كان للأخ شعبان عبدالرحيم «اسم الشهرة شعبولا» فيلم يسمي:
«شعبان في الكونجرس» علي ما أذكر وسقط الفيلم بالطبع مثلما
سقط شعبولا في مجال السياسة الذي احتوي سعد زغلول ومصطفي
النحاس ومكرم عبيد وغيرهم.. ونسي الجميع الفيلم والسياسة
منشغلين بأخبار ومعارك الأهلي والزمالك وشرائط وكليبات
وهبي وعجرم، وبرامج ستار أكاديمي ومن يربح المليون.. حتي
جاءت الانتخابات الأخيرة.. وعاد بموجبها شعبولا إلي دائرة
الضوء أو الانتخاب.. واستثمارا للفكرة.. سجل كثير من
المرشحين شرائط دعائية في صورة أغان بصوت شعبولا أو من
يقلده «كأن الأمر يتطلب تقليدا» يقول المطرب مثلا: «فلان
المرشح الكبير طول عمره بتاع خير.. وحايشغل ألفين أجير..
هيه».. «يقولوا مهما يقولوا.. يشيعوا مهما يشيعوا.. هو
الناجح بطولو.. هيه.. بس خلاص» ثم يأتي مرشح منافس يستخدم
ميكروفونا أشد صخبا وأكثر إزعاجا طوال اليوم كي يردد: «يا
فلان.. يا مرشح.. يا حبيبنا.. يا ناصفنا.. يا خادمنا.. يا
نائبنا» علي نغمات لحن مشهور لا أذكره.
ثم يصل ثالث صارخا.. «هي دي هيه فرصة الدايرة.. اكتب يا
قلمي.. افرحي يا عيني» علي لحن أغنية عبدالحليم: «هيه دي
هيه فرحة الدنيا».
وهكذا.. يستمر «الخبلان» دون مبرر، أو احترام لعقلية
الناخب وإرادة المجموع.. أو تقدير لجلال المقعد «المنتظر
بالطبع»، والمقصد «المختفي بالتأكيد».
الملاحظ سفه غريب في الصرف يصل لدرجة الجنون بما يدفع
المرء للتساؤل «غير البرئ» من أين يأتي الناس «دول» بهذه
الأموال وسط شعب يعاني من الفقر العلني؟.. إعلانات في
الجرائد والمجلات والشاشات، لافتات في الشوارع، إعلانات
نيون مصورة مضاءة، فرق ومساعدون وخبراء دعاية، سيارات
ومكافآت و«عزومات»، هدايا عينية وأذنية «كمان»، صوان هنا
وخيمة هناك، قهوة وناد، مصلحة حكومية ومصنع خاص، مطبوعات
واتصالات وسفريات، تربيطات وعهود واتفاقيات.. ثم مسيرات
وتي شيرتات.
قدر البعض «مصاريف الانتخابات.. الخاصة بمجلس الشعب» بما
يربو علي أربعة مليارات من الجنيهات.. بينما وصل التقدير
عند البعض الآخر إلي 6 مليارات.
والفرق شاسع بين التقديرين كما هو شاسع بين المرشح
والناخب.. ماديا ومعنويا وقد شاهدت بعيني مرشحا متواضع
الجذور «يمنح» خريجا جامعيا.. جهاز موبايل مكافأة للشاب
المسكين علي مجهوده في حشد الأصوات لصالح المرشح
«النزيه».. والغريب بالمناسبة أن كل المرشحين يحملون في
دعاياتهم صفات: النزيه، عف اللسان، نظيف اليد، الشريف،
الأصلح، صاحب المباديء، رجل المواقف.. إلخ مع تنويهات من
نوع: «صوتك أمانة، اعط صوتك لمن يستحق، من أجل الديمقراطية
والرخاء»، وتحذيرات من نوعية «المباديء لا تتجزأ، لا
للفساد، لا تتاجر بصوتك، معا بدون تراجع» و«تهويمات»
ماركة: «الحق أحق أن يتبع، ابنكم.. ابن الدائرة، منكم ولكم
وبكم».. كما يشتركون جميعا في التواضع الجم.. والهدوء
الجميل، الابتسامة لا تفارق شفاههم.. والضحكة لا تخاصم
خدودهم.. حولهم نماذج غريبة من البشر.. الأبيض والأسود
والأحمر.. وكل في واد.. والمكافأة عاجلة الليلة.. ومن بدري
ربما تكون آجلة بعد ساعات.. نعود للأمور «يبدو أن الأمر
يتطلب استشارة طبيب نفساني.. حيث أشعر بحسد غريب تجاه
القابضين علي تلك المبالغ مدعيا أنها لا يمكن أن تكون
نتيجة جهد مشروع» نعود لها.. هل يعقل أن يقدم عاقل راشد
علي نثر ونشر وبذر الآلاف هكذا بكل بساطة دون أن يكون
متوقعا مردودا.. أو مقابلا أكبر؟.
خاصة ومن لديه المال - بهذه الصفة - يكون متمتعا بذكاء
قادر علي الحكم والحساب.. وتقدير هامش الربح وقيمة
المكاسب.
شاهدت بعيني - مرة أخري - مرشحا يطلب من صديق يعمل في بنك
- أن «يجهز له مليون جنيه.. فئات: مائة، وخمسين جنيها ليلة
الانتخابات»، و«الهدف معروف بالطبع.. حيث لبعض الأصوات ثمن
يدفع مقدما.. إذن.. وهذا هو المؤلم».
