يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1255 (23 - 30) نوفمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

أنت أكيد من الحكومة!!

 
 

رءوف توفيق

 

 
بين حين وآخر، يذيع التليفزيون أغنية «أنت أكيد في مصر» .. وفي كل مرة أشعر مع موسيقاها وأصوات مغنيها وعذوبة إخراجها، بفيض من الحنين لمعان غابت عن واقعنا اليومي .. وكأنها أغنية تطارد حلما جميلا كنا نعيشه ثم تبدد!
حلم الانتماء الحقيقي للوطن.. وحلم العمل الحقيقي بإخلاص وأمانة .. وحلم المجتمع الحقيقي كأسرة يجمعها الحب والاحترام.
ثم تبدد هذا الحلم مع سطوة الأطماع السياسية والصراعات المادية والفتن الدينية .. حتي أصبحت الصورة قاتمة تظللها سحابات الخطر..
ولا نكف عن التساؤل: لماذا امتلأت الساحة بالكاذبين والمخادعين وقتلة الأحلام؟
قد يكون بيننا من يتحمل المسئولية .. ولكن كل المسئولية تقع علي الحكومة .. كل حكومة باعت لنا الأوهام ورددت الأكاذيب .. ثم تركتنا صرعي خيبة الأمل والاكتئاب والبلادة.
وإذا أردنا الحقيقة والصراحة .. فإن التعديل الواجب علي كلمات أغنية «أنت أكيد في مصر» لتصبح «أنت أكيد من الحكومة» كدليل اتهام لكل ما حدث وما يحدث لنا الآن من عجز وارتباك وخوف علي المستقبل.
وأوضح مثال لذلك .. ما كشفت عنه نتائج المرحلة الأولي من انتخابات مجلس الشعب القادم .. وارتباك الحزب الحاكم من زحف التيار الديني للتأثير علي مقاليد الحكم.. مع أن الحزب الحاكم وبالتالي حكومة الحزب، تعلم جيدا منذ سنوات بعيدة أفكار وخطط هذا التيار الديني الذي استغل طبيعة الإنسان المصري في علاقته بالدين لتزرع بداخله تعاليم التعصب والتطرف .. حدث هذا في مناهج التعليم .. وفي فصول الدراسة من الحضانة حتي الجامعة .. وفي المساجد والزوايا والمفروض أنها تحت إشراف وزارة الأوقاف .. ثم انتقل دعاة هذا الزحف إلي شاشات التليفزيون في برامج وندوات تمجد إرهاب الدين وتزيد من التعصب والفرقة .. بينما نعلم تماما أن التليفزيون يتبع للدولة .. ومسئول عنه وزير في حكومة أقسمت علي الحفاظ علي الوطن «ومارست الحكومة أسلوبها العقيم في التفرقة بين أبناء الوطن حسب الديانة في تولي المناصب العليا والوظائف القيادية .. وانتقل هذا الأسلوب بالتوالي إلي امتحانات الجامعة وأبحاث المراكز العلمية المتخصصة.
كل هذا النمو السرطاني استشري تحت علم وبصر الحكومة - كل حكومة حالية وسابقة - وتركت المرض يستفحل دون رؤية حكيمة ومواجهة حاسمة لتصحيح الأوضاع.
واستفاد دعاة التعصب والتطرف من هذه الأرضية ليزرعوا خلاياهما بين الطبقات الفقيرة والتي طحنها قسوة التفاوت الاجتماعي . قدموا لهم المساعدات العينية والعزاء باسم الدين .. وأنشأوا المدارس والمستشفيات والمحلات التجارية تحت لافتات الدين .. وانتشرت الكتب الدينية وازدهرت تجارتها علي واجهات المكتبات .. وعلي الأرصفة وبين ركاب المواصلات العامة.
واختلط دعاة الدين الصحيح مع دعاة التطرف وأصبحوا يشكلون وجودا حقيقيا ومؤثرا في الشارع المصري .. ولكن الحكومة - كل حكومة حالية وسابقة - أغمضت عينيها عن تصحيح المسارات .. وفي غيبوبة كاملة - سواء مقصودة أو هي بحكم العادة - تركت بذور الخطر تنمو وتستفحل لتحجب الرؤية الصحيحة.
حتي جاءت نتائج المرحلة الأولي من الانتخابات والصدمة التي زلزلت حكومة الحزب أو حزب الحكومة كما يحلو لهم في تسميته في حوارات السفسطة علي شاشات التليفزيون وفي تصريحات الصحف .. وانشغلوا بالهرولة لضم المرشحين المستقلين إلي قوائم الحزب الوطني .. بينما الحزب نفسه من خلال المجمع الانتخابي كان قد أسقطهم من جداوله .. ولم يفكر عباقرة الحزب الوطني في أن يمدوا الجسور مع أحزاب المعارضة الوطنية لدرء الخطر القادم..
فعباقرة الحزب الوطني والمنشدون باسمه من فرط الثقة العمياء في قوتهم .. لم يفكروا ولم يخططوا أصلا لدعم الجبهة الوطنية .. وتركوا أحزاب المعارضة في العراء تنوء بقلة امكاناتها في هذا الصراع الوحشي مع أباطرة أصحاب الملايين وشراء الأصوات من جهة .. ودعاة التطرف الديني وقوة تنظيمهم من جهة أخري!.
