عولمة السجن والتعذيب: مشاركة عربية في شبكة المعتقلات الأمريكية
مساعي الكونجرس لفرض قيود علي حرية الصحافة
خالد الفيشاوي
كشفت «الواشنطن بوست» في عددها الصادر في 2 نوفمبر، أن
وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تقيم شبكة سجون عالمية
سرية، لحبس من يتم القبض عليهم في إطار ما تسميه واشنطن ب
«الحرب ضد الإرهاب»، علي أساس منح تسهيلات للمخابرات
الأمريكية في عدة دول، منها تايلاند وأفغانستان، وبعض
بلدان أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، فضلا عن معتقل
جوانتانامو في كوبا.
وتتولي المخابرات الأمريكية فقط التعامل مع السجناء، ولا
يعرف بها سوي حفنة من المسئولين في الولايات المتحدة،
ورئيس الدولة المضيفة، وقيادات المخابرات في البلدان
المضيفة.
ولما كانت المحكمة العليا الأمريكية، أصدرت حكما يحرم
اعتقال أو حبس أي شخص في الولايات المتحدة بدون تهمة
محددة، وأقرت حتي بحق سجناء جوانتانامو في ذلك.. تسعي
المخابرات المركزية الأمريكية، وإدارة «بوش» للتهرب من
القوانين الأمريكية، بإنشاء سجون سرية للاعتقال غير
القانوني والتعذيب، فيما وراء البحار.
رفضت الإدارة الأمريكية الإعلان عن الدول التي وافقت علي
استضافة هذه المعتقلات، بينما بادرت الحكومات الروسية
والمجرية والسلوفاكية والبلغارية بإنكار وجود مثل هذه
السجون علي أراضيها، وصرح وزير الداخلية التشيكي «فرانتيسك
بوبيان»، بأن بلاده رفضت طلبا أمريكيا بإقامة معتقل علي
أرضها، منذ شهر واحد فقط.
وأكد الوزير التشيكي، أن الأمريكيين يعتقلون ثلاثة آلاف من
جنسيات مختلفة، يدعون انتماءهم لتنظيم القاعدة، ولا يتسع
سجن «جوانتانامو» إلا لبضعة مئات.. وتتساءل «الواشنطن
بوست»: أين بقية المعتقلين؟ لا أحد يعرف.. لكن مسئولا
أمريكيا، رفض نشر اسمه، قال للجريدة: إن 70 سجينا تم
تسليمهم للمخابرات في مصر والأردن والمغرب وأفغانستان،
ووكالات تخابر أخري.
وتؤكد «الواشنطن بوست» أن المخابرات الأمريكية تتولي
الإشراف علي هذه السجون، وتعذيب المساجين.
وفي إطار ردود الأفعال علي ما نشرته «الواشنطن بوست»،
أعلنت المفوضية الأوروبية أنها ستحقق في الأمر، خاصة فيما
تردد عن مشاركة بعض بلدان أوروبا الشرقية في منح تسهيلات
لإقامة هذه السجون، لأنها تشكل انتهاكا صارخا للمعاهدة
الأوروبية لحقوق الإنسان، وللمعاهدة الدولية المناهضة
للتعذيب.
كما أعلنت البارونة «سارة لودفورد»، العضوة البريطانية في
البرلمان الأوروبي، أنها ستدعو المفوضية البريطانية
للتحقيق العاجل في هذا الموضوع.
ودعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلي ضرورة تمكينها من
الاتصال بكل المساجين الأجانب الذين تعتقلهم الولايات
المتحدة، وبالمثل، أكد «مانفريد نواك»، أنه سيواصل مساعيه
لمعرفة كل السجون الأمريكية في العالم.
بينما أكدت منظمة «هيومان رايتس ووتش» «مراقبة حقوق
الإنسان» في نيويورك، أن بولندا ورمانيا تستضيفان سجونا
للمخابرات الأمريكية.
العرب علي الخط
من ناحية أخري، كانت صحيفة «الواشنطن بوست»، نشرت تقريرا
في 2 يناير الماضي، عن اتصالات أجرتها إدارة «بوش» آنذاك،
لإقامة سلسلة من المعتقلات الأمريكية في السعودية واليمن
وأفغانستان، لحبس مئات المعتقلين لدي المخابرات الأمريكية،
وبالطبع تم التكتم علي الأمر في بلادنا.
في نفس السياق، فجر «ممدوح حبيب»، الاسترالي الجنسية، 49
عاما، فضيحة بعد إطلاق سراحه من «جوانتانامو» في 28 يناير
الماضي، وبعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف قضاها قيد الاعتقال
من جانب المخابرات الأمريكية في إطار «الحرب ضد الإرهاب».
كان حبيب اعتقل في باكتسان في أكتوبر 2001، ونقل إلي مصر،
حيث تم تعذيبه ثم ترحيله إلي جوانتانامو في مايو 2002.
ورغم اهتمام الإعلام الدولي بقضية «ممدوح حبيب».. أيضا تم
تكتم الأمر.
ولكن، يبدو أن الوقت قد حان، لكشف فضائح إدارة «بوش»
وأتباعه في بلادنا.
تحقيق من المفارقات، أن يتواطأ الكونجرس الأمريكي، ويتكتم
فضيحة سجون المخابرات المركزية الأمريكية في العالم، وبدلا
من التحقيق فيها، يسعي لملاحقة المسئولين الذين سربوا
أنباء الفضيحة للصحافة، ويطالب بمعاقبتهم!!.
حيث وجه «بيل فريست» زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ،
و«دينيس هاسترت» المتحدث باسم مجلس النواب، رسالة إلي
رئيسي لجنتي المخابرات في مجلسي الشيوخ والنواب يطالبان
فيها بالتحقيق مع المسئولين عن تسريب هذه المعلومات
للصحافة.
كما أرسل المجلس العام للمخابرات المركزية الأمريكية رسالة
لوزارة العدل يشكو فيها من نشر الواشنطن بوست لمعلومات
سرية عن السجون الأمريكية في العالم!!.
بينما لم يطالب أحد بالتحقيق مع المسئولين عن إقامة مثل
هذه المعتقلات والسجون!!.
وفي 8 نوفمبر عقد «فريست هاسترت» مؤتمرا صحفيا ندد فيه
بالواشنطن بوست، متهما إياها «بتعريض الأمن القومي
الأمريكي للخطر».. وبسؤاله عن الموقف من هذه السجون..
أجاب: «إن ما نشرته الواشنطن بوست.. أخطر كثيرا من وجود
معتقلات سرية».
وفي هذا الإطار تسعي الحكومة والكونجرس لحظر نشر المعلومات
في الصحف، وتصفية أي مسئول يسرب معلومات لها، وهو الأمر
الذي يشكل انتهاكا غير مسبوق لحرية الصحافة.
رغم ذلك، نشرت الصحافة الأمريكية هذا الأسبوع، المزيد من
المعلومات عن أساليب المخابرات الأمريكية في التحقيق مع
المشتبه فيهم في شبكة سجونها السرية في العالم، كما أشارت
«النيويورك تايمز» إلي تقرير سري أعده «جون هلجرسون»
المفتش العام لوكالة المخابرات المركزية، في عام 2004 يحذر
فيه من أن أساليب التحقيقات التي تتبعها الوكالة مع
المشتبه فيهم في هجمات 11 سبتمبر، تشكل انتهاكا صارخا
للمعاهدة الدولية لمناهضة التعذيب، الصادرة من الأمم
المتحدة، والموقعة من جانب الولايات المتحدة.
ويري بعض المراقبين، أن تفجير هذه الفضيحة في الوقت
الراهن، مع فضائح ومحاكمات أخري لبعض مساعدي «ديك تشيني»،
نائب الرئيس الأمريكي، و«رامسفيلد» وزير الدفاع، واتهام
«تشيني» من جانب بعض المسئولين بأنه المسئول الأول عن
فضائح سجني «جوانتانامو» و«أبوغريب».. يري البعض أنها
مؤشرات علي احتدام الصراع داخل الإدارة الأمريكية، قد تسفر
في النهاية عن الإطاحة بها.. أو علي الأقل هزيمة
الجمهوريين في الانتخابات البرلمانية القادمة.