقتضاها إلي الوراء لا ينبغي أن
تكون نهاية المطاف فالقوي الديمقراطية والعلمانية - مع عدة
أجيال من المبدعين والمثقفين النقديين - جنبا إلي جنب قوة
النساء المتطلعات إلي الحرية، والأقباط المتطلعين إلي
المواطنة في وطن حر هي أكبر كثيرا من أن تنهزم نهائيا أمام
هذا المد الظلامي وعليها أن توحد صفوفها وقبل كل شيء تدرس
بنزاهة مسئوليتها عما حدث0