يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1255 (23 - 30) نوفمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

فيروز التي أفسدت ذائقتي

 
 

فاطمة ناعوت

 

  كثيرا ما فكّرت كيف يمكن أن تكون حياتي دون وجود فيروز؟! أفترض أنها كانت ستمتليء بالكثير من البهجة، صوت فيروز أغلق الباب في وجه أشياء كثيرة كان من الممكن أن تدخل حياتي في الفرح، لو لم تكن فيروز هناك لكنت واكبت كل ما هو مطروح من فن الآن، وما كان ابني مازن سينظر لي بشفقة كوني لا أعرف المطربين الجدد الذين تملأ صورهم غرفته ممن عمروا الحياة مرحا وطربا، ولكنت جنبت نفسي العديد من المعارك مع سائقي التاكسي الذين أطالبهم بكف صوت الكاسيت فينهرونني وأنزل في منتصف الطريق كاسفة الخاطر مصحوبة بكثير من اللعنات وبعض ازدراء، من المنطقي أن تكون حياتي دون هذا الصوت أكثر سهولة ومرحا، لكن الحتمي أنها ستكون بلا روح أيضا ورفضي لما هو مطروح من غناء لم يكن ردّة فعل تجاه الغث الذي ملأ الساحة الغنائية الآن، لكنه ممتد لعقدين مضيا حين كان الفن لايزال في احتضاراته الأولي، ورغم أنني أزعم طوال الوقت أنني كائن تعددي يرفض التصنيم ويرحب بالتجاور إلي آخر تلك الشعارات التي نجيدها جميعا، إلا أنني فيما يخص الفن تحديدا أنحو نحوا واحديا نخبويا، ولما نبهني أصدقائي إلي ذلك التناقض، ابتكرت نظرية «أعلم مسبقا أنها مردود عليها» مفادها أنني لا أتابع الجديد لأنني بعد لم أستنفد الجمال الذي يهبني إياه صوت أم كلثوم وعبدالوهاب وفيروز، واعدة بأنني سوف أسافر صوب أصوات جديدة حين ينفد معينهم الجمالي، وفيروز تحديدا ليست مجرد صوت جميل يحمل معاني راقية، وليست فقط هي درة رأس المثلث الساحر: الصوت النقي والكلمة الرفيعة والموسيقي التي لا يشبهها شيء، فيروز برأيي شيء أبعد من ذلك بكثير، هي ظاهرة عابرة للأزمنة وما نحن إلا أجيال محظوظة إن واكبتها، صوتها هو القادر الأوحد علي أن يشعرك، لاسيما إن كنت شاعرا وتراود الحرف، بعجز اللغة، كل لغة، عن الإفصاح، طاقة الصوت لديها وطبقاته وعمقه وموسيقاه الخبيئة بين تضاعيفه تقول أكثر مما تقول الكلمات التي يحملها هذا الصوت، حتي كانت كلمات جوزيف حرب أو جبران أو الأخطل الصغير.
ترددت لبرهة في التوقيع علي البيان الذي تقدم به بعض المثقفين العرب مطالبين الحكومة اللبنانية بتدشين عيد ميلاد فيروز، الذي يحل بعد أيام في 21 نوفمبر، عيدا قوميا للمحبة والفيروز، ذلك البيان الذي أثار الكثير من اللغط والغبار، ترددت من ذات المنطلق الذي قالته الشاعرة عناية جابر في مقالتها في جريدة القدس في سياق رفضها لهذا البيان، ذاهبة لما معناه أنها تحب أن تري فيروز كائنا بلا زمن، لا تاريخ ميلاد ولا عمرا محددا، نعم، أتفق معها كل الاتفاق حول تلك الفكرة الشعرية الفلسفية، ففيروز بالنسبة لي «حالة جمال» وليست رقما ولا تاريخا ولا حقبة، لكنني فكرت