مشاهد عجيبة تعكس القدر الهائل من الغباء
الذي يتمتع به النظام الحاكم!.
بعد ربع قرن من الممارسة السياسية.. اكتشف الحزب السرمدي
أن رئيس الاتحاد العام لعمال مصر.. ليس من العمال.. وأنه
«فئات»!.
بعد ربع قرن اكتشفت الحكومة أن المولود ليس «ذكرا».. وأنه
«آنسة مهذبة».. وبدأت تتطلع إليه وكأنها تراه لأول مرة!.
ومن المفارقات الطريفة أن الاكتشاف جاء بحكم من محكمة
القضاء الإداري بانتفاء صفة العامل عنه.
لم تكن الحكومة تعرف أن صفة «العامل» لم تعد تنطبق علي
الرجل الذي أعطت ظهرها لعمال مصر من أجله.. وجعلته من
نصيبها من الدنيا.. وطولت عليه روحها.. وفتحت له الخزائن..
وكانت شديدة الحرص علي أن تأخذ بخاطره.. وتضمه لصدرها في
المناسبات العامة.. باعتباره من رجال الرئيس.. إلي أن
اكتشفت فجأة أنه من الفئات.. ولا ينتمي للعمال!
وأسرع الرجل يقدم استشكالا.. أمام القضاء.. لإعادة صفته
إليه.. تعيد إليه خاتم سليمان!.
وقد يقال.. إنه لا فرق بين العمال والفئات.. لأننا جميعا
أبناء مصر.. وأن تغيير الصفة لا يقلب الدنيا.. وأن السيد
راشد سيفوز في دائرته سيدي جابر لا محالة.. إذ لا توجد في
هذه الدائرة منافسة جادة.. وأنا أكتب.. علي أية حال.. قبل
إجراء الانتخابات!.
كل هذا صحيح بالنسبة ل 70 مليون مواطن يعيشون علي أرض
مصر.. إلا شخصا واحدا هو السيد راشد.
السيد راشد.. لابد أن يحمل صفة «عامل»!.
هو يرأس الاتحاد العام لعمال مصر بهذه الصفة!.
وهو يجلس علي منصة مجلس الشعب بهذه الصفة أيضا.
وانتزاع صفة العمال منه.. يعني حرمانه من أهم أسباب وجوده
السياسي.
إنه صورة بالكربون من ألمانيا الشرقية!.
ألمانيا الشرقية كانت تقوم علي الخريطة السياسية..
باعتبارها «دولة العمال والفلاحين».. التي تقوم علي الحزب
الواحد والزعيم الواحد والرأي الواحد.. إلخ.
ولكن..
عندما تغير الحال.. وسبحان مغير الأحوال.. وتعددت الأحزاب
والآراء.. وفتحت النوافذ والأبواب. وبدأت تسلك مسالك
الدولة الرأسمالية.. انتفي عنها أهم أسباب وجودها.
أصبحت دولة «فئات».
لم تعد تحمل الصفة القديمة.. التي قامت عليها.
وكان ذلك هو السبب الرئيسي في زوال دولة ألمانيا الشرقية..
وهي أنها لم تعد تحمل صفة دولة العمال والفلاحين.
أصبحت فئات.
ولم يكن ذلك حال أي دولة أخري في أوروبا الشرقية.
المجر.. يمكن أن تتحول إلي دولة رأسمالية.. وتبقي.
وكذلك الحال بالنسبة لرومانيا.. وبلغاريا.. وتشيكو
سلوفاكيا.. إلخ.
أما ألمانيا الشرقية.. فقد كان الموقف مختلفا.. لأنها قامت
علي أساس واحد هو أنها دولة اشتراكية.. دولة العمال
والفلاحين.
قامت علي أساس الصفة التي تحملها.
ولم يكن من المقبول أن تنتفي عنها هذه الصفة.. وتتحول إلي
دولة رأسمالية.. ويصبح في العالم دولتان ألمانيتان تدينان
بالرأسمالية.
وهذا هو موقف السيد راشد.
