أعلن الحزب الوطني إفلاسه منذ اندحاره الهائل في
انتخابات عام 2000 وهزيمته القاسية بالضربة القاضية في
المرحلة الأولي مما أعاده سريعا إلي عادته التقليدية في
تزوير الانتخابات في المرحلتين الثانية والثالثة ورغم هذا
كانت النتيجة النهائية فضيحة كبري بكل المقاييس بعد أن ثبت
أمام الرأي العام أنه ليس حزب الأغلبية وليست له الشعبية
الكبيرة الوهمية ولذا أسرع الحزب بضم المستقلين ليصنع بهم
كيانا متورما متنافر الأجزاء بهدف تزييف إرادة الأمة
واغتصاب السلطة.
وعلي الرغم من عمليات التجميل الباهتة لإخفاء دمامة الوجه
القبيح للحزب تحت مسمي «الفكر الجديد والإصلاح» إلا أن
المحصلة العملية لم تزد علي ظهور مجموعة جديدة من أصحاب
المصالح وطلاب المنافع أرادوا استثمار اندحار الحزب
وهشاشته وعجزه عن المقاومة وأداء دور فاعل في الحياة،
فطمعوا في القفز علي مقاعد الصدارة الحزبية التي شغلها جيل
قديم تصلبت شرايينه وتحجر تفكيره بفعل أمراض الشيخوخة، هذه
المجموعة أسمت نفسها بالإصلاحيين الجدد وضمت إليها كل
المتطلعين والمشتاقين من الوجوه الجديدة الذين يؤمنون
بالمثل القائل: «اتمسكن لما تتمكن».
وبسبب الحراك السياسي المحدود داخل المجتمع اضطرت السلطة
السياسية إلي إدخال تعديل تكتيكي في أسباب بقائها فغيرت
اللافتة من الاستفتاء إلي الانتخابات وأحدثت لذلك ضجيجا
إعلاميا استعانت فيه بهؤلاء الإصلاحيين الذين تباروا في
صفاقة الظهور الإعلامي والقدرة علي المراوغة والخداع لكن
ذلك كله لم يحقق أي قدر من النجاح في مسرحية الانتخابات
لسبب بسيط أن فاقد الشيء لا يعطيه وهؤلاء جميعا عجزوا
تماما عن الدفاع عن الحزب الوطني وسياساته الفاشلة
وقراراته التي جرت الخراب علي البلاد، وحكوماته التي يملك
مطربو الدرجة الثالثة شهرة أكثر من وزرائها، وكانت النتيجة
العامة هي الفقر والخراب والبطالة وإغلاق المصانع وتشريد
الأسر والفشل السياسي داخليا وخارجيا وتراجع مكانة مصر
الدولية.
وحلت الانتخابات البرلمانية لعام 2005 لانتخاب مجلس شعب
جديد يريد منه الحزب الوطني إصدار التشريعات الجديدة
لتنفيذ البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية وهي التشريعات
التي يطالب بها الشعب للحد من اختصاصات رئيس الجمهورية
وتوسيع سلطة مجلس الشعب وإلغاء قانون الطوارئ وإلغاء حبس
الصحفيين وكذا القوانين المقيدة للحريات وتحديد سلطة
النيابة العامة في التوسع في الحبس الاحتياطي وغيرها،
وطبعا يريدها الحزب الوطني تشريعات مفرغة المضمون كما فعل
في تعديل المادة 76 من الدستور وفي تعديلها قانون مباشرة
الحقوق السياسية وقانون الانتخابات وقانون الأحزاب
السياسية وغيرها، ولذا عمد الحزب الوطني إلي ترشيح كبار
الرأسماليين الذين سعوا إلي إغراق الدوائر الانتخابية
بملايينهم المشبوهة لشراء الأصوات والذمم، وأيضا بحث في
دفاتره القديمة علي طريقة التاجر المفلس واستخرج من طيات
القبور عددا من الأسماء المضروبة ممن لفظتهم الجماهير
وطردتهم خارج الحياة السياسية منذ انتخابات عام 2000 وقام
أصحاب الفكر الجديد باستنساخ نماذج جديدة من نواب القروض
والمخدرات والتجنيد وعايدة وغيرهم.
بذلك يكون الحزب الوطني قد حشد كل أسلحته الفاسدة شديدة
الفتك بهدف قهر إرادة الجماهير وإرغامهم علي العودة مرة
أخري إلي السلبية والرفض الصامت، وكعادة الحزب في التجديد
والابتكار في أساليب التلاعب في الانتخابات وكما استحدث
الحزب فكرة الوافدين ليملأ بها صندوقا خاصا في كل لجنة،
فإن الحزب استحدث لانتخابات مجلس الشعب فكرة جديدة حين
أعلن عن فتح باب نقل قيد الموطن الانتخابي وبذلك يتسني له
حشد جماهير المصوتين غير المقيدين في اللجان علي أنهم ممن
غيروا موطنهم الانتخابي دون قيدهم في الكشوف لضيق الوقت.
ويبقي السؤال: ما دلالة كل أفاعيل الحزب الوطني؟ وهل يحقق
له ذلك وجودا أو شعبية؟ أليس كل ذلك دليلا علي إفلاس أصيل
في الفكر والممارسة؟ ألم تؤكد انتخابات الرئاسة ضآلة تأثير
هذا الحزب حتي بلغ درجة الصفر؟ أليس اختصار عمل هذا الحزب
في لجنة السياسات دليلا علي التلاشي والإفلاس وعدم القدرة
علي الفعل؟ أليس عجز الحزب عن تقديم مفكر واحد أو منظر أو
كاتب سياسي مرموق دليل إفلاس شديد؟ أليس فشل الحزب في بناء
كوادر بعد ربع قرن من اغتصاب السلطة دليلا علي أنه فقاعة
هواء كبيرة لا وزن لها ولا ثقل؟ أليست استعانته بالبلطجية
وأصحاب السوابق لقمع المظاهرات الشعبية دليل إفلاس؟ أليس
عجز الحزب وتردده في اختيار مرشحيه دليل إفلاس؟ أليس
انشقاق كثيرين عنه وفضحهم لمؤامرات الغرف المغلقة دليل
إفلاس؟ أليست مواقع الحزب مجرد وظائف يشغلها الموالون
بدليل أن أمين شباب الحزب يبلغ السبعين ربيعا وهذا دليل
إفلاس؟ أليس تسخير الحزب للجهاز الإداري للدولة دليل
إفلاس؟ هذا قليل من كثير لكن الحقيقة الناصعة أن وهم الحزب
الوطني قد انجلي، وأن كل ما يجري الآن علي الساحة السياسية
هو إفلاس كبير.