وبعد هذا عندما نتساءل عن هذه «الخيبة» التي حلت بنا .. وعندما نبحث عن المسئول عنها .. نجد أن أصابع الاتهام تشير إلي أنه أكيد من الحكومة!.
وعندما يتسع مجال التساؤل للبحث عن أسباب تردي الأوضاع الاجتماعية وزيادة معدلات العجز والاكتئاب .. فلن تكون الإجابة أيضا .. أكيد من الحكومة!.
لقد بحت أصواتنا من تفشي الإهمال والفساد وعدم المتابعة وضعف الرقابة..
والأمثلة واضحة ومعروفة في المصالح الحكومية .. والشكوي التقليدية من بطء التعامل والرشاوي ورداءة النتائج..
ورغم كل الأبحاث والدراسات والمؤتمرات التي ناقشت واقترحت الحلول لعلاج الخلل في الجهاز الحكومي .. ورغم تصريحات كل المسئولين عن الحكومات الحالية والسابقة .. ظل الوضع كما هو .. ولا شيء تغير..
منذ أيام .. ركبت القطار إلي الأقصر . وفي محطة الأقصر هبطت أفواج السياح والتي فرحت لأعدادها الكبيرة من مختلف الجنسيات .. ثم كانت المفاجأة المؤلمة أن محطة الأقصر نزعوا أرضياتها وكسروا أرصفتها وتحولت إلي ركام من البلاط المهشم والأعمدة الخشبية وأكوام من التراب والمهملات حتي أصبح المرور من خلالها أمراً محفوفاً بخطر السقوط وتكسير العظام .. وتساءلت عن سر هذا الدمار والتشويه الذي لحق ببوابة الدخول إلي الأقصر.. فقيل لي أن هناك قرارا من هيئة السكك الحديدية بتجديد محطة الأقصر وإعادة تشكيلها من جديد .. حسنا .. ولكن أعمال التجديد بدأت منذ شهر مارس الماضي أي أنه انقضي ثمانية أشهر ولم ينته العمل بعد..
ومن شدة غيظي توجهت إلي المسئول عن محطة الأقصر . لأسأله عن أسباب التأخير في إنهاء العمل المطلوب .. فابتسم وهو يهز يديه .. لا أعرف سبب التأخير وأسأل الإدارة في مصر .. ثم أردف قائلا وكأنه يريد أن يوضح شيئا .. حضرتك مصري .. وعارف طبعا طبيعة الشغل بتمشي إزاي.. ولم أصدق ما رأيت وما سمعت .. ثمانية أشهر لتجديد محطة قطار .. طيب لو أنشأوا محطة جديدة فكم من الوقت يستغرق البناء .. وما ذنب ركاب القطارات من النساء وكبار السن والذين نضعهم في اختبار حفظ التوازن بين ركام الخشب والتراب والزلط
.. الإجابة «أنت أكيد من الحكومة» !
وبنفس المقياس .. إذا كان مجرد تجديد محطة قطار يطول لأكثر من ثمانية شهور .. فكم يحتاج تطوير التعليم في مصر ..؟! عشرة ..عشرين عاما .. ثلاثين عاما .؟!
لا أحد يقدم الإجابة الصحيحة .. فالحكومة غائبة عن الرصد والمتابعة .. يكفيها فقط أن تعلن في بياناتها الرسمية عن مشروع تطوير التعليم .. ولكن كيف ومتي؟ أسئلة ليس لها إجابة محددة .. وكل حكومة تلقي بالجثة إلي الحكومة التالية .. كما كان يفعل بعض رجال البوليس عندما يكتشفون جثة طافية علي ترعة في زمام قرية تحت إدارتهم، فيزيحونها لزمام قرية أخري أو محافظة أخري منعا للتعرض لوجع دماغ التحقيقات والمساءلة القانونية!.
الغريب تماما .. أن يصدر عن نفس الحكومة تقرير عن سوء التعليم وتضخم الأموال التي تصرف علي الدروس الخصوصية .. وهو ما حدث مؤخرا من تقرير صدر من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء يحذر من ارتفاع حجم ما تنفقه الأسر المصرية علي الدروس الخصوصية إلي 15 مليار جنيه في العام الواحد .. مع ضعف مستوي الخريجين!.
ها هو الرقم يقفز إلي 15 مليار جنيه باعتراف الحكومة الحالية .. ولكن بدون أي بادرة حقيقية ومؤكدة لإعادة النظر في نظام التعليم ككل.
في نفس الوقت الذي يصرخ فيه وزير التعليم الحالي من تزايد العجز في أعداد المدرسين .. حيث بلغ العجز 116 ألف معلم في مدارس مفتوحة يذهب إليها التلاميذ دون أن يكون هناك مدرسون!.
والنتيجة النهائية يدفع ثمنها الأهل والأبناء .. وتتحمل خسارتها أجيال المستقبل!.
عندما نسأل أنفسنا عن هذه «الخيبة» .. لا نجد أمامنا غير إجابة واحدة «أكيد من الحكومة»!!
وأنت تعرف .. وأنا أعرف .. وكل المهمومين بأمر هذا الوطن يعرفون أن المشكلة .. أي مشكلة .. تبدأ من عدم شفافية المعلومات في الحكومة .. وعدم حسم المشاكل من جذورها .. والاكتفاء بالترقيع أو بترحيلها إلي الحكومة التالية.
وعلينا فقط أن ننتظر .. ونتعجب .. ونكتئب .. ونصبر .. ومع ذلك نغني «أنت أكيد في مصر» ولسان حالنا يسخر «أنت أكيد من الحكومة»!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة