ثمة قول عربي قديم «القاضي العادل شوكة في حلق سلطان جائر»
ولهذا تظل مصر تتطلع دوما إلي عدل القاضي ليحميها من ظلم
الحاكم، وقد عرف المصريون عبر أزمنة عديدة قضاة ضربوا
المثل في العدل، وأصبحوا بالفعل شوكة في حلق الحكام.
ومن أشهر هؤلاء القضاة الشيخ عزالدين بن عبدالسلام.. ويروي
لنا محمد بن أحمد بن إياس حكايته مع الحكام.
.. «وفي سنة تسع وثلاثين وستمائة أخلع الملك الصالح علي
الشيخ عزالدين عبدالسلام الملقب ب «سلطان العلماء» واستقر
به قاضي القضاة الشافعية فتولي علي كره منه»، ولما تولي
«بلغه أن بعض الأمراء عمد إلي مسجد بجوار بيته وعمل علي
ظهره طبلخانة، فأرسل فهدم هذه الطبلخانة وكان الذي عملها
الأمير فخرالدين استادار الملك الصالح، فحكم بعزله من
الاستادارية».
ومما وقع له أنه بلغه أن الملك الصالح استعان ببعض ملوك
الإفرنج وأعطاهم مدينة صيدا وقلعة الشقيف فأنكر عليه ذلك،
وأمر أن يترك له الدعاء في الخطبة، وساعده في ذلك الشيخ
جمال الدين بن الحاجب المالكي، فأمر الملك الصالح
بإخراجهما إلي دمشق، لكن غضب المصريين ورفضهم لإبعاد
قاضيهم العادل أجبر السلطان علي إعادتهما وخرج إلي بلبيس
ليتلقاه وقبل يديه وأعاده للقضاء.
وعندما تصادم الشيخ عزالدين مع المماليك بسبب ظلمهم
وجبروتهم «أعلن أنه لم يثبت لديه أنهم أحرار، وأكد أنهم
مازالوا أرقاء ولا يجوز لهم تولي المناصب ولا التصرف في
أمور المملكة، فلما بلغ المماليك ذلك ثاروا وتعصبوا عليه،
وركب نائب السلطنة وبيده سيف مسلول وجاء إلي بيت القاضي،
فلما دق الباب خرج له ابن القاضي فرجع إلي والده مذعورا
فقال الشيخ «يا ولدي أنا أقل من أن أقتل في سبيل الله» ثم
أن الشيخ خرج إليه، فلما وقع بصره علي نائب السلطنة سقط
السيف من يده وارتعدت فرائصه فنزل عن فرسه وقبل يد الشيخ
وقال له «دعواتك يا سيدنا» فقال الشيخ «والله ما أرجع حتي
أبيعكم في السوق» فقال نائب السلطنة «ومن يقبض ثمننا؟» قال
«أنا وأصرف ثمنكم في مصالح المسلمين» ويمضي ابن إياس ليروي
أغرب قصص قضاة مصر «فما رجع الشيخ عزالدين حتي جمع الأمراء
جميعا في السوق، فوكلوا جماعة في مشتراهم وباعهم القاضي
بأغلي الأثمان وقبض ثمنهم وصرفه في مصالح المسلمين».
ولأن القاضي العادل يظل عادلا دوما حتي ولو أتي العدل ضده
فإنه «مما وقع له أنه أفتي بشيء ثم ظهر له أنه أخطأ في
الذي أفتي به فنادي في القاهرة: من أفتي له ابن عبدالسلام
بكذا فلا يعمل به فإنه أخطأ في ذلك» (ج1 - ص274).
ويروي ابن إياس شعرا قيل في الشيخ عزالدين بن عبدالسلام:
سار عزالدين في الناس سيرا
لم يسره سوي ابن عبدالعزيز
عمنا حكمه بعدل بسيط
شامل للوري ولفظ وجيز
وكان القاضي عزالدين رغم شدته في الحق، وتصلبه في إقامة
العدل، وجسارته في مواجهة السلطان والأمراء سمحا وهادئا
قال عنه الشيخ قطب الدين اليوبيني «وكان ابن عبدالسلام مع
شدته وصلابته حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار ويستشهد
بالأشعار، ويحضر السماع وينصت للغناء ويسمح به، وبعد أن
باع المماليك وقبض ثمنهم وصرفه في مصالح المسلمين عزل نفسه
من القضاء، وامتنع من العود إليه» (ج1 - ص275).
وثمة قاض آخر هو الشيخ تاج الدين بن بنت الأعز وكان قاضيا
في عهد الظاهر بيبرس وكان ملكا قويا غشوما وقد رفعت إليه
قضية تنازع فيها أحد الأمراء علي ملكية بئر مع الملك
الظاهر، فأمر القاضي بأن يحضر السلطان بنفسه إلي مجلس
القضاء ورفض أية وكالة عنه، فنزل السلطان إلي مجلس القاضي
بالمدرسة الصالحية ووقف هو وغريمه بين يدي القاضي، وادعي
عليه الأمير، وكان الحق بيد الملك الظاهر فحكم له القاضي
بالبئر» (ج1 - ص312).
وعندما هدد التتار أرض مصر طلب السلطان من الشيخ عزالدين
بن عبدالسلام وكان قد عزل نفسه من القضاء لكنه ظل ذا مكانة
ومهابة فطلب منه أن يفتي بحق السلطان في مصادرة أموال
التجار والأثرياء حتي يستطيع تجهيز الجيش، لكن الشيخ أفتي
بأنه لا يمكن مصادرة أموال أحد إلا إذا باع الأمراء ما
يمتلكون وسلموا الثمن لبيت المال بحيث لا يبقي للأمير منهم
إلا فرسه ودرعه وسيفه.
.. وظل الشيخ عزالدين يلقي دروسا ويفتي ويقول عنه ابن كثير
«كان الشيخ عزالدين في آخر أمره لا يتقيد بالمذهب، بل يفتي
بما أدي إليه اجتهاده».
ويقول الذهبي في كتابه «العبر» أن شيوخ عصره قالوا «كنا
نفتي قبل حضور الشيخ عزالدين، وأما مع وجوده فلا نفتي».
ويرحل الشيخ عزالدين إلي جوار ربه فودعه المصريون بالبكاء
والعويل فقد كان صرحهم وعدتهم في إقامة العدل ورد الظلم..
ويقول ابن إياس «فلما بلغ الملك الظاهر بيبرس وفاة الشيخ
عزالدين قال: ما استقر ملكي إلا الآن، فقد كان الشيخ
عزالدين يزجره عن المظالم وينهاه عنها».