ننتظر الغائب أن يأتي00 ولم يأت00 والحال كما هو لم
يتغير00 ربما ازداد سوءا، ولم تفسح العقبة الجاثمة علي
صدورهم براح من المضي قدما للتغيير00 الأمر أعقد وأصعب مما
نظن، مازالت الأبواب موصدة ومغلقة علي خزائن الأسرار00
والبطون خاوية والشفاة ظمأة، والقتلي يتساقطون مع طول
النهار وحتي المغيب، فماذا تغير، وآلة البطش تتسكع دون
حساب0 ربما أصبحوا أكثر قسوة من ذي قبل0
مازال السؤال يلقي بعلامات الاستفهام في شوارعنا، لكن
الزمان البخيل يضن بالاجابات، ولا يبقي في المشهد سوي
العبارات المترهلة الغامضة والمطاطة 00 وبعض من الوصايات
الباطلة في الأزمنة المستبدة، تتراكم الأصفاد والأغلال كل
يوم، ولا مجيب رغم اللافتات العريضة المرفوعة هنا وهناك عن
انتهاء عصر العبودية والقمع وبدايات عصور الحرية0
لن يأتي الغائب00 فمن يرحل لا يعود00 ربما تظل الذكريات
حبيسة الصدور، تحوم في المكان، لتذكر بما كان يدور بالأمس،
وفي أحسن الأحوال تدغدغ المشاعر الباحثة عن تفسير منطقي،
في زمن تنفي فيه كل العقول 00 مازالت الريح تصفر في
الأجساد العارية وتستبيحها00
من الموت البطئ إلي النسيان البطيء، يمر شريط الذكريات
يفرد العناوين والكلمات والأخبار القديمة عن حصار الثلاث
سنوات، حيث كان يكتب التاريخ بحروف لا تقرأ، وكأننا نتعمد
أن نطوي صفحة الدرس المقرر الوحيد في مناهج الحياة، لذا
يأتي الرسوب مدويا، وقد لا يحتاج إلي تفسيرات0
نفرض علي أنفسنا وباراداتنا حظر الكلام، ونضع اللصاقات علي
الشفاة لئلا تتسلل كلمة من هنا أو هناك تفضح ما يدور،
ويصبح الصمت أو بالأحري الخرس اللغة السائدة، ولا نسمع إلا
وشوشة النخل، وغطيط السكون00 وثرثرة الريح00 وثورة الأرض
من تحت اقدامنا وكأنها تريد أن تبتلعنا بعدما ضجرت
بأفعالنا المخزية0
بعد عام يأتي الصغار حاملين دفتر الأيام الحزينة وكشوف
الكوارث والمأسي، وفي مقلتيهم يتردد السؤال : كيف مات أبو
عمار00 يفزعنا السؤال ويرعبنا فلا بديل غير أن نفقأ عيونهم
البريئة حتي يتبدد الوهج المنطلق منها00 تري هل يطفئ
النسيان إلحاح التكرار المستمر حول اجابة بديهية في زمن
استثنائي 00 يلجأ الصغار في نهاية الأمر لمحاكاة الطبيعة
ربما تتبدي00 يتحسسون النخيل والسكون والريح، لكن السكون
المطبق يكشف عن حقيقة المدن الصماء والمذعورة0
ولأن كل أيامنا مآتم، ما احوجنا إلي أعياد للرثاء والنحيب
والبكاء، ربما ذلك يجعلنا نختصر نواح العام في يوم واحد
نولول ونلطم الخدود ونهيل التراب علي رءوسنا ربما نستطيع
بعد ذلك أن نواجه أنفسنا ونتفرغ للاجابة علي جبال الأسئلة
المتراكمة 00
تزدحم الميادين باللافتات والصور والتماثيل وأنصبة
الراحلين والزعماء، الذين يضيقون الحركة والتجول ، نحن أمة
يعيق ماضيها حاضرها ويضيق عليها المسافات00 فإلي متي عبادة
الأصنام والرب موصول بالقلوب لا يحتاج لمراسم أو تشريفات0
ايها المارقون الخادعون00 الصامتون عن الحق00 الساترون
للباطل00 أيها الأوصياء علينا بغير سند، كيف متي ياسر
عرفات؟