أصبح الأمر يمثل مزادا علنيا.. من يدفع أو من يصرف أو من
يبذر أكثر.. يكسب أسرع.. وينجح أضمن.. ويضحك أكثر «علينا
بالطبع».
تحول الميزان أو المقياس إلي مدي قدرة المرشح ماليا.. وليس
سياسيا أو ثقافيا أو خلقيا أو حتي وطنيا.. ناهيك عن أمور
تافهة مثل الخلفية العلمية أو القانونية أو الأدبية أو
الفنية، أو السابقة الخدمية «هذه غير السوابق التي تدون في
الفيش والتشبيه».. سوق أصوات.. إذن.. أوكازيون تصويت «دون
لطم».. سمسرة انتخابات، شراء تنازلات.
ثم.. نسأل.. أو دعنا نتصور.. لو أن تلك المبالغ الخرافية
«فعلا» قد تم صرفها فيما يفيد وطنا يئن ويتوجع.. لو صرفت
مثلا في بناء مصنع، إقامة مستشفي، تشييد مسكن، تأثيث
مدرسة.. ألم يكن ذلك أفضل؟.. لكن!!! وألف «لكن» ثم.. نتوقع
أو دعنا ننتظر.. وصول جحافل مليونيرات التبذير إلي قاعة
المجلس، حاملين معهم كل الإمكانيات التي أوصلتهم وأوصلتنا
لتلك القاعة «التي دخلها ذات يوم فطاحل السياسة والقانون
والاقتصاد».. كل الإمكانيات بدءا من: النزاهة وحتي نزيهة.
أخيرا وصل بنا الحال إلي دعاية مرشح تقول عطاء بلا حدود،
رجل الخير، صاحب الأيادي البيضاء، تبرعاته تتحدث عنه..
وهكذا، وأنه مرشح مجموعة «شحاتين»، نيابة عن شعب يقول:
عشانا عليك يا كريم في صورة مهينة لسبعين مليونا من البشر
أو ثلاثين مليونا من الناخبين، هكذا بكل بلادة وانعدام حس
وذوق.
في كل الأحوال يصدر المرشح ما يسمي ب «برنامج».
والبرامج متشابهة.. تحت صورة ضاحكة.. سينمائية «البوز»
للمرشح.. بما يذكرك بأفلام حسين فهمي.. بالألوان.. تقرأ
مثلا: القضاء علي مشكلة البطالة.. توفير المساكن للعرسان،
القضاء علي الفساد، توفير العلاج المجاني، مكافحة الدروس
الخصوصية.. وتتدرج البنود في سيريالية مضحكة.. وتكرار ممل
في كل دورة حتي نصل إلي: حل مشكلة العنوسة.. كمبيوتر لكل
طفل «كتب أحدهم: تحويل الإسكندرية إلي مدينة بيل جيتس..
صاحب الشركات الأمريكية الأشهر.. هكذا بكل بساطة» والمتوقع
في الإعادة أن نصل إلي معجزات من نوع: «توصيل مياه الشرب
إلي مدينة نصر، توفير عريس للآنسة كونداليزا رايس، تثبيت
الأسعار لمدة يومين، تركيب.. قصدي إعادة أجهزة التكييف في
مترو القاهرة، حصول نادي سبرباي طنطا علي بطولة الدوري،
نصف كيلو لحم شهريا لكل عائلة».
في بعض الأحوال أيضا.. سوف ينعي الراسب حظه علي رأي
الكابتن محمود بكر مؤكدا أن السقوط يرجع إلي التزوير،
بينما يردد الناجح: عدالة السماء نزلت علي استاد باليرمو
«راجع المصدر أعلاه».. وتمر الأيام.. ويختفي كلاهما..
الراسب وسط الأحزان والناجح وسط الصفقات وفي مجال
العلاقات.. «الناجح بالذات يختفي وجهه الكريم تماما».
هذا في الغالب.. مع قلة قليلة - بكل أسف - كان هدفها
الصالح العام حيث كان خلفها مبدأ وماض، تربية وثقافة.. بما
يتحول معه المجلس إلي موافقين موافقة.
الناجح إذن يختفي عن عيون أولئك الذين منحوه أصواتهم ذات
يوم سواء عن إيمان وأمل أو عن وجبة وظرف «فلوس أقصد».. أو
الذين وصل بهم الحال وبمرشحهم النزيه تداول حبوب زرقاء..
في أيام أكثر زرقة.
في كل الأحوال أخيرا: لا أحد يستطيع إخفاء.. إعجابه بمدي
تنظيم ودرجة حيوية وتوحد دعاية ومسيرات الإخوان المسلمين
أيا كانت توجهاته.
ولا أحد - أيضا - يقوي علي إنكار شعوره بالخسارة لعدم نجاح
أعلام مشرفة تمثل نموذجا لنائب يحترم شعبه ونفسه: مني مكرم
عبيد، منير فخري عبدالنور ، حسام البدراوي.. وربما غيرهم
أيضا.
والسؤال في النهاية: هل هذا هو مجلس الشعب الذي نريد؟.
الإجابة في الصندوق.. وربما تكمن خارج أي صندوق.