علي نحو آخر، فهذا البيان ليس تكريما لفيروز كما فهم المعارضون، ليس فقط لأنها أكبر من أي تكريم، بل لأنها كرمت بالفعل من قبل معظم زعماء العالم، ونالت التكريم الأكبر من جمهورها العريض في أربعة أركان الكون، فضلا عن تكريم الحياة بمنحها صوتا يقطر من السماء، هذا البيان هو تذكرة لنا لكيلا ننسي أن شيئا حلوا واكب زمننا لنؤكد لأنفسنا أن الحياة جميلة وتستحق أن تُعاش رغم كل ما يحدث، لماذا لا نحاول أن نقبض علي هذه اللحظة، نحن الذين اتفق لنا أن نعاصرها؟ كيف لا نعمل علي «تجميد» لحظة الجمال هذه قبل أن تمر؟ وكيف لنا أن نمرر هبة سماوية من دون أن نحتفي بها ونحمي وجودها كيلا تدعسها مرارات الحياة والأنظمة مثلما دعست كل جميل ونقي في حياتنا؟ كيف لا نسرب لأجيال تلينا رسالة تقول إننا كنا واعين أن غيمة عذبة مرّت من هنا، فرفعنا رءوسنا عاليا ولوحنا لها؟.
لو كان قيض لي صياغة البيان لقلت لتكن الفكرة «عيدا للجمال»، متمثلا في شخص فيروز، ولنا في التاريخ أمثلة عديدة شبيهة، عيد ثورة يوليو يحتفل بقيمة مجردة هي العدالة الاجتماعية والتمرّد علي الإقطاع والقهر إلخ، لكننا نتمثلها في شخص عبدالناصر والضباط الأحرار، و«مسيرة الملح» تحتفي بقيمة مجردة هي الرفض الهاديء للاستلاب والغصب، نتمثلها في شخص غاندي، من نفس المنطلق وقعت هذا البيان، ألم تقدم لنا فيروز لمحات كثيرة من الجمال والانتماء والمحبة كما فعل ماوتسي تونج وجيفارا وجان دارك؟ من مثل فيروز بلور دخلنا فكرة «العودة» إلي الأرض المستلبة؟ من مثلها أبكانا علي القدس وبذر فينا اليقين بعودته ذات وعد؟ أي شيء مثل صوتها ظل يهتف بالوطن: أن عد، حتي لأفترض أن الوطن يرفض أن يعود كيلا يتوقف صدحها عن الوعد بحلم طال انتظاره، صوتها الذي صمت طوال مدة الحرب اللبنانية ولم يعد إلا بعدما حطت أوزارها فصدح في حفل بساحة لشهداء عام 1994، هو إذا عيد للجمال والحب والطفولة متمثل في شخص فيروز التي وهبتنا كل ذلك، وأكثر.
كيف ارتبط صوت فيروز بطيارة ورق، وباب غارق بالياسمين، وهدير البوسطة، وأم سليمان، وحنا السكران، وطير الوروار، وسيف يشهر، وجسر العودة، وليالي الشمال الحزينة، ومرجوحة؟ نحن المصريين نعشق اللهجة الشامية بسبب فيروز، أذكر أن جارتي في الرياض كانت شامية وكانت تزورني لنشرب قهوة الصباح سويا، فأبادرها قائلا: يا الله اتكلمي، فترد: شو بدك أحكي؟ فأجيب: أي شيء، فقط أود أن أسمعك تحكي شامي، أما ترانيم فيروز المسيحية فهي النعيم عينه، ومن أجلها كنت أهرب من فصلي وأدخل كنيسة المدرسة لأغني مع الأطفال ترانيمهم.
وجود فيروز في حياتي هو درع ضد الضياع والقنوط، وحبل تسقطه لي يد رحيمة في قاع الهوة، يأتي دوما في موعده: في اللحظة الأخيرة.
تحية لها في عيدها السبعين، «العمود السابع لهياكل بعلبك» كما وصفتها الجامعة الأمريكية ببيروت.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة