تحتفل مصر - طوال هذا العام كله - بمرور مائتي عام علي
تولي محمد علي حكم مصر (1805 - 2005). والاحتفال - في
جوهره - هو احتفال بقرنين من النهضة المصرية، بل والعربية
كذلك، لأن دور محمد علي لم يكن محض دور مصري، وإنما تخطاه
إلي التخوم العربية والإقليمية. ولذا فقد اختتمت - منذ
أيام قليلة - فعاليات المؤتمر الدولي الذي نظمه المجلس
الأعلي للثقافة بعنوان «عصر محمد علي». وشارك فيه باحثون
ومفكرون مصريون وعرب وأجانب عديدون، تناولوا عصر محمد علي
من جوانبه المختلفة: الاجتماعية والسياسية والفكرية
والعلمية وغيرها من جوانب متنوعة.
والملاحظ أن الأبحاث والندوات استغرقت في موضوعات تقنية
وفنية وأكاديمية، من غير أن يتحول المؤتمر إلي كشف مأساة
لحظتنا الراهنة، التي هي بنت مأساة لحظة سابقة مرت منذ
قرنين.
اختلف المؤرخون حول تعيين نقطة البدء في العصر المصري
الحديث: هل هي لحظة الحملة الفرنسية علي مصر (1897 -
1801)، أم هي لحظة تولي محمد علي حكم مصر (1805)؟.
وعلي الرغم من وجاهة الرأي المائل إلي لحظة الحملة
الفرنسية، فقد استقر أغلب الرأي علي أن لحظة محمد علي هي
لحظة الشروع في بناء الدولة الحديثة. مثلت الحملة الفرنسية
لحظة الصدام الحاسم بين الشرق والغرب، التي جسدت «صدمة
الحداثة»، بينما مثل تولي محمد علي عرش مصر لحظة دخول في
تكوين دولة علي غير النمط القديم. هما، إذن، برهتان
متكاملتان يشكلان لحظة كبيرة واحدة: الأولي هي برهة
الاستيقاظ من السبات الطويل، والثانية هي برهة العمل في
اتجاه المعاصرة، فكأن الأولي هي إشارة «هدم» العالم
القديم، والثانية هي إشارة «بناء» عالم حديث.
هما، إذن، قرار وجواب، في حركة موسيقية عنيفة واحدة
«لاسيما أن الفاصل الزمني بينهما لا يعدو أربع سنوات».
لم يعرف جيل كامل - هو جيلي - أن محمد علي هو مؤسس الدولة
المصرية الحديثة، إلا منذ فترة قريبة، بعد أن خفتت الثقافة
التاريخية التي أشاعتها ثورة يوليو بعد عام 1952، تلك
الثقافة التاريخية التي نحَّت الجانب الإيجابي في مسيرة
الأسرة العلوية، بينما سلطت كل الضوء علي الجانب السلبي في
هذه المسيرة، باعتبارها مسيرة تسلط ورجعية واستغلال
واستبداد. العقود الأخيرة وحدها هي التي بدأ فيها نوع من
رد الاعتبار لعصر محمد علي وما تلاه من عصور، قبل الثورة
المصرية. ونعني برد الاعتبار: النظر الموضوعي، المتخلص من
الأيديولوجيات الموجهة، لمشروع كبير طويل حافل بالخراب
والعمران علي السواء، وغير مفتقر إلي خطوات النهوض والولوج
إلي الدنيا المعاصرة.
مع محمد علي، بدأت حركة ترجمة واسعة، قادها رفاعة الطهطاوي
الذي ترجم بعض الدستور الفرنسي وترجم نشيد الثورة
الفرنسية. وتكون جيش نظامي طمح إلي توسعات إقليمية وصلت
إلي قلب أفريقيا وقلب آسيا ومشارف أوروبا، وتم إنشاء مدارس
ومستشفيات ونظام قضائي، وأرسلت بعثات هندسية وعسكرية
وعلمية إلي فرنسا والغرب. ودُشنت نظم مركزية للري والزراعة
وبعض المصانع. كل ذلك في إطار عملية احتكاك كبري بالغرب:
تتفاعل وتنقل وتحذو حذو الحضارة الغربية التي كانت مثلا
أعلي لمشروع محمد علي وأبنائه العلويين.
هذه العناصر السابقة - وغيرها - هي العناصر التي تشكلت بها
حركة بناء الدولة الحديثة، لكي تنتقل بمصر من العصور
الوسيطة إلي مواكبة الدنيا المحيطة، سيما إذا أضيفت عليها
- بعد ذلك - مع أبناء محمد علي، من منتصف القرن التاسع عشر
إلي منتصف القرن العشرين، عناصر جديدة مثل: نشوء الجمعيات
الأهلية، ونشوء الأحزاب، ونشوء البرلمان، ونشوء مبدأ الفصل
بين السلطات.
لماذا - إذن - فشل مشروع محمد علي؟ ولنكرر السؤال علي نحو
أوسع: لماذا تعثر مشروع النهضة المصرية طوال قرنين من
التحديث؟.
عندي أن مشروع محمد علي لبناء الدولة المصرية، انطوي - مع
إيجابياته الباهرة - علي خمس ثغرات جوهرية كمنت في جذر
المشروع وسببت انتكاسته الأليمة:
الثغرة الأولي: هي الديمقراطية، التي تنكر لها محمد علي
وهو يبني دولته العصرية، علي الرغم من أن الديمقراطية هي
التي أتت بمحمد علي إلي عرش مصر، عبر اختيار الأشراف له
«بقيادة عمر مكرم» ضد رغبة السلطان العثماني، فلما استقر
العرش لمحمد علي نفي عمر مكرم نفسه، ثم قضي علي المماليك
في مذبحة القلعة الشهيرة، وما لبث أن نفي سنده الفكري
العظيم «الطهطاوي». الهدف: أن ينفرد بالحكم وحيدا، لكي
تنشأ نظرية من أكثر النظريات تدميرا لجوهر المشروع، وهي:
نظرية المستبد العادل!. والدرس المستخلص هنا: لا يمكن بناء
دولة وطنية حديثة، بدون ديمقراطية.
الثغرة الثانية: هي ثغرة الإجراءات الفوقية، ذلك أن معظم
إنجازات محمد علي وبنيه كانت إجراءات فوقية علوية تصدر من
السلطة العليا، من غير أن تنبع من أرضية شعبية تحتية، ومن
غير أن تحمي بقاءها - بعد صدورها فوقيا - أرضية شعبية
تحتية، ولذا كان سهلا أن تتبدد مع أول هبة ريح. والدرس
المستخلص هنا: لا يمكن أن ننجز إجراءات تهم الشعب، في غيبة
الشعب نفسه، وفي غيبة حماية الشعب لها.
الثغرة الثالثة: هي ثغرة ما سمي في أدبيات الفكر الاجتماعي
«رأسمالية الدولة»، فمحمد علي كان هو المالك الأوحد،
والصانع الأوحد، والزارع الأوحد، «وتكررت صيغة رأسمالية
الدولة مع عبدالناصر»، وهي صيغة تلفيقية، لا هي رأسمالية
حقيقية صافية، ولا هي ملكية الشعب لوسائل الإنتاج كما في
الاشتراكية. الغرض منها: هو الاحتكار المقنع. الدرس
المستخلص هنا: لا يمكن إقامة عدالة اجتماعية مع الاحتكار،
سواء كان احتكار طغمة الوالي أو طغمة الدولة والزعيم.
الثغرة الرابعة: هي ثغرة المراوحة أو الازدواج أو الرقص
بين الدولة المدنية والدولة الدينية، فلم تستطع هذه النهضة
- طوال القرنين جميعا - أن تفصل فصلا ناجزا بين الدين
والدولة «كما فعلت النهضات الأوروبية»، بل ظلت ترفل في
التناقض: إقامة دولة مدنية بتغطية وشرعية دينية. هنا،
كذلك، مقتل الرؤي الفكرية التنويرية المصاحبة للنهضة طوال
القرنين: بدءا من الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد
عبده وقاسم أمين، حتي طه حسين وعلي عبدالرازق وخالد محمد
خالد وحسن حنفي. الدرس المستخلص هنا: لا يمكن إقامة دولة
مدنية حديثة إلا بمرجعية مدنية، تفصل بين الدين والدولة،
ليكون معيار المواطنة فيها هو العقد الاجتماعي بين الفرد
والقانون، وليس العقيدة الدينية.
الثغرة الخامسة: هي ثغرة تربص الاستعمار الأوروبي والغربي
«بالمسألة المصرية» في التاريخ القديم والوسيط والحديث. إن
«نهضة مصر» أمر محرم عند الغرب، لأنها مفتاح جبار لانطلاق
«ريح الشرق» العاصفة، حسب تعبيرات أنور عبدالملك، (هذا ما
تم مع محمد في 1840 ومع ناصر في 1967).
أجري كثير من مفكري العلوم الاجتماعية العرب المعاصرين
«مثل أنور عبدالملك وعبدالله العروي وغالي شكري وألبرت
حوراني وسمير أمين» مشابهات عديدة بين مشروع محمد علي
ومشروع جمال عبدالناصر، من حيث عناصر الصعود وعناصر
الانكسار، وهي مشابهات صحيحة، مع اختلافات بسيطة في الزمن
والأداء.
فلا ريب أن الثغرات الخمس التي نخرت محاولة محمد علي، هي
نفسها الثغرات الخمس التي نخرت محاولة ناصر: غياب
الديمقراطية، والإجراءات الفوقية، ورأسمالية الدولة،
والازدواجية بين الدولة المدنية والدولة الدينية، وتربص
الاستعمار الغربي.
وإذا كان تربص الاستعمار بمصر أمرا خارجا عن إرادة صناع
المشروع النهضوي المصري «إذ هو يكاد يكون قدر مصر: مصر
المكان والمكانة والدور»، فإن الثغرات الأربع الأخري هي من
صنع أيادي قادة النهضة المصرية، ومن نتاج رؤاهم الواحدية
الفوقية المحتكرة المزدوجة. وفوق ذلك، فإن سدّ الثغرات
الأربع السابقة كان - ولايزال - هو السبيل الوحيد لكسر أي
حلم استعماري بمصر.
من عجب أن أسئلة قرنين ماضيين لازالت هي أسئلة اللحظة! ومن
عجب أن الصخور التي تحطمت عليها أحلام النهضة منذ بدء
العصر الحديث هي نفسها صخور الساعة الراهنة!. أما العجب
العجاب، فهو ألا يتحول مؤتمر محمد علي في المجلس الأعلي
للثقافة «بحضور مائتي مفكر وباحث ومثقف» إلي مساءلة عصر
محمد علي، ومساءلة مسار النهضة كله من محمد علي إلي كمال
الشاذلي وعمرو خالد وأحمد عز «بتاع الحديد والصلب»، لنعرف:
لماذا انكسر؟ ولماذا ينكسر؟ ولماذا سينكسر؟
يا محمد علي: اللي بني مصر كان في الأصل حلواني، هل أنت
حلواني؟.