وكما دافعت ألمانيا الشرقية عن «الصفة» التي كانت تحملها.
يدافع السيد راشد عن الصفة التي يحملها.
يدافع عن إمبراطورية زائلة.. لأن الدنيا.. تغيرت.
لم يكن العالم يحتمل دولة تنتمي إلي حقبة تاريخية لم يعد
لها وجود.
كما لم تعد الحركة العمالية في مصر تحتمل رجلا جثم علي
صدرها ربع قرن من الهوان.. في الداخل.. والخارج.
وقبل أن تأخذنا السطور.. وتدهمنا المساحة المخصصة لهذا
الكلام.. أود أن أسجل أن القضية التي أتناولها لا تتعلق
بشخص السيد راشد.. ولا بالإمبراطورية التي شيدها.. من جراء
النفاق.. وإنما أتناولها كنموذج للخلل في البنية السلطوية
للنظام الحاكم في مصر.
والسيد راشد.. مع احترامي لشخصه.. هو أحد رموز هذا الخلل..
والذي تمثل في اعتماد النظام الحاكم علي شخصيات بعينها..
عزلته عن الواقع.. وقدمت له صورة كاذبة.. ودمرت سمعته في
الداخل والخارج.
وهي التي قادته للمأزق الحالي.
فقد تعاملت الحكومة لسنوات طويلة.. مع هذا الرجل باعتباره
الممثل الشرعي الوحيد لعمال مصر.. وأنه مالك قلوب الطبقة
العاملة.. وإنه الإمبراطور علي عرش العمال.. ومن ثم فقد
وضعته فوق منصة مجلس الشعب.. من باب إطعام الفم.
لم تكن تعرف أن انتقاله لصفوف الحكام.. وأجواء السلطة..
لسنوات طويلة.. ومديدة ومستمرة.. قد جعله لا ينتمي
للكادحين من عمال مصر.. الذين يكابدون الفقر بكل أشكاله
وألوانه.
ولا حتي للكادحين من عمال أمريكا أو ألمانيا.. أو اليابان
الذين لا يتمتع الواحد منهم بما يتمتع به رئيس الاتحاد
العام لعمال مصر من سيارات وحراسات.
تارة بوصفه رئيسا للاتحاد العام لعمال مصر.
وتارة بوصفه وكيلا لمجلس الشعب.
وفي كل الأحوال باعتباره من رجال الرئيس الذين تنشر صحف
الحكومة صورته في صدر صفحاتها قبل عدة أسابيع من موعد عيد
العمال.. كل سنة.. وبانتظام.
نفس الصورة.. التي يظهر بها وزير القوي العاملة.. وفي
وسطها يجلس السيد راشد.. باعتباره صاحب الفرح.
سنوات طويلة.. تغير خلالها العالم.. إلا أن موقع السيد
راشد لم يتغير.
لا فوق المنصة.
ولا في قلب الحكومة.
أكرر أنني لا أتحدث عن السيد راشد.. علي وجه التحديد..
وإنما أتحدث عن الظاهرة.
ظاهرة عدم إدراك النظام الحاكم للمتغيرات التي طرأت.. علي
الساحة السياسية.. واستمرارها في الاعتماد علي «رموز» لم
تعد تمثل الواقع.. ولا تعبر عن الزمن.. ولا «البلاوي» التي
نعانيها!.
فالحكومة لم تدرك أن الرموز التي كانت تعبر عن واقع ما..
منذ 25 سنة.. لم تعد تعبر عن هذا الواقع الآن.
الدنيا تغيرت.
وعلاقة السيد راشد.. علي سبيل المثال.. بقضايا العمال
ومشاعرهم ومشاكلهم.. قد انقطعت منذ سنوات طويلة.. وأن
أجيالا جديدة قد ظهرت علي الساحة العمالية.. بعد الخصخصة
وغيرها.
لقد اختفي العامل الذي كان يمثله السيد راشد.. منذ 20 سنة
ولم يعد له أي وجود.. وحل محله عامل آخر.. بمشاكل أخري..
واهتمامات معاصرة.
بلاوي اليوم.. تختلف عن بلاوي الأمس.
والعامل الذي كان يمثله السيد راشد.. هو العامل في القطاع
العام وفي شركات الغزل والنسيج والكاوتشوك.
العامل الذي لم يكن يعيش في العشوائيات.. ولا يقف أطفاله
في طوابير الخبز 00إلخ.
هذا العامل اختفي.. والقضايا اختلفت.. والمخاوف تعددت..
ومع ذلك ظل السيد راشد.. بسطوة الحكومة وجبروتها.. وضعف
إدراكها.. هو الممثل الشرعي الوحيد للعمال.. وهو الذي تركع
تحت قدميه.. هامسة.
شبيك.. لبيك.
أي عمال يمثلهم السيد راشد؟!
عمال.. زمان؟!.. ربما!
والحكومة لا تعرف من العمال سوي السيد راشد.. ولا تعترف
إلا به ممثلا لها.. في المحافل المهرجانية.. وهو الذي
يصافح الرئيس.. علي الملأ!.
لم تحاول.. ولو مرة واحدة.. أن تدرس المتغيرات.. علي
الساحة العمالية.. والوجوه الجديدة التي يمكن أن تقود حركة
الإصلاح.. والاستعانة بالتيارات الصاعدة الممثلة لأجيال
الشباب.. والمعبرة عن البلاوي التي نواجهها علي جميع
الأصعدة.
لقد استمرت الحكومة في سياسة «اللامساس».. والاعتماد علي
حكمة القرود الثلاثة «لا أسمع.. لا أري.. لا أتكلم».
وبقي السيد راشد.. وأمثاله.
وبقي يدخل الانتخابات بصفة.. لم يعد يحملها إلي أن قال
القضاء الإداري.. أن صفة «عمال» قد انتفت عنه منذ سنوات
طويلة.
ومع كل هذه الحقائق التي لم تكن خافية.. علي البسطاء من
أمثالنا.. فقد استمرت الحكومة تتدخل.. بأموالها.. في
الانتخابات العمالية.. لمساندة رجال السيد راشد.. الذين
تتصور أنهم في النهاية رجالها.. وتقف ضد التيارات الجديدة
التي كان المفروض أن تتبناها وتتعامل معها.. وتري الحقائق
من خلال عيونها.
وكانت النتيجة أن «أعداء» هؤلاء الرموز.. تحولوا إلي أعداء
للحكومة.
هم ينظرون للحكومة كخصم لهم.
والحكومة تنظر إليهم كأعداء للنظام.. وربما عملاء لجهات
غير وطنية!!.
مشهد عجيب.. يعكس القدر الهائل من الغباء الذي يتمتع به
النظام الحاكم منذ سنوات طويلة.
وما حدث في الاتحاد العام لعمال مصر تكرر في كل النقابات
المهنية.. وظهر في أوضح صورة في نقابة الصحفيين.. علي وجه
التحديد.
حيث كانت الطبقة السياسية في مصر.. تتطلع للمتغيرات
الطبيعية في هذه النقابة.. وظهور أجيال جديدة من الصحفيين
ترفض الوصاية.. والضرب بالأحذية.. نظرة عداء.. وشك.. وتقف
علي طول الخط.. مع رجال.. لا يتمتعون بالحد الأدني من
القبول العام.
تقف معهم.. وتغدق عليهم الأموال.. لتصل بهم للمواقع
القيادية.. متصورة أن هؤلاء سوف يخدمون مصالحها.. وهم
رجالها.. بلا أدني مراعاة للمصالح العليا للوطن.
وأسفرت هذه الرؤية التي تتسم بضعف الإدراك، عن وجود «السيد
راشد» في كل نقابة مهنية.. وفي كل موقع جماهيري.
في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تستطيع تكوين قاعدة عريضة
من الأصدقاء.. وأن تتعامل معهم بواقعية وعدالة.. وأن تواكب
الزمن!.
ولنا فيما يجري في نقابة الصحفيين نموذج لتصحيح العلاقة
بين الحكومة الضعيفة الإدراك.. وبين الجماعة الصحفية!.
إن عصر «الرموز» التي يفضل النظام الحاكم التعامل معها..
قد انتهي.. والذين أفسدوا هذه الأمة.. ودمروا سمعتها بين
الأمم لن يستطيعوا وحدهم إعادة البناء.
إصلاح ما جري خلال ربع القرن الماضي يقتضي تصحيح البنية
السلطوية.. وإعادة البلد لأصحابها.
إن عصر الإمبراطوريات قد انتهي.
نحن الآن نعيش عصر الشعوب.. وتحضرني في هذا المقام..
الكلمات البليغة التي جاءت علي لسان أنطوني في مسرحية
شكسبير الخالدة «يوليوس قيصر»:
لقد جئت لأدفن القيصر.. لا.. لأمتدحه!.
جماعة علي بابا!
بمناسبة الكلام عن الشخصيات التي يعتبرها النظام الحاكم من
رموزه.. ويفتح لها الخزائن.. ويقول لكل واحد منهم «شبيك
لبيك» 00 وصلتني رسالة من أحد السادة الطيارين.. أغفل ذكر
اسمه لأسباب معروفة.. يرد فيها علي مقال «وزير.. بلا
سياسة» الذي تناولت فيه ما يجري في وزارة الطيران المدني..
وقلت فيه إن القيادة السياسية أرادت مجاملة الفريق أحمد
شفيق بعد إحالته للمعاش.. فابتدعت له وزارة.. باتت أشبه
بمغارة علي بابا.
وقلت فيه إنه ليس للوزير سياسة.
تقول الرسالة:
ليس صحيحا أن الوزير.. بلا سياسة.. بل إنه وزير بسبع
سياسات هي:
1- إنه صاحب مرفق الطيران المدني المصري.. لا يشاركه فيه
أحد.. لا.. الدولة.. ولا الشعب.. ولا العاملون.. ولا
المديرون.. وهو يفخر بذلك دائما.. ويقول إنه حصل علي تفويض
عام شامل بالتصرف كيفما شاء.
2- إنه موزع الأرزاق.. وولي النعم.. ونجد شخصا ليست لديه
خبرة يوم واحد.. أو حتي ساعة واحدة في الطيران المدني..
وفجأة يعينه ولي النعم في مناصب يجني منها مئات الألوف..
أما أي عالم أو خبير.. ولديه خبرة عشرات السنين في الطيران
المدني.. فإن الوزير يطارده.. ويدفعه للهروب خارج البلاد.
3- إنه الحاكم بأمر الله.. الذي يرفع من يشاء ويطيح بمن
يشاء.
4- إنه لا يقوم بتسديد الديون أو الأقساط أو الفوائد لبنك
الاستثمار القومي.. والتي تبلغ عدة مليارات من الجنيهات..
ولا يجرؤ أحد علي الحديث عنها.
5- إنه المرعب لكل أجهزة الدولة بحكم صداقته للقيادة
السياسية.
6- إنه يقترض مليارات الدولارات من البنوك الأجنبية بلا
حساب.
7- إنه قام بتوريط مصر في 570 مليون دولار.. بناء علي
التحكيم الدولي.
كان هذا هو ملخص الرسالة الفاكسية التي وصلتني حول
إمبراطورية أحمد شفيق ومبدأ «شيل.. شيل.. عبي.. عبي..
أحمدك يا رب» في الوقت الذي يجري الحديث فيه عن إمبراطورية
السيد راشد!.
هل آن الأوان لتطهير مصر من الإمبراطوريات الصغيرة.. وفتح
الأبواب أمام جموع المصريين.. وشرفاء هذه الأمة.. لإعادة
البناء؟.
أتصور أن الوقت لم يعد يحتمل الهزل.. وعلي النظام الحاكم
أن يتخلي عن ممارسة السلطة بعقلية العشيرة!.
مصر في حاجة إلي رجال دولة.. وليس إلي رجال عصابة.